الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

بن همام يهندس المؤامرة القطرية لاستضافة كأس العالم 2022

لا تزال تداعيات قرار عدد من الدول العربية مقاطعة قطر تلقي بظلالها على الأنشطة الرياضية في المنطقة، ومن أهمها استضافة قطر لنهائيات كأس العالم لكرة القدم 2022، وما أحاط بها من اتهامات أن قطر نجحت في الفوز باستضافة أهم حدث كروي في العالم، مستخدمة الفساد والرشوة، في مؤامرة كان مهندسها وبطلها القطري محمد بن همام. بدأت قصة الفوز باستضافة المونديال بمعسكر سري صبيحة يوم رطب في شهر يونيو من عام 2008، في مقر اتحاد كرة القدم الآسيوي في العاصمة الماليزية كوالالمبور. وقتها أكدت مصادر مقربة أن محمد بن همام كان يدير اتحاد كرة القدم الآسيوي كأنما هو مملكته الخاصة، وكان يملك الحرية المطلقة في التصرف في أموال الاتحاد حسب مقتضيات الحال، واستضافة المونديال أحد أهم تلك المناسبات. «الكاف» محطة الانطلاق وجه القطري محمد بن همام الدعوة لرؤساء 25 اتحاداً أفريقيا لكرة القدم لزيارة كوالالمبور في رحلة مدفوعة التكاليف بالكامل، لإحداث التأثير الإيجابي لدى قادة الوفود. وتم سحب 200 ألف دولار من خزينة الاتحاد الآسيوي، من أجل تقديم دفعة مالية مقدماً للضيوف من الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، وقد سحب المبلغ قبل 48 ساعة من وصولهم إلى العاصمة الماليزية. ووفق الديلي ميل البريطانية، شملت الدعوة، إلى جانب الضيافة والمخصصات المالية والهدايا الفاخرة، رحلة إلى منتجع مالاكا الماليزي الفاخر. هذا الكرم أثر حتى على المرأة الحديدة (إيزيتا ويسلي) رئيسة اتحاد الكرة الليبيري. وعكست إعجابها معلقة «أمضيت وقتاً ممتعاً، شرف لي زيارة تلك البقعة الرائعة التي ستظل في الذاكرة إلى الأبد، شكراً على الهدايا القيمة». ولم يقتصر الأمر على ذلك. بعد رحيل الوفود، أمر بن همام إدارته المالية بتحويل دفعات مباشرة إلى رئيس اتحاد كرة القدم في بنين، والرئيس التنفيذي للكاف أنجورين مشرفو، هو وثلاثة من الأعضاء الآخرين. وكان من المقررأن تتقدم قطر بملف استضافة مونديال 2022 في مارس 2009، لكن من الضروري الحصول على الدعم والموافقة لمساندة الملف مبكراً. وتكررت بعد أربعة أشهر الزيارة، وشملت الدعوة زوجات وبنات رؤساء الاتحادات الأفريقية، وصرف مبلغ خمسة آلاف دولار كل فرد مقدماً، ليصل إجمالى المبلغ 195 ألف دولار أمريكي. وتوالت الأموال لمختلف اتحادات الكرة الأفريقية لضمان الولاء، وقد كان. دور حياتو برز في هذه المرحلة دور عيسى حياتو، الكاميروني القوي، الذي تولى رئاسة اتحاد الكرة الأفريقي (كاف) منذ عام 1987، من خلال رسالة الشكر التي بعثها البنيني مشرفو، وهو أحد الأفارقة الأربعة المخولين بالتصويت لتحديد الدولة الفائزة باستضافة مونديال 2022، وكانت النتيجة أن أرسل له بن همام 22400 دولار لتغطية تكاليف رحلة مناسك العمرة في المملكة العربية السعودية له ولزوجته. بعدها طار بن همام في فبراير لحضور كونغرس الكاف في لاغوس النيجيرية، وبعد الرحلة بشهر واحد، قدم اتحاد كرة القدم القطري ملف استضافة نهائيات كأس العالم 2022، في منافسة مع كل من الولايات المتحدة، أستراليا، اليابان، وكوريا