الثلاثاء - 27 يوليو 2021
الثلاثاء - 27 يوليو 2021

النجم يموت مرتين.. التقاعد بعبع يخشاه الرياضيون

يعيش النجم الرياضي أحلى أيام عمره، وهو يحصد البطولات والميداليات، مستمتعاً بتشجيع الجميع ودعمهم المعنوي له. لكن معاناته الحقيقية تبدأ عندما يصل إلى نهاية المشوار، ويفرض الاعتزال نفسه، ويتوقف الجمهور عن التغني باسمه، فما الذي يحدث عندها. يقولون إن النجم الرياضي يموت مرتين، الأولى عند الاعتزال، وإذا توقف مشوارك كنجم رياضي سوبر، فمن أنت؟ أحد النجوم من الوسط الرياضي يدرك هذه الحقيقة تماماً، هو أسطورة الملاكمة شوغار راي لينارد، الذي يستعيد أحاسيسه في لحظات الفوز متذكراً، «لا شيء يمنحني الإحساس بالاكتفاء خارج حلبة الملاكمة، ولا شيء في العالم يعادل إحساسي بالفوز بلقب بطل العالم، ورفع يدي عالية فوق الجميع احتفالاً بالإنجاز والآلاف، بل الملايين يهللون باسمي. وأضاف الملاكم لينارد في لقاء أجرته معه قناة الـ «بي بي سي» البريطانية، عن فشله الفصل بين شخصيته كملاكم وكرجل عادي، وكيف تسبب هذا الإحساس في دفعه إلى حافة الانهيار، وجعله يقرر العودة إلى الملامة مرات عدة، «أشعر بالأمان داخل الحلبة عندما أعود إلى مباريات الملاكمة. وأصبح قادراً على قهر شياطيني التي توسوس لي خارج الحلبة. كما أني أشعر بالانعتاق عندما أبدأ التمارين استعداداً لأي مباراة. ينتابني إحساس بالنظافة لا أجده إلا مع لينارد الملاكم، النظافة من المخدرات والكحول، وحتى من الكآبة، وأشعر بالهدوء التام». يعلم الجميع أن اثنين من أكثر الرياضيين البريطانيين شعبية، وهما الملاكم ريكي هاتون، ونجم الكريكيت الإنجليزي المعتزل أندرو فلينتوف عانيا موجة حادة من الاكتئاب، وأن كليهما نجح في تحقيق عودة ظافرة للرياضة الاحترافية. ويتساءل الكثيرون، لماذا يصاب كبار نجوم الرياضة بالاكتئاب رغم الثروة والشهرة اللتين يتمتعون بهما. الإحساس بالخسارة عمل المدرب الشهير بيل كول، ومقره كاليفونيا بالولايات المتحدة في عدد كبير من الرياضات المختلفة. ومن خلال تجربته الواسعة تابع معاناة عدد من الرياضيين في التأقلم مع لحظات الاعتزال، وأقر المدرب كول أن من أهم العوامل المؤثرة في مشاعر الرياضي المعتزل، هو شعوره بالخسارة الذي ينتابه لحظتها. ويفسر كول هذه الفرضية، «يعرف الرياضي نفسه من خلال الأفعال التي يقوم بها. وإذا حرمتهم ذلك يحسون بالإهمال، وكأنما فقدوا جزءاً عزيزاً من أنفسهم». ويوافق الملاكم لينارد على تفسير المدرب كول، مضيفاً أنه إحساس شائع بين مشاهير الرياضيين، مضيفاً «تحدثت مع صديقي واين غريتسكي، لاعب هوكي الجليد الأسطوري، حول كيف ينتابه الإحساس بالخسارة وهو ليس ملاكماً ولا لاعب هوكي. وكانت إجابة الأمريكي (59 عاماً)». أحياناً لا نستمع للغة أبداننا، التي تقول لنا يكفي ذلك. لكننا في داخل قلوبنا وأذهاننا نخدع أنفسنا بأننا قادرون على العطاء مرة أخرى». العوامل البايولوجية يقول المدرب كول إنه من خلال تجربته الشخصية إن العوامل البايولوجية تلعب دوراً مهماً في معركة الرياضي مع الاعتزال، ويضيف مفسراً، «يحصل الرياضي على جرعة يومية من مادة (سيروتونين) لسنوات عدة، وفجأة تنخفض هذه الجرعة أو تختفي تماماً. هذا يسبب خللاً كبيراً في كيمياء الجسد، وحتى