السبت - 18 سبتمبر 2021
السبت - 18 سبتمبر 2021

لا يمكن محاربة التطرف في مكان واسترضاؤه في آخر

جزم وزير الدولة للشؤون الخارجية الدكتور أنور بن محمد قرقاش بعدم إمكانية محاربة التطرف في مكان واحد واسترضاؤه في مكان آخر في سبيل المنفعة السياسية. وأكد إدراك الإمارات العربية المتحدة لمسؤولياتها الإقليمية، واستعدادها للتصرف في سياق جهد جماعي، موضحاً أهمية الحاجة الملحة إلى تعزيز فهمنا المشترك للتحديات الإقليمية، وإلى اصطفاف تفكيرنا الاستراتيجي من أجل كبح التهديدات الناشئة. ونبه في كلمته الافتتاحية أمس للدورة الأولى من ملتقى أبوظبي للحوار الاستراتيجي الذي يستضيفه مركز الإمارات للسياسات إلى أن التهديدات التي نواجهها اليوم أصبحت ذات عدد غير مسبوق، وأنه لا بد من الحوار المتزايد والعمل المنسق للوقوف في وجهها. وأضاف أنه لا يمكن للاعبين الإقليميين معالجة أي من هذه التحديات وحدهم، فهم يحتاجون إلى رد منسق مستند إلى استراتيجية شاملة مبنية على اطلاع واسع، وتستخدم مجموعة واسعة من الأدوات. وشدد على أهمية رؤية الصورة الاستراتيجية في النتائج الراهنة الخطيرة للضرر الحاصل، حيث نحتاج إلى إدراك القيم التي تحتاج إلى حماية وإلى الانتصار لها بنجاح، مثل الهوية الوطنية، والاستقرار، والمنهج المنفتح حيال الطريقة التي ينبغي بها حكم المجتمعات والدول. وأكد ضرورة نبذ الفوضى المولودة من الطائفية ومن رؤية رجعية للدين عفا عليها الزمن. وأبان أن هذا الاستشراف الاستراتيجي المؤسس على القيم لا بد أن يكون حاضراً دوماً في سياق التعامل مع الفوضى الراهنة، حيث سيبدو الكثير من أعمالنا وجهودنا الجماعية دون هدف وغير فاعلة من دون هذا الوضوح في الرؤية. واعتبر أن النطاق الواسع للحضور عالي المستوى اليوم في هذا المؤتمر شهادة على الحاجة الملحة لعمل أكثر تنسيقاً ويستند إلى استراتيجية شاملة. ودعا الحضور في الملتقى إلى الانخراط في نقاشات لتسليط الضوء على بعض المجالات ذات الأهمية الكبيرة بالنسبة للإمارات في المنطقة، والتي تعتبر ذات أهمية حاسمة أيضاً للوضع الراهن. وأشار إلى تحذير الإمارات مراراً وتكراراً من التهديد المتنامي الذي يشكله اللاعبون المتطرفون والإيديولوجيات المتطرفة على الإقليم. وأضاف: رغم أن بعض حلفائنا كانوا يعتقدون أننا كنا مذعورين أكثر من اللازم، فإن صعود داعش يؤكد ضخامة التهديد، فبدلاً من تحولهم إلى معتدلين من خلال التفاعل، ينجذب من يسمّون «الإسلاميين المعتدلين» إلى صفوف المجموعات الراديكالية، وهذا يؤكد المغالطة التي تنشأ عند محاولة التمييز بين الشكل «المعتدل» والشكل «الراديكالي» للتطرف. وأكد يقين الإمارات التام بأن الكثير من الحركات التي توصف بالمعتدلة توفر البيئة المناسبة لتحول أكبر نحو التطرف ولنشوء جماعات مثل القاعدة وداعش، ما يتطلب استراتيجية شاملة ذات رؤية واضحة في مواجهة التهديد الذي تشكله. وتطرق إلى الحاجة للاعتراف بأن هؤلاء اللاعبين وإيديولوجيتهم المتطرفة لا يمكن تلطيفها لكي تصبح معتدلة، ولا معالجتها ببراعة أو احتواؤها، لأنها تتناقض من حيث الأساس مع قيم التسامح والأجندة المعتدلة التي توحد ما بين الإمارات العربية المتحدة وشركائها الدوليين. وأوضح أن محاربة التطرف تتطلب مجموعة واسعة من الأدوات، وجهداً مستداماً من المجتمع الدولي، فرغم أن العمليات العسكرية والتعاون الاستخباراتي سيشكلان جزءاً مهماً من هذه الجهود، إلا أنه من المهم جداً أن يمتد تعاوننا إلى مجالات أخرى أيضاً. وتحدث في هذا السياق إلى القدرة على توحيد الظروف السياسية على الأرض من أجل تعزيز المكاسب العسكرية، إضافة إلى الإجراءات الأخرى على الضوابط المالية والهجرة والإجراءات التعليمية والثقافية، وإلى استعداد الإمارات للتعاون مع شركائها في كل جوانب هذه الجهود. وأردف أن استمرار انعدام الاستقرار في سوريا والعراق أمر مقلق، حيث ينتشر العنف الطائفي والإيديولوجيا الطائفية على نحو متزايد إلى ما وراء حدود هذين البلدين، ليؤثرا في جيرانهما، ويشكل ملايين اللاجئين السوريين