الجنوبية. وظهرت المكافأة على جهود محمد بن همام واضحة للعالم، أرسل فاضول حسين، رئيس اتحاد كرة القدم في جيبوتي، رسالة إلى ابن همام تفيد بجهوزيته هو ودول شرق أفريقيا للتوقيع لصالح الملف القطري، وجاء في الرسالة «يسعدني إخطاركم أني جاهز للتوقيع لملفكم ومعي كل من الصومال، الكاميرون، السودان واليمن وجيبوتي، نحن واثقون بفوزكم». وكالعادة، أرسل بن همام الأموال لكل فرد منهم، وبنسب متفاوتة، 30 ألف دولار للمساهمة في علاج سكرتير اتحاد الكرة الجيبوتي، 100 ألف دولار لاتحاد الكرة الصومالي، 10 آلاف للاتحاد اليمني، ومثلها لجزر القمر، المستعمرة الفرنسية السابقة، ومثلها كذلك لـ «كينتي» الغامبي. تفاصيل الحبكة في الدوحة في قطر بدأت ملامح اللجنة الرسمية لإدارة ملف استضافة المونديال في الظهور، وعين الشيخ محمد بن خليفة آل ثاني، النجل الشاب لأمير البلاد السابق رئيساً للجنة، وعلي آل ثاني نائباً له، ومعه حسن الثوادي (31 سنة) مديراً تنفيذياً. وعند الإعلان عن قرار التعيين في سبتمبر 2009، كان الثوادي عائداً من كوالا لمبور هو وثلاثة من أعضاء لجنة ملف الاستضافة، حيث استضافهم بن همام باعتبارهم (من الضيوف المرموقين). وكان من أهم المهام أمام اللجنة ضمان الولاء الأفريقي، فخطط لاستضافة زعماء الكرة الأفارقة، لكن في الدوحة هذه المرة. وبالفعل تم استقبال 35 رئيساً لاتحادات الكرة الأفريقية بعد رحلة بدرجة رجال الأعمال، واستضافتهم في فندق شيراتون الفاخر. وكان الكاميروني حياتو أول الواصلين إلى الدوحة هو وزوجته في السادس من ديسمبر، وبعده عضو الاتحاد النيجيري أموس أدامو. وبعد ذلك بخمسة أيام تسلم اتحاد كل منهما 400 ألف دولار أمريكي من برنامج (جول) التابع للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، الذي يهيمن عليه بن همام. كما حصل عضو الاتحاد في ساحل العاج جاك أنزمو على المبلغ نفسه زائداً 400 ألف دولار أخرى العام التالي. من ناحيته، طلب الثوادي من سكرتير بن همام تزويده بالتفاصيل الكاملة لزيارات الوفود، طالباً الحصول على الإيصالات الخاصة بتذاكر الطيران والفنادق حتى يتم تسديدها بواسطة اللجنة القطرية لملف المونديال. هو دليل لمدى التنسيق بين عمليات بن همام السرية ولجنة الملف القطري، لضمان شراء الأصوات لانتخابات مونديال 2022. وأصبح من الثابت أن بن همام عقد اجتماعات سرية أثناء الاستضافة القطرية للوفود الأفريقية، بمعرفة ومتابعة الثوادي منسق وعضو اللجنة. وبعد الزيارة، أرسل رئيس اتحاد الكرة في بتسوانا ديفيد فاني رسالة لمحمد بن همام عبّر عن سعادته بتحضيرات قطر لاستضافة المونديال جاء فيها «لا أشك في أن دولتكم جاهزة تماماً لاستضافة المونديال. أضمن لكم دعمي الكامل وصوتي في الانتخابات. أذكركم بالوعد الذي قطعتموه لدعم اتحاد الكرة البوتسواني حسب المفاهمة بيننا في 21 ديسمبر 2009». وأرسل رئيس اتحاد الكرة الناميبي جون موينجو رسالة مماثلة. الحصاد في السابع من يناير 2010، وبعد أيام قلائل من مغادرة آخر الوفود الزائرة الدوحة القطرية، أصدر «الكاف» بياناً بأنه حصل على مبلغ مليون دولار أمريكي من اللجنة المنظمة لملف قطر لمونديال 2022، لرعاية الكونغرس السنوي للاتحاد الأفريقي في أنغولا نهاية