الخميس - 16 سبتمبر 2021
الخميس - 16 سبتمبر 2021

ترنح فيفا

لا يكاد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ينفك من أزمة من أزماته المتشابكة حتى تتفجر أخرى أخطر من سابقتها، تنضم إليها وتزيدان معاً من تصدعات جدران المؤسسة السميك بنفوذه وتمدد أعضائه، وتنذر بأخرى أقوى منها دوياً. ولم تضع استقالة رئيس فيفا السويسري جوزيف بلاتر الذي غادر المنصب الثلاثاء الماضي حداً للتحقيقات والمتابعات، التي سارت في اتجاه تصاعدي مترصدة المفسدين. وأوقفت السلطات الأمريكية قبل الجمعية العمومية الماضية لفيفا شخصيات رياضة عدة من بينها سبعة مسؤولين في الاتحاد الدولي لكرة القدم، في قضايا تتعلق برشى وفساد مالي نتج عن منح تنظيم بطولات كأس العالم في السنوات الأخيرة، والنسختين المقبلتين. وبدت القضية مثل كرة الثلج تتضخم كلما تدحرجت إلى الأمام، لا يمر عليها يوم إلا ويحمل تفاصيل أكثر دقة مما باح به سابقه، ويضيف إلى القائمة شخصيات جدداً ويدمغ المتورط بدلائل لا فكاك منها. وما بين مكاتب إف بي أي في واشنطن ومقر فيفا في زيوريخ يظل العالم حائراً في مآلات القضية المتطورة وما ستسفر عنه مستقبلاً، وهي حيرة تقفز على أخرى أكثر منها إلحاحاً حول الأسباب الخفية للأزمة التي شدت أنظار العالم لأسابيع. بالعودة إلى مسيرة فيفا في الفترة الأخيرة، تتبدى الطفرة الكبيرة للمؤسسة على مستوين كلاهما أهم من الآخر، وهما الجانب المالي حيث ارتفعت إيرادات المؤسسة بصورة جنونية حتى بلغت 5.7 مليار دولار بفائض مالي وصل إلى 1.5 مليار دولار العام الماضي، إضافة إلى الأهم وهو زيادة عدد أعضاء الاتحاد الدولي للعبة بصورة فاقت أعضاء الأمم المتحدة، حيث بلغت الاتحادات المنضوية تحت لوائه 209 اتحادات بزيادة 16 عضواً على هيئة الأمم المتحدة. وبإضافة ارتفاع الهوس العالمي باللعبة وما يعكسه من نفوذ بصورة غير مباشرة يغذي هيمنة ومكانة رئيس المؤسسة، تتكشف بعض الخيوط الرابطة بين الهجمة الأمريكية على فيفا متقمصة دور الرقيب على النزاهة، المتكاملة مع دور الحمل الوديع الذي أظهرته أوروبا تجاه الحملة، في وقت تمور فيه موازين القوة في العالم وتركض كبار الدول بقوة نحو كل ما من شأنه تعزيز النفوذ عالمياً، وهو ما يتيحه الاتحاد الدولي للكرة الأكثر شعبية في العالم. في عام 1999 ومع نهاية فترة الرئيس السابق لفيفا جواو هافيلانغ وتسلم بلاتر أصدر المؤلف البريطاني ديفيد يالوب كتاباً مثيراً بعنوان «كيف سرقوا كرة القدم» مركزاً على تحول كرة القدم إلى هدف لتعزيز سلطة الحكومات، وتعرّض فيه إلى سلطة رئيس فيفا السابق وكيفية تعامله مع رؤساء أكبر الدول بندية. وهو الأمر الذي كرسه بلاتر الذي تجاوز الندية وبات يتحدى بلداناً بأكملها، حيث تجسد ذلك في تكسيره رغبة كبار الدول في الفترة الأخيرة وحرمان دولهم من استضافة المونديال الذي ذهب إلى دول أخرى غيرها. وفي خضم الصراعين السياسي بين دول مثل أمريكا وروسيا وبريطانيا، والاقتصادي بين أمريكا وأعضاء (بريكس) الدول الخمس الأسرع نمواً في العالم (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا)، ونيل ثلاث من هذه الدول تنظيم الحدث الأكبر في العالم «مونديال كأس العالم» (جنوب أفريقيا 2010 والبرازيل 2014، وروسيا 2018 «على حساب بريطانيا»، وأيضا ضياع 2022 من الولايات المتحدة)، وحماس أمريكا تجاه الفساد، تبدو الصورة أكثر وضوحاً لرغبة السياسة في اقتحام إدارة اللعبة (النفوذ)، وهو الأمر الذي يُعقّد من موازنات الانتخابات المقبلة. وينتظر فقط أن تدخل الصين على الخط لتزيد الأزمة تأزماً، خصوصاً في ظل امتلاك هذه الأخيرة أكبر عدد من مشجعي كرة القدم في دولة، إضافة إلى تنامي الهيمنة اقتصادياً على حساب أمريكا. وتتكامل القصة بتباين المصالح بين الأطراف المتعددة، حيث تسعى أوروبا إلى استعادة سيطرتها التي تراجعت في الفترة الماضية، وتحديداً فيما يتعلق بعدد الأصوات، حيث كانت تمتلك في عام 1915، 83 % من نسبة الأصوات في كونغرس فيفا، وتناقصت حتى صارت في عهد بلاتر، الذي منح صوتاً واحداً لكل دولة 25% ، وركّز على أفريقيا وآسيا وضم عدداً من الدول منها إلى فيفا بغرض توسيع قاعدته الانتخابية مستفيداً من برنامج هدف الذي وجهه لدعم أفريقيا والاتحادات القارية الضعيفة، إضافة إلى الرغبة الأمريكية في السيطرة ومزاحمة روسيا، لتنذر كل هذه التحركات بمستقبل صعب في انتظار الرئيس المقبل، الذي سيجد نفسه مجابهاً بالفساد الذي لا تخطئه العين داخل أروقة المؤسسة، إضافة إلى استعادة مصداقية فيفا، إلى جانب إيفائه بالتزامات الرئيس السابق بلاتر تجاه دول عدة ضعيفة مادياً خشية التصدع والانفلات.
#بلا_حدود