الخميس - 23 سبتمبر 2021
الخميس - 23 سبتمبر 2021

دبلوماسية الابتكار

يعكس حرص صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة على لقاء الطلبة الإماراتيين الدارسين في الجامعات والمعاهد الصينية الأهمية الفائقة التي يحتلها الابتكار والتطوير والبحث العلمي باعتباره ركيزة أساسية من ركائز العلاقات الاستراتيجية بين الإمارات والصين، وأحد أبرز المجالات المتوقعة لتمدد العلاقات بين البلدين في المستقبل. ويكتسب التعاون الإماراتي الصيني في مجال الابتكار والبحث والتطوير أهمية خاصة على ضوء الاستراتيجية الوطنية للابتكار التي دشنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، والتي تستند إلى خطة زمنية تمتد سبعة أعوام، وتهدف إلى جعل الإمارات في مقدمة الدول الأكثر ابتكاراً في العالم. وتهدف الاستراتيجية إلى تحفيز الإبداع والابتكار في القطاعات السبعة التي تعتمد اعتماداً أساسياً على الابتكار في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، وهي الطاقة المتجددة والنقل والتعليم والصحة والتكنولوجيا والمياه والفضاء. وقطعت الصين شوطاً كبيراً في المجالات كافة التي تركز عليها استراتيجية الابتكار الإماراتية، ما يجعل التعاون بين البلدين مثمراً للغاية، ويلبي تطلعات الطرفين في نقل آفاق التنمية والتعاون إلى مستويات غير مسبوقة. وتركز النظرة التقليدية للصين المترسخة في ذهن العالم على أن الصين دولة مقلدة بارعة في استنساخ ما يطوره الآخرون، ولكن هذه النظرة على وشك أن تتغير إلى الأبد بفضل النمو القوي للاقتصاد الصيني، وبصفة خاصة قطاع التكنولوجيا الذي حقق قفزات هائلة تؤمن له اقتحام السوق العالمية للابتكار والتكنولوجيا المتقدمة. ويسهم تزايد القدرات التكنولوجية الصينية في زيادة ثقلها النسبي في سلاسل القيمة المضافة التكنولوجية سواء في الداخل أو الخارج. ويختلف المحللون في فهم الدوافع الحقيقية وراء التوسع الصيني في الاستثمارات الخارجية في قطاع التكنولوجيا والابتكار. وعلى سبيل المثال اشترت شركة لينوفو الصينية قبل عقد من الزمن شركة إي بي إم لأنظمة الكومبيوتر الشخصية مقابل 1.75 مليار دولار، فيما وصف بأنه أول عملية استحواذ صينية في الخارج في قطاع التكنولوجيا. وفي الحقيقية إن هذه الصفقة لم تسهم فقط في تعزيز مكانة شركة لينوفو كأكبر شركات تصنيع أجهزة الكومبيوتر في العالم، وإنما مهدت الطريق أيضاً أمام الصين لكي تصبح أكبر مستثمر في العالم في قطاع التكنولوجيا. وشهدت وتيرة الغزو الصيني لقطاع الاستثمار في الابتكار والتكنولوجيا المتطورة على مستوى العالم طفرة كبيرة في عام 2014، وعلى سبيل المثال استحوذت الاستثمارات الصينية في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الأمريكي على نسبة تفوق 50 في المئة من إجمالي الاستثمارات الصينية المباشرة في الولايات المتحدة. واستحوذ مستثمرو القطاع الخاص الصيني في بعض الحالات بالكامل على الاستثمارات في قطاعات فرعية استراتيجية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الحيوية والطاقة الخضراء. ويختلف نمط التوسع الصيني الخارجي في قطاع التكنولوجيا المتقدمة والابتكار عن نماذج التوسع الاستثماري الصيني الخارجي التقليدي، الذي اتسم بسيطرة الشركات العامة المملوكة للحكومة الصينية على عمليات الاستحواذ الخارجية في مختلف القطاعات، فيما تترك عمليات الاستحواذ على التكنولوجيا المتقدمة للشركات التي لا علاقة له بالحكومة أو على الأقل صلتها ضعيفة بالحكومة. وعلى الرغم من أن تدخل الشركات المملوكة للحكومة الصينية في عمليات الاستحواذ الخارجية في قطاع التكنولوجيا المتقدمة ضعيف، فإن استمرار تنامي عمليات استحواذ الشركات الصينية الخاصة على أصول شركات التكنولوجيا في الخارج يثير مخاوف الشركات والحكومات الغربية على حد سواء، وبصفة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية ويطرح علامات استفهام كبيرة حول استراتيجية الحكومة الصينية والتأثيرات التي يمكن للشركات الصينية أن تتركها على هذه الأسواق. وبعيداً عن عمليات الاستحواذ على أصول شركات التكنولوجيا الغربية، فإن شركات التقنية الصينية أظهرت براعة فريدة في الابتكار، وأصبحت رائدة على المستوى العالمي في بعض قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، ومع تزايد نهم الصين لاقتحام القطاعات المتعلقة بالتكنولوجيا والطفرة الهائلة في قدرات الصين التكنولوجية فإن التغييرات الناتجة عن ذلك في أسواق التكنولوجية العالمية ستكون درامية. العلوم تنهي عزلة الصين يمر التفكير في التكنولوجيا والبحث العلمي على مستوى القيادات الصينية العليا بمرحلة تغيير جذرية، ويصف مقال منشور في دورية العلوم والتكنولوجيا الصينية