الثلاثاء - 03 أغسطس 2021
الثلاثاء - 03 أغسطس 2021

من فضلك: مسافة!

*بعد تحرير باريس في نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي موقف دفاعي عن المسافة «المكانة» عند القائد المنتصر، التي يحب أن لا يزاحمه فيها أحد في مشهد استعراضي أمام الجماهير، دخل الجنرال شارل ديجول على رأس كتيبة المحاربين المنتصرين إلى العاصمة الفرنسية منتشياً، وعندما كان يستعرض وحداته أمام الحشود في شارع الشانزليزيه، زاحمه أحد الجنرالات على تصدر منصة الاستعراض، فما كان من الجنرال ديجول المنتصر إلاّ أن نهره بلطف قائلاً: «مسافة من فضلك»!. لا أحد منا يحب أن يتجرأ أحدهم على ظله وفي مساحته، فما بالك إن كان في لحظات استحقاقك ومجدك التاريخي. *المسافة هي ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلك عن العالم في حيزها، أو استباحتك كلياً في أتون تخطيّها، أن تكون صورة لنفسك لا نسخة عن الآخرين، هي الفن والحس الإنساني الخلاّق، والفعل غير المرئي الذي يختلط في الكثير من مسارات الحياة، وأهمها فهم علاقتنا بالآخر، وأهميته في حياتنا، فعملياً هي أشبه بالمنطقة التقديرية الآمنة لسلامة مركبتين متتابعتين على طريق واحد!، «الخصوصية» التي يتجاهلها البعض، بالسماح لانعتاق الآخر من كل ما يربكه، ويُعيقه ويعتريه من هموم في سيرورة دوامته اليومية، لالتقاط أنفاسه، ولترتيب أفكاره وأولوياته، ولتجديد حيوية تواصله بكل ما حوله. *هي المنحة الإنسانية المتعّقلة التي نفردها لفهم رؤى الآخر دون تحامل أو تعصب، أو انحياز لقناعاتنا الشخصية. *هي الاستراحة التي يستقطعها التاريخ لكتابة أحداثه بوضوح دون تلكؤ أو تغييب لمفاصله. *هي لحظات التأمل التي تحتضن ولادة الفكرة بكل مساراتها وإرهاصاتها البنيوية، وهنا كان من غير الممكن تجاوز المسافة من ذاكرة الأدب العالمي، التي قطعها الكاتب الألماني «باتريك زوسكيند» لنفسه، ليشرع في كتابة رائعته «العطر»، ففي خضم عشر سنوات أمضاها في بحث واكتشاف روائح الكون وكيفية تكونها وتشكيلها واختبارها بنفسه، لما استطاع لأن يخلق أهم ملامح بطل روايته «جرونوي» المأخوذ بحاسة شمهِ الخارقة!. وفي الحب مهما بلغت جذوة العشق بين حبيبين، هنا يتجلى «ذكاء المسافة» في التحكم في ميكانزمات الاشتعال عشقاً وصلاً وبُعداً، في ما بين الاستمتاع بالمشترك، واحترام الخاص وتقديره، في الإبداع لخلق فضاءات التحليق الملونة، وما بين الوقوع في رتابة إيقاع عشقي موحد، ولكي تبقى معزوفة الحب صادحة متجددة بأعذب ألحانها، دون أن يعتريها الملل، فلم أجد أبلغ من الحكمة الجبرانية التي تقول: «غنيا وارقصا وامرحا معاً.. ولكن ليخلُ كلُُّ إلى شأنه، فإنّ أوتار القيثارة مشدودة على افتراق، وإن خفقت جميعاً بلحن واحد»!. (جبران خليل جبران) للتواصل مع الكاتبة: [email protected]
#بلا_حدود