الخميس - 29 يوليو 2021
الخميس - 29 يوليو 2021

عمـال مونديـال 2022 يموتون بالآلاف والشيكات الدسمة تجبر فيفا على السكوت

بين الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) وقطر قصة ود مالية ممتدة منذ أن حصلت الدوحة على استضافة نهائيات كأس العالم 2022، في مسرحية يعلم العالم أجمع أن المال كان العامل الأبرز في اتخاذ قرارها. والآن بعد اتهام قطر بدعم الإرهاب، ومقاطعة عدد من الدول الخليجية والعربية لها، بدأت ملفات الممارسات الخاطئة في الظهور علناً، و من أبرزها تعرض الآلاف من العاملين في إنشاء ستادات مونديال 2022 للإصابة والموت، والعمل في ظروف غير إنسانية. وبرغم تقارير المنظمات الإنسانية المدوية عن الأوضاع المأساوية لعمال استادات الموت في قطر، لم يحرك أحد ساكناً، لا المسؤولون ولا اللجنة المنظمة، ولا حتى فيفا، الذي يتلقى الشيكات الدسمة بانتظام من أجل «غض النظر» عن الأخطاء الفادحة التي تصاحب إنشاء الملاعب المونديالية الفخمة. المال قبل البشر لقي مهندس بريطاني الجنسية مصرعه أثناء عمله في أحد استادات المونديال في قطر، وسقط المواطن البريطاني(40 عاماً) عندما انهارت إحدى المنصات أثناء قيامه بتركيب أجهزة الإضاءة والصوت داخل ستاد خليفة الدولي. وتسبب السقوط في تحطيم خوذته الواقية والوفاة، ويعمل البريطاني مهندساً مع شركة ألمانية متعاقدة من الباطن مع أخرى من جنوب أفريقيا، متعاقدة مع الحكومة القطرية لإنشاء الملاعب المونديالية. ما حدث هو واحدة من حالات الفشل في تطبيق معايير السلامة،تجاهل الأنظمة المعمول بها عالمياً، التعاقدات غير القانونية، وفوق هذا وضع الأولوية للمال والربح المادي على حساب أرواح البشر. وجاء تقرير منظمة العفو الدولية دامغاً، معلناً أنها حالة الوفاة الثانية في الملاعب القطرية المونديالية في ثلاثة أشهر، وقبل ذلك الحادث، اتهمت منظمة حقوق الإنسان قطر بإجبار العمال على ممارسة أعمالهم في ظروف قسرية تنعدم فيها وسائل السلامة المنصوص عليها دولياً. وفي عام 2015، أفادت التقارير بوفاة 1200 عامل لبناء ملاعب كأس العالم في قطر. وأصبحت مثل هذه الحوادث شائعة هناك، بينما تواصل قطر إنشاء الطرق، الأحياء السكنية والملاعب لاستضافة مونديال 2022. هذه المنشآت تحولت إلى مسلسلات الرعب حول الظروف اللاإنسانية التي يعيشها عمال المونديال هناك. يؤكد اتحاد نقابات العمال الدولي أن نحو ألف عامل مهاجر، أغلبهم من نيبال، الهند و بنغلاديش يموتون سنوياً أثناء أعمال إنشاء البنية التحتية لمونديال قطر. فيفا في جيب قطر الحقيقة أن الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» على علم تام بما يحدث، ومع ذلك يغض الطرف، هذا الوضع جعله أيضاً تحت خط النار والانتقاد، بعد أن هتم بالربح على سلامة الإنسان. تزايد قائمة الحوادث والضحايا كان من شأنها إثارة ردود أفعال واسعة من قبل فيفا تجاه قطر. وكان الأمر يقتضي توجيه تهديد رسمي «وليس مجرد إنذار» للمسؤولين في قطر بسحب استضافة كأس العالم إذا لم تتخذ التدابير لإيقاف تلك الحوادث المرعبة. لكن يبدو أن أذرعة قطر المالية قد تغلغلت في القارة الأوروبية وأمسكت بخناق فيفا. الجميع يذكر ما تداولته وسائل الإعلام علناً عن تورط ميشال بلاتيني الرئيس السابق للاتحاد الأوروبي لكرة القدم، ودعمه لملف قطر حول استضافة مونديال 2022. كذلك معروف أن المسؤولين القطريين (الكبار) كانت تربطهم علاقة وثيقة مع الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولاس ساركوزي. ومعروف أيضاً أن قطر لها جذورعميقة في قطاعات التجارة، الإعلام والرياضة في أوروبا من أجل تطوير اقتصادها ومنحه الصبغة الدولية. ومع ذلك، يرفض فيفا (تحت التجديد) اتخاذ الإجراءات الرادعة تجاه ما يحدث للعمال الموندياليين في قطر. الكل يعلم أن رئيس فيفا الجديد جياني إنفانتينو مطالب بتقديم حياة الإنسان ومصلحة كرة القدم على المصالح الشخصية والمادية، ومحاربة العنصرية في كرة القدم. كذلك يطالب العالم إنفانتينو بإجراء تحقيق شامل مع السلطات الكروية في قطر حول الظروف المشينة التي يعمل خلالها عمال الملاعب المونديالية، التي أدت الى وفاة الآلاف منهم. ومطلوب منه أيضاً النفي العملي لمقولة أن «فيفا أصبح في جيب قطر»، ولا يرغب في فقدان العائد المادي والأرباح الهائلة التي يجنيها. صحيح