الجمعة - 24 سبتمبر 2021
الجمعة - 24 سبتمبر 2021

صرامة القوانين

اعترف لاعب وسط فريق أستون فيلا الإنجليزي الشاب جاك غراليش بتعرضه للكثير من الضغوط من قبل إنجلترا أخيراً لارتداء قميص منتخب الأسود الثلاثة في الفترة المقبلة بدلاً من المنتخب الإيرلندي الذي اختاره سابقاً. وخاض غراليش المولود في مدينة سوليهال البريطانية عدداً من المباريات مع منتخب الشباب الإيرلندي. ويقف الآن اللاعب الشاب في مفترق طرق لحسم مصيره في الانتماء الأخير لأي من المنتخبين، وهو الأمر الذي يدعو معه إلى النظر بتمعن لقوانين فيفا، وضرورة المرونة مع المسألة، حيث يمنع اللاعبون الذين مثلوا منتخبات من الانتقال عبر التجنيس للمشاركة مع منتخبات أخرى مماثلة، وتتبدى عن إعادة النظر تلك وجهتا نظر متناقضتان، تدحض كل منهما الأخرى وتتشبث بصحة طرحها وموافقته تطور الكرة. بعد معاينة دقيقة لعدد من الحالات العملية، تبدو الحاجة ملحة لضرورة تشدد فيفا، وتشريعه قوانين تنظم العملية، بحيث لا يسمح لأي لاعب مثّل دولة ما في أي فئة (ناشئين، شباباً، منتخباً أول)، أو أي منافسة ودية كانت أم رسمية، التحول واللعب لمنتخب آخر، إضافة إلى ضرورة مغادرة الاتحاد الدولي لكرة القدم نهائياً المنطقة الوسطى (الرمادية) التي يتعامل بها مع الأمر. ويقدر فيفا المسألة برمتها من زاوية الصعوبة الطبيعية لقوانين الجنسية في أي دولة، حيث يتطلب الأمر في معظم الدول شروطاً صعبة، بيد أن ذلك يعدّ بمثابة حجج واهية، حيث يجب على فيفا عدم الاعتماد عليه، والتركيز فقط على سن القوانين واللوائح لقطع الطريق على تفشي الظاهرة، حتى يتخذ غراليش وأمثاله القرار الصائب حول مستقبله، والذي سيكون في الأغلب البقاء مع إيرلندا لمنع انتقاله إلى إنجلترا. فوائد يعود تشريع قوانين واضحة بمنع اختيار أكثر من منتخب بالعديد من الفوائد على منتخبات الدول الفقيرة، التي هرب لاعبوها لارتداء قمصان دول أخرى، تفوقها تقدماً وريادة، والمعني هنا أن اللاعب سيتردد كثيراً قبل حسم موقفه، لجهة مفاضلته بين المقابل المادي ومشاركته المضمونة في المباريات الرسمية (حيث يختار الكثيرون بعد انضمامهم إلى المنتخبات الكبيرة ضمن القوائم الأولية لمعسكرات المنتخبات لحين عودة كبار النجوم)، وهو ما لن يحدث في منتخب مسقط رأسه، لتعم الفائدة على تلك المنتخبات التي ستشهد تطوراً ملحوظاً في مستوياتها. طرح نقيض على العكس من ذلك، يرى الكثيرون ضرورة مرونة فيفا وضرورة جعل القرار في يد اللاعب، وتمكينه من المشاركة مع أكثر من منتخب، وذلك لحماية حق اللاعب في المشاركة في أكبر البطولات، خصوصاً لاعبي المنتخبات المدججة بالنجوم، حيث لا يجد الكثير منهم فرصة للظهور في مسابقات كبرى مثل كأس العالم مثلاً، مثل ما يحدث في المنتخب البرازيلي، وتحديداً ما حدث مع مهاجم تشيلسي الحالي دييغو كوستا الذي شارك في بعض المباريات الودية مع منتخب السيلساو قبل أن ينضم إلى المنتخب الإسباني الذي سجله بناء على موافقة فيفا، وأيضاً منع إطالة جلوس بعضهم على مقاعد البدلاء كما في بعض المنتخبات الأخرى، على أن تكون الغاية دائماً عدم سلب حقوقهم بمثل هكذا قوانين، وأيضاً تطوير كرة القدم، وإضفاء المزيد من الإثارة على الانتقالات بين المنتخبات. يتيح الطرح السالف لغراليش بكل سهولة اختيار إيرلندا حالياً، والمشاركة معها في يورو 2016، في فرنسا، وبعد أن تتأهل إنجلترا إلى مونديال روسيا 2018 يعود إليها بحكم جنسيته ليشارك معها في المونديال، قبل أن يعود ليختم مسيرته الكروية في صفوف المنتخب الإيرلندي. وهو الأمر الذي سيحدث مع لاعب الشياطين الحمر البلجيكي الكوسوفي عدنان يانوزاي، المتردد أيضاً حول مصيره حالياً، حيث يدفعه سماح القانون باللعب لأكثر من منتخب إلى اختيار بلجيكيا في عام 2018، ومن ثم يعود بدوافع العاطفة ويمثل مسقط رأسه كوسوفو في يورو 2020، وبعد مرور فترة له في إنجلترا يحصل على الجنسية عام 2021 ليشارك بعدها معها في كأس العالم 2022 في حالة عدم تأهل بلجيكيا، ومن هنا تبدو المتعة والإثارة، وتبرز الحاجة لمطالبة فيفا بالسماح بحدوث هذا، وعدم سلب اللاعبين تلك الميزة. نماذج هنالك الكثير من اللاعبين المجنسين الذي شاركوا مع منتخبات غير منتخبات بلدانهم الأصلية، بعد استيفائهم شروط فيفا الحالية، لكن سنركز على بعض اللاعبين القدامى قبل قانون فيفا الذين مثلوا دولاً عدة في مختلف المناسبات بما فيها كأس العالم. ومن أبرز هؤلاء الأرجنتيني لويس مونتي الذي خاض مع الأرجنتين نهائي مونديال 1930، قبل أن يتحول إلى المنتخب الإيطالي ويتوج معه بكأس العالم 1934، إضافة إلى الأرجنتيني ألفريد دي ستيفانو الذي شارك مع منتخب الأرجنتين وكولومبيا وإسبانيا، وثنائي الأوروغواي أليسديس غيغيا وخوان إلبرتو سيكافينو اللذين توجا مع المنتخب الأوروغواياني بكأس العالم قبل انضمامه أيضاً إلى منتخب الأزروي في 1958، وهذه النماذج جميعها تصب في خانة فائدة الطرح الثاني، حيث تمكن مونتي مثلاً من نيل المونديال مع إيطاليا في الوقت الذي خسره مع الأرجنتين، إضافة إلى جوانب أخرى تتعلق بالتلاقح بين الشعوب، كما حدث مع التشيكوسلوفاكي لاديسلاو كوبالا الذي لعب لمنتخبات كل من تشيكوسلوفاكيا والمجر وإسبانيا، حيث جسدت رحلته تلك في فيلم بعنوان (كوبالا .. رجل باحث عن السلام)، وصنف ضمن أفلام البروباغاندا التي هدفت إلى تلميع صورة الدكتاتور الإسباني فرانكو أثناء فترة الحرب الباردة.
#بلا_حدود