بعض الرياضيين الذين يواصلون التدريبات بعد الاعتزال لا يحصلون على الكميات السابقة نفسها، كونهم توقفوا عن المنافسات القوية». ضوء في آخر النفق أمضى كبار الرياضيين أغلبية حياتهم وهم يتابعون تأثير ما يعرف (بالضوء في آخر النفق). ويعتبر المدرب كول أنه أحد أسباب معاناة الرياضيين المضاعفة عند الاعتزال مقارنة بغيرهم. ويوافق كول في ما قال بطل التجديف البريطاني جيمس كراكنيل الحائز ميداليتين أولمبيتين، معلقاً، «يعاني الرياضيون تأثير الاعتزال أكثر من عامة الناس، لعجزهم عن ممارسة التركيز على مشاكل الحياة الروتينية». أما الممارسات اليومية للبطل الرياضي فتختلف من حيث الروتين اليومي والتغذية والتدريبات. هذا الإحساس بالروتين يقود الرياضي المتقاعد إلى درجة أكبر من الإحباط مقارنة بالشخص العادي. المنافسة تحت الضغط أمضى كراكنيل أعواماً بعد اعتزاله رياضة التجديف مشاركاً في سباقات القدرة، وذلك في محاولة منه لإرضاء طبيعته التنافسية. وخلال واحدة من تلك المنافسات تغيرت حياته كلياً. خلال محاولته التسابق بالدراجة، التجديف ثم الركض والسباحة من لوس أنجلوس إلى نيويورك خلال 16 يوماً، صدمته شاحنة وقود من على دراجته في ولاية أريزونا، وتسبب الحادث في إصابته إصابات بالغة في المخ. وكتب كراكنيل وزوجته كتاباً بعنوان (تاتشينغ ديستانس) وصفا فيه دراما شفائه من الحادث. يعلق كراكنيل، «كرياضي، فالمنافسة هي أهم شيء في حياتي، وبعد الحاث تحولت أولوياتي بعيداً عن الرياضة، ومن ذلك أن أكون والداً أفضل». السلبية يمكن للعوامل المتسببة في اعتزال الرياضي أن تكون حاسمة، ويعتبر فيرث كلارك أن الأسباب السلبية، كالإصابة على سبيل المثال، أو تدني مقدرة الرياضي على الأداء قد تتسبب في إنهاء مشواره الرياضي. وهنا تبدأ مشاكل العزلة والإنكار والغضب غير المبرر لدى الرياضي. والتركيز لديه هنا هو فقدان أسلوب الحياة الذي اعتاده وليس بداية مشروع حياة جديدة. وكان ريكي هاتون قد أعلن اعتزاله بعد خسارته بالقاضية أمام الفلبيني ماني باكياو في لاس فيغاس عام 2009. هذه الخسارة قادت هاتون إلى الدخول في مسلسل طويل من المشاكل كاد ينتهي بانتحاره. وعندما عاد إلى الحلبة في نوفمبر 2012، أعلن أن رغباته تحولت بالكامل إلى تعويض ما فاته. القبول يعلق دكتور فيكتور تومسون اختصاصي سايكلوجية الرياضة على تحديات الاعتزال مفسراً، «يقوم كبار نجوم الرياضة مثل لاعبي البريميرليغ باختبار قدراتهم أمام آلاف المتفرجين، هذا النوع من التحدي لا يوجد في الحياة العامة. ومن العوامل المهمة في قرار اعتزال الرياضي، أن يضع خططاً مستقبلية لفترة ما بعد الاعتزال، مع وجود مجموعة من الداعمين من حوله، وهذا يساعد الرياضي على تجاوز فترة الاعتزال الحرجة الأولى. كلمة أخيرة تعود الكلمة الأخيرة في الموضوع إلى لينارد، الذي يذهب إلى أن يقول هو الذي يقود الرياضي إلى التصالح مع نفسه، مفسراً، «أعتقد أنني أكثر الرياضيين عودة بعد الاعتزال، وإذا لم تتقبل فكرة اللا شيء يمنحك راحة البال ولا المجد الذي تطلبه فستظل في حالة بحث دائم». وختم ليونارد حديثه ببعض النصائح للرياضيين المعتزلين، «الاقتناع بحقيقة أنهم أمضوا مشواراً عظيماً، وأنه آن الأوان لمواصلة المشوار في مكان آخر».
#بلا_حدود