الشهر. هذا البيان أثار حفيظة الدول المنافسة لاستضافة المونديال، بينما كان ضربة معلم بالنسبة لاستراتيجية قطر في تسخير مصادرها المالية لمصلحة ملف الاستضافة، وكسب أصوات الاتحادات الأفريقية. سافر محمد بن همام الى أنغولا لحضور الكونغرس هو وكامل أعضاء اللجنة القطرية ومعهم علي الثوادي الذي منح (سامسون أدامو، نجل عضو الاتحاد النيجيري مبلغ مليون دولار مساهمة في حفل عشاء في جنوب أفريقيا، لتكريم أساطير الكرة في أفريقيا، علماً بأن العشاء لم يكلف أكثر من 200 ألف دولار أمريكي فقط. حفل عشاء الأساطير لم يكن الصفقة الوحيدة في كونغرس أنغولا، فقد أرسل أسطورة الكرة الليبيري الشهير جورج وياه رسالة تحتوي على رقم حسابه المصرفي إلى شيراكال سكرتير بن همام، مضيفاً «هذه تفاصيل حسابي بالبنك حسب المفاهمة مع الرئيس»، وحصل وياه على 50 ألف دولار. وكذلك بقية رؤساء الاتحادات منهم الناميبي موينغو، الغامبي سيدي كينتيه، رئيس اتحاد مدغشقر أحمد دارو. المحطة التالية أكبر حدث رياضي قريب كان نهائيات كأس العالم 2010 في جنوب أفريقيا في الفترة من يونيو - يوليو 2012. ويتم اختيار الدولة المنظمة لمونديال 2022 بعد أقل من ستة أشهر. وازداد كرم محمد بن همام، الذي طار إلى جوهانسبيرغ لحضور الحدث الرياضي الضخم وإكرام الوفود الصديقة. وبالفعل تطايرت دولاراته في كل إتجاه، منها 100 ألف دولار لـ (عبدي قاني سيد عرب) سكرتير اتحاد الكرة الصومالي، وجاءت من الحساب الخاص لابنة بن همام. وذهبت 50 ألف دولار إلى اتحاد الكرة في النيجر و10 آلاف لأبي بكر برونو بانغورا، رئيس اتحاد الكرة الغيني وقتها. وتوالت الخدمات وطار بن همام بالنيجيري أدامو والمصري هاني أبو ريدة بدرجة رجال الأعمال إلى الدوحة، وسدد قيمة أجنحتهما الفاخرة في فندق شيراتون. الصدمة رغم نجاح دبلوماسية محمد بن همام في هندسة القوات الموالية لملف قطر، كانت صدمة هائلة في انتظار القطريين «في منتصف سبتمبر، أقل من ثلاثة أشهر قبل التصويت على الملف الفائز، زار المفتشون من فيفا الدوحة لتقييم مدى جاهزيتها لاستضافة الحدث الكبير، ومن ذلك زيارة الملعب المكيف الذي كلف إنشاؤه 50 مليون دولار أمريكي». كانت الزيارة كارثية، وصف تقرير المفتشين أن استضافة قطر يمثل «مخاطرة كبرى»، وأن حرارة الصحراء تمثل تهديداً صحياً خطيراً على اللاعبين. وتوالت الكوارث عندما كشفت الصحف الإنجليزية مؤامرة النيجيري أدامو وهو يطالب بمبلغ 800 ألف دولار مقابل صوته لمونديال 2018. وهو الذي وعد القطريين بصوته لمونديال 2022. ساد الفساد أخيراً رغم كل المآسي والمشاكل، نجحت قطر في إنجاح ملف استضافة نهائيات مونديال 2022، وتحتوي ملفات فيفا على آلاف الوثائق الدامغة لما فعلته قطر للفوز بتنظيم الحدث الكروي الكبير. وتتراوح الوثائق ما بين الفاكسات، الإيميلات، المكالمات الهاتفية، الحسابات المصرفية لرؤساء الاتحادات، وفوق هذا وذاك جدول مفصل لتحركات القطري محمد بن همام، نائب رئيس فيفا، قبل وبعد تقدم دولته لاستضافة الحدث الكروي الأضخم في العالم. وجاءت الوثائق من عدد من المنظمات ومن مكتب محمد بن همام الخاص في الدوحة. لكن في النهاية، نجح الفساد وساد، وحصل القطريون على الشرف الكروي الرفيع.
#بلا_حدود