الاثنين - 14 يونيو 2021
الاثنين - 14 يونيو 2021

رجال الظل وازدواج المناصب وانتظار «التغريدة الرسمية».. أمراض تحاصر الرياضة الإماراتية

لا يخفى على أحد ريادة الإمارات عالمياً في كل المجالات الحيوية والاستراتيجية،ولكن مجالاً واحداً يبقى التحدي الأكبر ولا يرقى إلى طموح الدولة، ألا وهو المجال الرياضي.ويناقش المختصون المسائل الرياضية عادة من الزاوية العلمية للموضوع، فيتحدثون عن أكاديميات، وأهمية دمج المدارس في الخط الرياضي، واستقدام الخبرات الصحيحة، وغيرها من النقاط ذات الأسس الصحيحة. وهذا النقاش يصبح أولوية لو كانت الرياضة الإماراتية تحقق نتائج ونجاحات تناسب حجم الدعم المتوفر من القيادات، والتسهيلات التي تقدمها الدولة للقطاعات المختلفة.

إن عدم الوصول إلى أفضل النتائج بالنسبة لما هو متوفر يوضح أن هناك مشاكل أخرى تعوق الطريق، ويمكن أن نطلق عليها «أمراضاً صامتة» يدركها من يعايش الوسط الرياضي من داخله، ويعلم أنها ستكون عائقاً لأي خطوة جديدة، وهي صامتة لأنه مسكوت عنها إعلامياً.

ظهرت في الآونة الأخيرة فئة من المسؤولين لا يتعجلون اتخاذ القرار وينتظرون تغريدة في «تويتر» ليصوغوا قراراتهم باتجاه التغريدة ذاتها.


شهدت الرياضة الإماراتية في الأعوام الأخيرة ظاهرة سيئة تتعلق بالاستخدام السلبي لشبكات التواصل الاجتماعي، وخصوصاً موقع «تويتر».

وظهرت فئة من المسؤولين متأثرة بـ «تويتر» بشكل يصوغ قراراتها، فإما أنها تقوم باتخاذ إجراءات بناء على الضغوط الجماهيرية في شبكات التواصل الاجتماعي، رغم إدراكها بأن الجماهير لا تعرف كل التفاصيل، أو تصدر قرارات وتقوم بأفعال تعلم عدم فائدتها، لتلقى بعض التجاوب الإيجابي المؤقت في الفضاء الإلكتروني.

هذا التحرك الجماهيري يجرد العملية الرياضية من فكرتها الاستراتيجية، فالجماهير طابعها عاطفي وذاكرتها قصيرة، ولا تتحرك بشكل جماعي استراتيجي، فالعمل بناء على ما يعتقده الناشطون في شبكات التواصل قد يحقق نتائج قصيرة الأمد ويكسب بعض الرضا، ولكنه مكلف على المدى الطويل وغير فعال لعدم تواصل أفكاره وترابطها.

تضارب المصالح

وتعد ظاهرة تشتت المناصب أو ازدواجيتها قضية يتفق كثيرون على تأثيرها السلبي في مجال الرياضة.

فالمجال الرياضي يختلف عن المجالات الأخرى بتطلبه متابعة يومية وإشراف من يوم إلى آخر، فرغم طبيعة صناعة الرياضة الاستراتيجية كباقي القطاعات، وإنما هناك تفاصيل يومية فيها تؤثر للغاية على المدى الطويل.

ورغم وجود قانون يمنع ازدواجية المناصب في القطاع الرياضي، نجد أن حضور هذه الازدواجية مستمر بشكل غير مباشر، بشغل كثيرين وظائف ذات مسؤولية يومية لمنصب آخر أو أكثر في قطاعات أخرى، وهو ما يخلق تشتتاً ويعطل التركيز اليومي.

وهناك ظاهرة أخرى تغزو الوسط الرياضي ويتفق كثيرون على إلحاقها الأذى بالمسار الرياضي بشكل عام، وتتمثل بوجود مصالح خاصة تجارية يديرها بعض المسؤولين في قطاع الرياضة، وهذا سينتج عنه عدم تركيز، فيكون التأثير مثل ازدواجية المناصب، نظراً لاهتمام الشخص بأعماله الخاصة، أو تضارب مصالح في حال كانت هذه الأعمال الخاصة تتداخل بشكل أو بآخر مع عمليات القطاع الذي ينشط فيه المسؤول.

ورغم قدرة القوانين الإماراتية على كشف أي فساد أو انتفاع، ومحاسبة مرتكبيه في أي قطاع كان، لكن هناك ما يصفه بعض المطلعين بدوائر مغلقة تستطيع من حين إلى آخر خرق مبادئ تضارب المصالح لصالحها!

