الاثنين - 02 أغسطس 2021
الاثنين - 02 أغسطس 2021

إيران تنفخ بالون الوَهْم الإمبراطوري

أسقط في يد الأتباع والدمى .. أسقط في يد المرتزقة وممتشقي بنادق الإيجار .. لا مواربة في المعنى ولا تجميل للكلمات، تصريحات إيرانية مدوِّية خرقت ـ عن عمد ـ جدران الغرف المغلقة والتوريات المخاتلة التي برعت بها طهران عقوداً من الزمن .. حنين ساساني ضاق بالهمس والتلميح .. حنين تفجّر علناً على لسان مستشار الرئيس الإيراني للأقليات والشؤون الدينية علي يونسي «إيران إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ والعراق عاصمة لهذه الإمبراطورية». غطرسة وأوهام قوة .. ركون إلى حالة ضعف تدب في أوصال الإقليم .. استثمار في ارتباك القوى العظمى واستقالة أمريكية غير معلنة من دور اللاعب المحوري في قضايا العالم. نسف يونسي كل الأكاذيب التي رددتها أبواق في أكثر من بلد .. أنهار من الدم العربي أريقت على مذبح الحلم الإيراني .. مداد لا نهائي أريق في تدبيج مدائح المقاومة والممانعة ومناهضة قوى الاستكبار العالمي، ونصرة الشعوب و«تحرير فلسطين»، والهدف الأخير هذا كان على الدوام رافعة سحرية للخطاب الإيراني وحصان طروادة لاقتحام المنطقة، ومنح جوقة الأذيال والصنائع سبباً لخداع المغلوب على أمرهم وسوقهم إلى حتفهم كالأنعام. صدق مستشار الرئيس الإيراني في كشف أحلام وطموح دولة المرشد .. كذب المستشار في مزاعم حماية دولته شعوب المنطقة من مخاطر التطرف والإلحاد، مكاشفة جارحة لكل عربي .. مكاشفة معدنها الاستعلاء على الآخر واستدعاء لميراث ساساني لم يغب أبداً عن عقل ووجدان بلاد فارس وإن تقنع بشعارات الإخوة الإسلامية واحترام الجوار التاريخي. كلمات وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل قبل أيام كانت قاطعة، حاسمة «إيران تستولي على العراق ومشجعة للإرهاب .. أمن الخليج يبدأ بالحيلولة دون حصول إيران على النووي»، الوزير السعودي يعي ما يقول وها هو المسؤول الإيراني يقيم الحجة على دولته ويثبت بالحرف والمعنى كل ما عبّر عنه الفيصل. لم تكلف طهران هذه المرة أتباعها أو مصادر مطلعة أو صحفاً موالية عبر تقارير مسرّبة بكشف المستور، يبدو الأمر ذا دلالة عميقة أن يبادر مسؤول رفيع المستوى إلى تحدي مشاعر شعوب وإقليم بأكمله، رُبّ قائل إن هذا المسؤول تنقصه الحصافة السياسية أو ما عرف بـ «الدهاء الفارسي» .. للحقيقة وجوه كثيرة، لكن الثابت أن التصريح اللافت دوى في المنطقة تزامناً مع الصفقة الأمريكية ـ الإيرانية الوشيكة التي لاح منها اتفاق غامض حيال الملف النووي، وعلى الأرجح أن ذلك الاتفاق الذي طال انتظاره ليس سوى قمة جبل الجليد في قائمة تفاهمات كبرى يخشى أن تطلق يد إيران في الإقليم وتمنحها على مبدأ «من لا يملك لمن لا يستحق» إمكانية اتخاذ القرار في أكثر من عاصمة عربية .. بغداد، دمشق، بيروت وصنعاء. منح الغرب النفوذ الإيراني فرصة الانتشار السرطاني في المنطقة، ونحن العرب منحنا إيران ـ ربما من دون أن ندرك ـ مفاتيح الدخول عبر الخروج جماعات وأحزاب على الدولة الوطنية واتباع سياسة التهميش لشرائح أصيلة في مكوناتنا المجتمعية .. ندفع اليوم ثمن غياب رؤية جامعة لمفهوم الأمن القومي العربي، ندفع اليوم ثمناً فادحاً لنقص مناعة مزمن تنبه له الجار الإيراني المتربص آملاً في جني مكاسب انتظرها قروناً ويستعجل إنجازها الآن قبل هبوب رياح معاكسة في شرق لا يعرف الثبات. منبر التصريح الإيراني الأخير يفتح باب السؤال والقلق .. مؤتمر حول الهوية يعلن مستشار الرئيس فيه أن إيران تقع في قلب منطقة تصلح لبناء تحالف واسع يمتد إلى الحدود الصينية شمال شبه القارة الهندية، وإلى جنوب القوقاز والخليج العربي، يزعم أن «القادة في إيران كانوا على الدوام يتطلعون إلى القيادة عالمياً» وأن «العالم برمته هو جزء من الشخصية الإيرانية». تطاول المسؤول على إرادة الشعوب وحقائق التاريخ والجغرافيا، وكذلك المستقبل «العراق ليس جزءاً من نفوذنا الثقافي فحسب، بل من هويتنا، وهو عاصمتنا اليوم، وهذا أمر لا يمكن الرجوع عنه». ساذج من يراهن على صعود دائم .. أحمق من توهم «تحنيط» الزمن .. مهزوم لا محالة من اعتقد أنه كلي القدرة .. اجتاحت براري الإقليم جيوش وتوهمت إمبراطوريات كبرى أنها باقية لا محالة .. هزم الغزاة ولم يبدل الشرق هويته .. إيران تتحدث عن استدعاء مشفوع بالقوة لزمن إمبراطوري .. إيران تسقط في مستنقع الوهم والحماقة .. المبالغة في الحديث عن الجبروت والسطوة تشي بعلامات ضعف ومقدمات لانهيارات مفاجئة .. التاريخ لا يجامل أحداً ولا يعرف الكذب.
#بلا_حدود