التي تصدرها وزارة العلوم والتكنولوجيا الصينية، عملية التحول في تفكير القيادة الصينية بأنها ابتعاد عن نموذج العزلة، والانخراط في دبلوماسية العلوم والتكنولوجيا. وتتميز استراتيجية العلوم والتكنولوجيا الصينية بخلايا العمل التي تجمع مختلف الأطراف من فروع العلوم المختلفة، وبصفة خاصة في قطاعات التطوير التي تنطوي على درجة عالية من التخصص. وترغب بعض الشركات الصينية في زيادة حصصها في الأسواق العالمية، ولكن ليس بالضرورة نقل عمليات الإنتاج إلى الصين، وعلى سبيل المثال شركة زد تي إي، وهي واحدة من أكبر تكتلات الاتصالات السلكية واللاسلكية في العالم، بدأت شركة صغيرة في الصين قبل عقود عدة، ولكنها سرعان ما بدأت بالتراخيص للتكنولوجيا الأجنبية وأصبحت واحدة من أكثر الشركات تطويعاً للتكنولوجيا في العالم، وتجري الشركة أبحاثاً معمقة حول البنية التحتية للجيل الخامس من شبكات الاتصالات والتقنيات المرتبطة بها. ورغم أن الشركة كانت قبل عقود عدة تلهث من أجل اللحاق بالشركات الغربية فيما يتعلق بتطوير شبكات الهاتف المحمول، نجدها تقف اليوم كتفاً بكتف مع الشركات الغربية، وتحاول الدخول في الأسواق الرئيسة مثل أوروبا. ودفعت الخبرة العميقة التي تملكها الشركة في مجال تطوير الشبكات المفوض الأوروبي للبحوث والعلوم والابتكار كارلوس مودياس إلى دعوة الرئيس التنفيذي للشركة شي يرونغ للمشاركة في العديد من البرامج العلمية، وحث الشركة على مواصلة الاستثمار في شبكات المحمول في أوروبا. ورغم أن حجم هذه الاستثمارات والتعاون هو الأكبر في مجال الإلكترونيات والبرمجيات والقطاعات ذات الصلة، فإن الصين اتخذت خطوات مماثلة في شرائح أخرى من قطاع التكنولوجيا الفائقة بما في ذلك التكنولوجيا الخضراء، والتكنولوجيا الحيوية، وتكنولوجيا النانو، والهندسة، والعلوم الصحية. وعلى سبيل المثال استحوذت شركة بي جي إي شينزهنن، وهي شركة صينية عملاقة متخصصة في التطبيقات التقنية للعلوم الجينية، في عام 2013 بالكامل على شركة جينومكس الرائدة في سلاسل الجينات البشرية. وتشارك الصين أيضاً في مشروع مشترك لتكنولوجيا اصطياد الكربون وتخزين الكربون في ولاية تكساس الأمريكية. وترغب شركات صينية أخرى في تطوير قدرات التصنيع الصينية من أجل خدمة الأسواق المحلية والأجنبية، وعلى سبيل المثال، اتفقت مجموعة من مستثمرين صينيين على شراء شركة أومنيفيشن تكنولوجيز، التي تنتج نحو 30 في المئة من أجهزة الاستشعار والتصوير الرقمي في العالم، كما أن الصين تعد أكبر وأسرع أسواق العالم نمواً في الدوائر المتكاملة. الغزو من الداخل استراتيجية الاستثمار في التكنولوجيا تركز الاستثمار الأجنبي المباشر تقليدياً على الاستحواذ على الموارد واكتساب التكنولوجيا ومرافق تسهيلات التجارة، ويتضح هذا النمط في الاستثمار التكنولوجي في العالم النامي، وأوضح ما يكون في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث استثمرت الصين مليارات الدولارات في تطوير مشاريع التعدين والموانئ والسكك الحديدية والبنية التحتية للكهرباء اللازمة لدعم هذه المشاريع. واستثمرت الصين في دول العالم المتقدم، في الموانئ وتطوير السكك الحديدية والشحن، ولكنها ركزت في المقام الأول على اكتساب التكنولوجيا عبر الشراكات في صناعة النفط والغاز الطبيعي وغيرها من القطاعات الاستراتيجية. وعلى الرغم من أن الصين ما زالت تحافظ على الاستثمارات التقليدية، فإن حصتها تراجعت، نتيجة انحسار الطلب على الموارد الخام، وتطلع المستثمرون الصينيون إلى مزيد من المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية العالية. وتواصل الصين السير على خطى اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان فيما أصبح يعرف باسم مسار التنمية التقليدي في اقتصاديات دول شرق آسيا. ويبدأ هذا المسار عادة في الخطوة الأولى بتصدير سلع صناعية ذات قيمة مضافة محدودة، وفي الخطوة الثانية تنتقل الدولة إلى عمليات التصنيع المتوسطة، وفي الوقت نفسه تمنح تراخيص للتكنولوجيا الأجنبية. وفي الخطوة الثالثة تبدأ الشركات المحلية في تقليد أو تطوير تقنيات بصورة مستقلة عن التراخيص، وفي المرحلة الرابعة يركز الاقتصاد على المراحل الوسطى من عمليات التصنيع التكنولوجي المتطور، وفي المرحلة الخامسة والأخيرة يبدأ الاقتصاد مسيرة الابتكار الخاصة به. ورغم أن القيود الداخلية في الصين مثل التشريعات الحكومية والضوابط الاقتصادية يمكن أن تحد من السرعة والمدى الذي يمكن أن تقطعه الصين على هذا الدرب، ولكن الطموح الصيني واضح في أنها تريد أن تصبح زعيمة للتكنولوجيا الفائقة وليس مقلدة، وهي على أتم الاستعداد لنشر قدراتها التكنولوجية في الداخل والخارج من أجل تحقيق هذا الهدف.
#بلا_حدود