الأربعاء - 22 سبتمبر 2021
الأربعاء - 22 سبتمبر 2021

إعــادة انتخـاب بلاتـــــر

شكل الـ 29 من مايو الماضي نقطة تحول فارقة في تاريخ العلاقة بين الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والاتحاد الأوروبي للعبة (يويفا)، وذلك بعد إعادة انتخاب رئيس الاتحاد السويسري جوزيف بلاتر لرئاسة فيفا لفترة خامسة تمتد لأربع سنوات الجمعة الماضية، وهو الأمر الذي خطط وسعى الاتحاد الأوربي لإفشاله عن طريق الدعم اللامحدود لمنافس بلاتر الأمير علي بن الحسين الذي انسحب بعد جولة أولى من الانتخابات انتهت بفوز بلاتر بـ 133 صوتاً مقابل 73 صوتاً لعلي بن الحسين. مياه كثيرة جرت تحت جسر مؤتمر فيفا الـ 65 الذي انتخب عبره بلاتر، لم تكن فضائح الفساد التي خيمت على أجوائه واعتقال عدد من منسوبي الاتحاد الذي يدير اللعبة وحدها الحدث الأبرز، وإنما أرقت أحداث أخرى مضجع المؤتمر الذي سيؤرخ في سجل الصراع الانتخابي على كرسي فيفا. ومن بين أحداث عدة، طفت على السطح مشكلة قديمة جديدة تتمثل في صراع النفوذ واللاتوافق بين الاتحاد الدولي لكرة القدم، والاتحاد الذي يحتل أحد مقاعد اتحادات القارات الست في فيفا، والذي يرأسه الفرنسي ميشيل بلاتيني. قبيل يوم من انطلاق المؤتمر الذي استضافته مدينة زيوريخ السويسرية مقر الاتحاد الدولي، بدا رئيس يويفا ميشيل بلاتيني منزعجاً، ودلّت على ذلك تحركاته الدؤوبة في باحات فندق كاميها في زيوريخ الذي استضاف وفود المؤتمر، وشوهد مهرولاً ليحلق بأحد مصاعد الفندق المتجه إلى أعلى، حيث يعقد اجتماعاً خاصاً يضم ممثلي الاتحادات الـ 54 دولة المنضوية تحت لواء يويفا، والذي يهدف إلى اتخاذ موقف من الأزمة التي تضرب فيفا والعملية الانتخابية. أعقب ذلك مؤتمر صحافي لاتحاد بلاتيني أكد فيه الأمين العام ليويفا الإيطالي جياني إنفانتينو «المؤتمر يمكن أن يؤدي إلى مهزلة كبيرة إذا انتخب بلاتر، ويجب على الاتحادات الأوروبية أن يكون لها دورها حيال ما ينذر بقتل كرة القدم في العالم أجمع»، كما جدد أيضاً دعم اتحاده للمنافس المنسحب الأمير علي بن الحسين. لم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، ليخرج رئيس الاتحاد الأوروبي بلاتيني الهواء الساخن عند التقائه بالصحافة في صبيحة ذلك اليوم، ويعلن عن ما يمكن اعتباره شرارة أولى في أفق الأزمة مع بلاتر. وصرخ «كفى، هذا يكفي، لقد مللت كل هذا، فيفا البيت الجامع للكل، يجب ألا يعامل بهذه الطريقة». وأضاف بلاتيني المتوج بالكرة الذهبية ثلاث مرات بين 1983 ـ 1985 «على صديقي بلاتر أن يتنحى، لا أنكر مساعدتي له في عام 1998 ليصبح رئيساً لكن حالياً هو أبعد مما ندعو إليه، نريد هواء نقياً في فيفا .. الأمير علي الأجدر بجلب ذلك». وتابع «ليس من السهل علي التصريح بذلك، لكن الحس التاريخي تجاه كرة القدم يدفعني لذلك». وزادت تصريحات بلاتيني النارية من حرارة الجولة الانتخابية على الرغم من وثوق بلاتر من الفوز، الذي تحقق له بانسحاب الأمير، لتبقى في حلق بلاتر غصة من اتحاد بلاتيني يتوقع أن تمتد طوال فترته الجديدة المقبلة، لا سيما تصريحاته أخيراً بإمكانية مسامحة الفرنسي، لكن من دون أن ينسى له ما بدر منه. بداية التأزم الرغبة القوية من قبل بلاتيني بعدم طي الخلاف مع بلاتر، تعيد إلى الذاكرة بذرة الخلاف الأولى التي تفتّقت في الـ 28 من أغسطس 2014 أثناء مونديال البرازيل الماضي، حينما رفض نجم يوفنتوس السابق دعم بلاتر في الانتخابات الأخيرة، مؤكداً «ساعدته كثيراً منذ 1998، وأيضاً