والعراقيين عبئاً اقتصادياً مؤلماً على البلدان المجاورة وتهديداً للاستقرار السياسي. وذكر أن هذين النزاعين اجتذبا لاعبين أجانب يستغلون الوضع على الأرض بطريقة أنانية من أجل توسيع ميدان نفوذهم، مؤكداً أن الدوافع المسببة لانعدام الاستقرار في سوريا والعراق تتجاوز حدود التحدي الحالي الذي تشكله داعش والجماعات المتطرفة الأخرى. وتطرق إلى السياسات الإقصائية والطائفية التي تتبناها الحكومة في كل من البلدين، وهو ما يمهد الأرضية للاعبين المتطرفين. وأشار إلى تصريح رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، في الآونة الأخيرة، والذي لا مبرر له، في سياق تعليقه على تصريحات سابقة لنائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن. وأردف أنه من المؤسف أن تعليق العبادي قوّض رغبة كثير من بلدان الخليج في طي صفحة الماضي بعد حكومة نوري المالكي الطائفية والإقصائية. وبالنظر إلى أهمية وأولوية إيجاد حكومة وطنية عادلة ومنصفة، فإن تصريحات رئيس الوزراء أدت إلى خلق شكوك خطيرة في مشروع جديد هو في الأصل صعب. واعتبر إخفاق المجتمع الدولي في التحرك في وقت مبكر في ما يتعلق بسوريا جعل الوضع يتدهور أكثر فأكثر إلى الفوضى، وأن هناك الآن حاجة دولية ملحة لتقوية اللاعبين المعتدلين، ولتزويدهم بالأدوات اللازمة لمحاربة التطرف والتعصب. ولفت إلى أن الضربات الجوية التي يشنها المجتمع الدولي تلعب دوراً مهماً في كبح التقدم الذي يحرزه داعش، من دون أن تكون كافية لوحدها. وأشار إلى أن أي استراتيجية مصممة بغرض تحقيق السلام والاستقرار والاعتدال في العالم العربي تتطلب تحقيق نجاح في مصر بعد سنوات من انعدام الاستقرار، وأضاف أن مصر في طريقها إلى تبوء مكانها الضروري والتاريخي في مركز العالم العربي. وأعرب عن أهمية تقديم المجتمع الدولي كل وسائل الدعم الممكنة إلى الحكومة المصرية للحيلولة دون انزلاق البلد إلى الفوضى في حال بقي اقتصاد مصر هشاً. وتطرق قرقاش إلى ترحيب الإمارات العربية المتحدة بالمفاوضات النووية الجارية بين مجموعة 5+1 وإيران، مشيراً إلى أنه من المهم جداً أن يكون أي اتفاق مستقبلي مع إيران حول ملفها النووي اتفاقاً محكماً وخالياً من نقاط الضعف. وأوضح أن الإخفاق في التوصل إلى اتفاق متماسك يمنع الانتشار النووي يمكن أن تكون له عواقب خطيرة، ليس في منطقتنا فقط، بل في مناطق أبعد بكثير، وذلك عبر تقويض نظام عدم الانتشار. وأشار إلى اتفاقه مع تعليقات الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي في الآونة الأخيرة، حين ميّز بين إيران الدولة والمجتمع من جهة وإيران كسياسة خارجية توسعية وعدوانية. وأعرب عن ترحيبه بالأولى واعتبارها جارة جغرافية وتاريخية ذات أهمية كبيرة نرى تعاوناً مشتركاً مستمراً معها، فيما تشكل النزعة التوسعية المستمرة للنفوذ الإيراني في العالم العربي تهديداً للعلاقات الخليجية الإيرانية، وللعلاقات العربية الإيرانية بوجه عام. وتابع أن الحقيقة التي مفادها أن هذه السياسة الخارجية طائفية بطبيعتها، تجعل التوتر في المنطقة أكثر استفحالاً، وأن علاقة عربية - إيرانية تعاونية ومريحة سوف تعتمد كثيراً على مبدأ عدم التدخل، واحترام الكيانات الوطنية وسيادة السياسات الوطنية. وتطرق إلى فخر أبناء الإمارات بنموذج التسامح والاعتدال الذي بنته في منطقة مدفوعة في معظم الأحيان بالإفراط، وبسبب بعد النظر الذي يتمتع به قادتنا، نجح مجتمعنا في الخضوع لتغييرات واسعة من دون إطلاق شرارة عنف من نفس نوع العنف الذي أثر في مجتمعات أخرى. وأكد أن الإمارات تدرك أنها لا تعيش على جزيرة منعزلة في منطقة مضطربة، وتمتلك رؤية واضحة، «سياستنا الخارجية في هذه الفترة الصعبة ستواصل دعم قوى الاعتدال والاستقرار والانفتاح، وترفض محاولات إعادة تشكيل عالمنا وفق خطوط متطرفة وطائفية». وخلص إلى أن الإمارات كانت لهذا السبب عازمة ومستعدة لتحمل المسؤوليات، إلى جانب شركائها، لتعزيز ونشر الاستقرار والاعتدال والحيوية الاقتصادية وكذلك الديناميكية الاقتصادية.
#بلا_حدود