أن قطر مصنفة من أغنى الدول من حيث دخل الفرد، لكن على فيفا أن ينأى بنفسه فوق الماديات، خصوصاً بعد الفضائح التي ضربته وأطاحت بمسؤوليه الكبار أخيراً. المطلوب سحب البطولة من قطر بكل المقاييس، يجب عدم السماح لقطر باستضافة مونديال 2022 بعد أن تكشفت الحقائق الدامغة، صحيح أنها المرة الأولى التي يستضيف الشرق الأوسط بطولة بحجم نهائيات كأس العالم، لكن للأسف تحقق ذلك بسطوة المال والرشى، وليس بالثقافة والروح الرياضية أو حتى الطقس المناسب. الأكثر من ذلك أن درجات الحرارة اللاهبة في قطر أجبرت السلطات أن تنظم المباريات داخل ملاعب مغلقة ومكيفة. اتهامات مبررة وجهت نقابات العمال في هولندا وبنغلاديش الاتهامات حول انتهاك حقوق العمال في الملاعب المونديالية القطرية. ورفعت تلك النقابات شكاواها ضد المسؤولين في قطر وفيفا إلى المحكمة التجارية في زيوريخ السويسرية، لكن المحكمة رفضت الدعوى. من جانبه، رحب فيفا بقرار رفض المحكمة التجارية للدعوى التي رفعتها أشهر نقابة عمالية في هولندا التي تحمل اسم «إف إن في بوندغونتين»، بالإضافة إلى دعاوى مماثلة من نقابات العمال في بنغلاديش، و كذلك أحد العمال البنغلاديشيين. تقارير دامغة نشرت منظمة العفو الدولية،في مارس الماضي، تقريراً مفاده أن العمال في استاد خليفة القطري تعرضوا للخداع والكذب فيما يتعلق برواتبهم التي لم يتسلموها لعدة أشهر. كذلك تم وضعهم في مساكن منافية لأبسط حقوق الإنسان ومخصصة لإيواء العمالة القسرية. وواتت الشجاعة العامل (نديم شرف العلم)، من منسوبي نقابة العمال الهولندية المذكورة، فطالب في دعواه فيفا بالضغط على قطر من أجل «تطبيق الحد الأدنى من معايير الإنسانية للعمال المهاجرين». يؤكد نديم «دفعت مبلغ 4400 دولار أمريكي لأحد وكلاء العمال بعد أن سمعت عن الرواتب المغرية التي يحصل عليها العمال في قطر، و بدلاً من ذلك عملت في مهنة تفريغ السفن لمدة عام و نصف العام، فيما يعرف (بالعبودية الحديثة)»، وكان يسكن في معسكر مبني خصيصاً مع آلاف العمال أمثاله، مع تسليم جواز سفره لرب العمل. وأيدت منظمة العفو الدولية صحة إدعاءات نديم، وأشارت إلى أن قوانين مكتب العمل القطري تمنح رب العمل مثل هذه الحقوق على منسوبيهم من العمال، (المطلوب موافقة العامل عند تغيير وظيفته أو مغادرة البلاد). موقف فيفا بعد أن كثر اللغط حول الأوضاع المشينة لعمال المونديال في قطر، أعلن فيفا اهتمامه بقضية حقوق الإنسان فيما يخص العاملين في ملاعب نهائيات كأس العالم 2022. أما رد الفعل فصدر من الرئيس إنفانتينو الذي أعلن أن فيفا سوف يواصل مناشدة السلطات القطرية لتأكيد سلامة العمال، وضمان تأمين الظروف العملية المناسبة لحقوق الإنسان. والحقيقة أن رد فعل فيفا اقتصرعلى المناشدة، ولم تصدر قرارات تدين الممارسات القطرية ولا أي تهديدات من قبل فيفا بسحب استضافة المونديال، إذا تواصلت الممارسات الخاطئة من ضعف وسائل السلامة والتفرقة العنصرية. اختار فيفا السماح لقطر بالتحضير للمونديال كما ترغب بغض النظر عما يحدث للعمال المهاجرين. وتتكرر ذات القصة المحزنة، ويواصل فيفا الحديث المطول والممجوج عن كرة القدم وخلوّها من الشوائب والعلل. لكن في النهاية تحكم سطوة المال قبضتها على تلابيب عملاق الكرة في سويسرا. وطالما تملك قطر المال، فيمكنها أن تفعل ما تريد للتحضير لكأس العالم. أما فيفا، فيجلس هادئاً في انتظار الشيك الدسم من الدوحة. المفارقة المدهشة أن العقاب جاء من جهة لم يحسب حسابها المسؤولون في قطر. ومعروف أن الغالبية العظمى من مواد البناء من حديد وأسمنت وخلافه، ترد عبر الطريق البري الذي يربط قطر والسعودية، وإنشاء الملاعب المونديالية يعتمد أساساً على هذا الطريق الحيوي. والآن تواجه تلك الملاعب خطر التأخير في جدول تكملة الإنشاءات بعد الحظر الذي تقرر. وتنوي قطر إنشاء تسعة استادات جديدة، ذات طاقات استيعابية ضخمة لاستضافة المونديال.وفي حالة توقف الإمدادت من السعودية، سوف تضطر قطر لاستيراد المواد المطلوبة من دول أخرى، ما يعني زيادة هائلة في المصروفات، وقد يحدث التأخير في إكمال المنشآت في الوقت المحدد. هذا يعني كذلك أن السلطات القطرية قد تجد نفسها مجبرة على تسديد رواتب ومستحقات العمال المظلومين من دون أن يمارسوا أعمالهم بسبب نقص مواد البناء وتأخر وصولها.
#بلا_حدود