غياب التعليم المستمر

وفي عالم متغير بشكل سريع، وفي ظل إيمان مطلق على مستوى الدولة بأن المعرفة هي أهم سلاح يمكن امتلاكه، يدرك المتابع للشأن الرياضي غياب هذا المفهوم لدى بعض المؤثرين في سير العملية الرياضية اليومية.

فمقاربة أفكار وأسلوب العديد من المؤسسات الرياضية تعكس غياب جانب النمو المعرفي للمسؤولين فيها، وأننا أمام ظاهرة نسخ سنوات، السنة الجديدة تشبه القديمة، وذلك إما لغياب ما يلزمهم بتقديم إثباتات على إنمائهم المعرفي، أو لتركيزهم المفرط على الحاضر ونسيان المستقبل.

وتنقسم أنواع المعارف التي يمكن تنميتها إلى عدة مجالات، فليست جميعها مباشرة للقطاع الذي تعمل فيه، فهناك معارف مطلوبة في تقييم الأداء والإدارة وطرق التخطيط الاستراتيجي وأساليب التعامل مع الإعلام، ولا بد من إيجاد آلية رسمية لتدقيق ما يثبت هذا التطور.

المحاضر الآسيوي ومدير التعليم والتدريب في اتحاد الكرة، عبدالله حسن، قال إن «التعليم المستمر في أي مؤسسة مهم للغاية لتنوير الموظفين بمستجدات العمل والارتقاء بالآليات الموجودة حتى تكون مخرجات العمل متسقة مع المحيط المتطور».

ورأى حسن ضرورة وضع ثلاث خطوات لتطبيق برنامج تعليم مستمر فعال، يبدأ بتقييم الوضع الحالي ثم تحديد المناطق الضعيفة التي تحتاج للتطوير ثم وضع آلية لقياس نجاح تطبيق التعليم المستمر، عبر تحديد أهداف واضحة لهذا البرنامج.

الكاتب الهندي أميت نقبال والمختص بمجال تدريب الموظفين، وصاحب خبرة وظيفية تقارب 25 عاماً، نشر عام 2017 مقالاً في موقع «لنكد إن» لاقى انتشاراً في الموقع، وحمل عنوان «أسباب تجعل التعليم المستمر مهماً».

وأكد أميت في مقاله أن التعليم المستمر يجب أن يتحول من نظام إلزامي إلى حافز ذاتي للمسؤولين بشكل خاص والموظفين عموماً، وأن من أهم فوائده «تعزيز الإبداع من خلال زيادة منسوب المعرفة، وكذلك القدرة على التجاوب بشكل أسرع مع أي مفاجآت، ورفع الثقة الذاتية للمؤسسة والأفراد».

ويرفض جميع الخبراء الإداريين ربط التعليم المستمر بالتعليم الأكاديمي فقط، فاكتساب المهارات وحضور الدورات التعليمية السريعة والمشاركة في المؤتمرات المعرفية ذات الطابع المتصل بالعمل توسع دوماً أفق المسؤولين، ويجب ألا يقتصر هذا المنحى على مسؤولي الصف الأول فقط.

ضعف المبادرة الفردية

وتعاني المؤسسات الرياضية غياب المبادرة الفردية أو الابتكار الداخلي رغم الحث المستمر من قبل القيادات على ضرورة ذلك، ولكن الملموس والواضح أن هذه الناحية جامدة للغاية في مجال الرياضة وتنتظر فقط التوجيهات نحو الأفكار المبتكرة والمشاريع الخلاقة.

هذا التوجه بات يؤثر أكثر على مسألة الاهتمام ببعض الرياضات، فلم يعد المسؤول آخذاً مسؤوليته على محمل الجد، إلا لو وجد توجيهاً مباشراً من مستويات أعلى، علماً بأن أحداً لم يطلب منهم ذلك، ولا أحد يكبل اليدين عن العمل أو يبخل عليها بالموارد.

ورغم تخصيص شهر خاص للابتكار في الدولة، والذي حمل في دورته لعام 2019 شعار «الابتكار يبدأ بك»، فإن التجاوب في المجال الرياضي ما زال محدوداً، رغم كونه أكثر المجالات التي تتيح مساحة للتفكير خارج الصندوق وتعطي إمكانية للتنفيذ الفوري.

وفي مقابلة تلفزيونية سابقة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، دعا في جزء منها إلى المبادرة الفردية بغض النظر عن المنصب، وتقديم الأفكار وعدم انتظار التوجيهات فحسب، جاء فيها «أنا تعلمت أن الضابط الكبير والقائد يأخذ الفكرة من الجندي البسيط».