في 2002 وفي 2007 وأخيراً في 2011، وفعلت ذلك لأنه طلب مساعدتي وأكد لي أنها الفترة الأخيرة له في كرسي فيفا، لكنه الآن ضرب بتلك الوعود عرض الحائط، وترشح مجدداً». وأضاف «لست نادماً البتة على اختياري الماضي، وانتظر لأرى يوماً فيفا من دون بلاتر». رد فعل عدم مداهنة بلاتيني بلاتر طوال الفترة الماضية، والذي زاد أخيراً، حفّز بلاتر على رد الصاع للفرنسي الذي يرأس الاتحاد الأوربي لكرة القدم، مستغلاً الجلبة التي ثارت في أفق مونديال 2022 ومدى أحقية قطر في تنظيمه، ليقحم بلاتيني في جب المتورطين في الفساد (الذي لم يثبت) حسب المحقق الفيدرالي مايكل غارسيا، وفهم من ذلك تشفّ من بلاتيني الذي ما فتئ يكيل الاتهامات لبلاتر، واستراتيجيته في فيفا التي تتحول في بعض الأوقات إلى عداوة أكثر من كونها نقداً. وأشار بلاتر في مقابلة مع إحدى وسائل الإعلام في سويسرا في مايو 2014 «لا أقول أن قطر اشترت حق تنظيم كأس العالم، هذا غير وارد»، ملمحاً إلى دور بلاتيني في ذلك خصوصاً بعد العشاء الذي جمعه في الـ 23 من نوفمبر 2010 في قصر الإليزية مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ومسؤولين قطريين. وتابع بلاتر «هذا اجتماع تحيط به شكوك، خصوصاً بعد تأكيدات بلاتيني لاحقاً تصويته لقطر، وانضمام ابنه لوران إلى العمل في مؤسسة بيردا الفرنسية المصنعة للأدوات الرياضية لقطر». ورد بلاتر على بلاتيني بخصوص مساعدة الأخير للسويسري حتى يفوز في انتخابات ماضية بأنه أيضاً ساعد الفرنسي في الفوز بمقعد رئيس الاتحاد الأوروبي في 2007. صراع أزلي تعكس الهجمة الشرسة للاتحاد الأوروبي في الآونة الأخيرة على فيفا طبيعة صراع أزلي بين الاتحادين يعود إلى انتخابات 1974 التي مني فيها المرشح الإنجليزي ستانلي روس بالهزيمة أمام البرازيلي جواو هافيلانغ الذي استمر بدوره في المقعد 24 عاماً قبل أن يسلمها إلى بلاتر في 1998. بيد أن محللين موالين لبلاتر أرجعوا العداء لطرف واحد وهو الاتحاد الأوروبي «ظل يويفا على الدوام داعماً لمبدأ عدم جدارة أي رئيس غير أوروبي بالمقعد، وعندما جاء بلاتر الذي حاد عن توجهاتهم، أحيوا الحرب ضده من جديد». وفي سياق متصل، أكد رئيس الاتحاد الكنغولي لكرة القدم كونستان أوماري عقب كونغرس فيفا الأخير «اتحادات أوروبا الغنية تريد السيطرة وفرض رأيها على فيفا، لذلك لا نستغرب العداء الحالي ضد بلاتر الذي بدد أهدافهم وفرض مبدأ المساواة بين الجميع». سيناريو محتمل تنذر هذه التوترات بضبابية قاتمة في أفق فيفا، يتوقع أن تأخذ منحى آخر في مسار العلاقة بين الاتحادين، وبالفعل رفض الإنجليزي ديفيد غيل الاستمرار ضمن تنفيذية فيفا، ليدخل الاتحاد الأوروبي حيز الحرب المباشرة على فيفا التي يتوقع أن تسيطر على مجمل الأحداث في الفترة المقبلة، وتصعب من الفترة الجديدة للسويسري جوزيف بلاتر في رئاسة المؤسسة التي تعود اكتساح انتخاباتها مبكراً لعدم وجود منافسين. وحدد الاتحاد الأوروبي السادس من يونيو الجاري لحسم استراتيجيته حيال فيفا، ليفتح الباب واسعاً أمام تكهنات وسيناريوهات محتملة عدة. من جانب آخر، لن يقف فيفا مكتوف الأيدي حيال يويفا المهدد لاستقراره، حيث ينتظر أن يلوح بلاتر بسحب مقعد من المقاعد الأربعة عشر المخصصة لأوروبا في مونديال روسيا 2018، وهو أمر إن حدث سيعقد من الأزمة بين الطرفين، حيث يعتبر بلاتيني ذلك خطاً أحمر لا يمكن لأي شخص كان تجاوزه أو القرب منه، ليظل الجميع في حالة ترقب لما تخفيه الأيام المقبلة في عالم الاتحادين.
#بلا_حدود