ورأى عضو اتحاد كرة القدم السابق رئيس مجلس إدارة نادي الفجيرة ناصر اليماحي أن «غياب مبادرات المسؤولين وضعف جانب الابتكار يعودان إلى مستوى الصرف غير المتوازن، فالأندية والمؤسسات الرياضية تعاني من عدم وجود مستوى ثابت للصرف وغياب الميزانيات المحددة، وهذا يمنع وضع استراتيجيات طويلة الأمد على عكس الدوائر الحكومية الأخرى».

ويقترح الأمين العام لاتحاد كرة اليد نبيل عاشور فكرة منصة مختصة باستقبال المبادرات والأفكار في مجال تطوير الرياضة

«أطالب الهيئة العامة للرياضة بطرح منصة متخصصة للمبادرات الرياضية في الألعاب كافة، تعمل على مراجعة وتنقيح ما يردها من أفكار، وذلك بتنظيم خلوة رياضية أسوة بما تفعله القيادة في مناقشة الأفكار التطويرية التي تستشرف المستقبل في الدولة».

ويضيف «موقع الهيئة الرسمي ليس المكان الفعال لاستقبال الاقتراحات، والدليل أننا لم نر أي أفكار جديدة مبتكرة طوال الأعوام السابقة والاتحادات الرياضية تعمل وفق رؤيتها التطويرية الداخلية».

«رجال الظل».. الإدارة الخطيرة

أثبتت التجارب في الماضي عدم فاعلية التركيز الجماهيري على المستوى الأول من المسؤولين، والاعتقاد بأن تغييرهم قد يأتي بالنتائج المطلوبة، وأن ردة الفعل الإيجابية عادة ما تكون قصيرة الأمد، ثم يعود الوضع إلى ما كان عليه.

وتقول مصادر مطلعة إن سبب هذه الظاهرة يكمن في بعض أسماء المستوى الثاني من المسؤولين الذين أطالوا المكوث لسنوات طويلة حتى اعتادوا وضعاً معيناً، والتغيير في المستوى الأول لا يغيّر الكثير في الجانب التشغيلي، دون أن يشمل التغيير بعض اللمسات الحاسمة في هذا المستوى.

فهذه المناصب عندما يطول أمدها دون فاعلية أو نجاحات حقيقية، تتحول شيئاً فشيئاً إلى شبكة قوية من العلاقات يصعب كسرها، وعندما يأتي فكر جديد تنجح الشبكة في تطويعه بعد أشهر، ليمضي في الطريق نفسها، فتدخل المؤسسة الرياضية معهم في دائرة مفرغة.

ويطلق بعض الفاعلين في المجال الرياضي على هذه النوعية من المديرين طويلي فترة المكوث والمعطلين للأفكار الجديدة، مسمى «مدراء الظل»، فهم لا يتعرضون لأي انتقادات ويبتعدون عن الأضواء، ولكنهم في كثير من الأحيان يكونون جزءاً أساسياً من المشكلة.

وعن هذا الموضوع، يقول المسؤول الإعلامي السابق لنادي الوصل والناقد الرياضي عادل درويش «رجال الظل المتواجدون لإدارة المشهد الرياضي خلف الكواليس لا يتغيرون مع تبديل الإدارات، وهم السبب الرئيس في إعاقة تطور المشاريع الرياضية».

ويضيف «معظمهم استنفد رصيده من الأفكار لبقائه فترات طويلة يعمل في الخفاء، وهذا خلق نوعاً من الولاءات الشخصية التي تفوقت على الولاء للمؤسسة، وبات هناك حالة من المقاومة الشديدة لأي عمل مؤسسي منظم».

وحمّل درويش غياب عمل الجهات الرقابية بشكل فعال مسؤولية تنامي قوة هذه الفئة ومنحهم منطقة آمنة يواصلون من خلالها تعطيل تطبيق الاستراتيجيات الحديثة، مذكراً بأنه يجب ألا يقتصر دور الجهات الرقابية على اعتماد الأسماء فقط، فلا بد من تفعيل تقارير الأداء ومراقبة سير المشاريع والبرامج الموعود بها.

وأكد مدير الإعلام السابق في نادي بني ياس مسعد الحارثي أهمية أن يضع الإداري سقفاً زمنياً لنفسه قبل أن يضعه له الآخرون، فقال عن ذلك «عملت في إدارة الإعلام في نادي بني ياس لمدة خمسة أعوام، ولا بد أن يجري الإداري تقييماً دورياً لأدائه ومردوده. وليعلم أن الجمهور ليس غبياً وأن حبل الكذب قصير ولا يوصل إلى شيء غير الاحتراق بلا مقابل، لو ظل الإصرار على الكرسي أولوية قبل تحقيق النتيجة».

وأضاف «إذا لم يحقق المسؤول إنجازات في فترة سقف زمني يحدده، فعليه التنحي بهدوء وترك الساحة لغيره، وفي ذلك احترام كبير لنفسه ولقيمته وسمعته».
#بلا_حدود