الجمعة - 24 سبتمبر 2021
الجمعة - 24 سبتمبر 2021

قائد ثــورة التطهير

لا يكاد الحديث عن أزمة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يخفت حتى يعاود الإطلالة على السطح مرة أخرى، حيث تتجدد الأحداث وتتكشف الكثير من الحقائق الخفية بصورة جعلت قصة فساد أكبر مؤسسة كروية في العالم أشبه برواية بوليسية تفاجئ الجميع في كل جزئية منها بغموض والتباس أكبر من سابقتها. وعلى الرغم من اقتراب المعركة التي تدور منذ مدة في أفق الاتحاد الدولي ضد عمليات الفساد والرشى من مرحلة الحسم، إلا أن أهم معالم المرتكزات المستقبلية لفيفا لم تتضح بعد، إذ لا تزال أكثر القضايا إثارة للجدل معلقة. والمقصود هنا قضية تورط رئيس فيفا الموقوف السويسري جوزيف بلاتر ورئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم يويفا الفرنسي ميشيل بلاتيني في خيانة الأول للأمانة، وتسلم الثاني مبلغاً من المال دون وجهة حق، إضافة إلى تمهيد الأجواء للانتخابات المقبلة. ومنذ انطلاق عملية التطهير في فيفا مايو الماضي، تصدرت لجنة الأخلاقيات عناوين الأخبار المتعلقة بالاتحاد الدولي لدرجة أصبحت فيها الآمر والناهي في كل صغيرة وكبيرة تخص الاتحاد الذي يتخذ من مدينة زيوريخ السويسرية مقراً له، وهي اللجنة المكونة من غرفتين، إحداهما مختصة بالتحقيقات ويرأسها المحقق السويسري كورنيل بوربيلي، والثانية قضائية مختصة بالأحكام ويرأسها القاضي الألماني الشهير هانز يواكيم إيكرت. الآن وبعد إكمال الغرفة الأولى مهامها جزئياً، باتت الكرة في ملعب غرفة القاضي إيكرت الذي كثيراً ما تصدر عناوين الصحف، ونحاول في المساحة المقبلة إلقاء الضوء على مسيرته وأيضاً مهمته الشاقة في محاربة أشكال الفساد كافة وإيقاف أباطرته. يلقبه الكثيرون بذراع فيفا المسلح، لا لشيء سوى للقرارات العاصفة التي اتخذها منذ قدومه إلى فيفا، وهي القرارات التي رفعت أسهمه كثيراً، وجعلت مصير أهم شخصيتين كرويتين في العالم (بلاتر وبلاتيني) معلقاً بين يديه، حيث أصدر إيكرت البالغ من العمر (67 عاماً) أمس حكمه النهائي في القضية، وأوقف الثنائي لمدة ثمانية أعوام، بعد التوصيات المغلظة من غرفة التحقيقات والتقصي بإنزال عقوبة الإيقاف مدى الحياة بالثنائي بعد تقديمها دفوعات جمة تثبت تورطهما في المزاعم المثارة ضدهما. رضوخ قبل الحكم في مصير بلاتر وبلاتيني، حدد إيكرت يومي الخميس والجمعة الماضيين موعداً لمثول السويسري والفرنسي أمام غرفته للاستماع إليهما في القضية، وهو ما رضخ له بلاتر الذي حضر الجلسة التي استمرت لثماني ساعات، قدم فيها مرافعته عن حقيقة تورطه في دفع مبلغ 1.8 مليون يورو لبلاتيني. من جهته، رفض الفرنسي ميشيل بلاتيني المثول أمام رئيس محكمة مدينة ميونيخ السابق في الفترة من أكتوبر 2005 إلى يوليو 2006، والذي حكم في الكثير من قضايا الفساد الكبرى والتهرب الضريبي والجرائم الغامضة، متهماً إيكرت وغرفته بأنهم ذراع سياسية هدفها الأول إعاقة ترشحه في انتخابات فيفا المقبلة التي ستُجرى في 26 فبراير من العام المقبل، ومتوعداً في الوقت ذاته بالاستئناف لدى اللجنة المنوطة بذلك، ومنها إلى محكمة التحكيم الرياضية (كاس). غير أن خطورة جلسة الاستماع وأهميتها جعلتا محامي بلاتيني تيبو داليس يسابق الزمن ليلحق بها ماثلاً أمام الغرفة ومنافحاً عن موكله لقرابة تسع ساعات. نزاهة بعيداً عن اتهامات بلاتيني للقاضي الألماني إيكرت، يبدو أن رئيس قسم الجرائم العامة وجرائم الاقتصاد في محكمة ميونيخ سابقاً يحظى بثقة مطلقة داخل أعضاء لجنة الأخلاقيات وفي الوسط الرياضي الدولي عموماً، باستثناء بلاتر وبلاتيني. وأوضح المتحدث الرسمي باسم لجنة الأخلاقيات مارك تينبوكين «السيد إيكرت يتمتع بإجماع مطلق على نزاهته، نظراً لخبرته الطويلة في المجال القضائي والتي تتجاوز الـ30 عاماً، ومشهود له أيضاً بعدم إصداره أحكاماً ما لم يمنح المتهمين أطول فرص ممكنة للدفاع أمامه». وأضاف «عالج الكثير من القضايا الشائكة أبرزها قضية فساد شركة سيمنس الألمانية الغامضة.. ومنذ انضمامه إلى فيفا لم يجرؤ أحد على أن يشكك في استقلاليته ونزاهته، باستثناء بعض لاعبي الكرة ممن يطلقون اتهاماتهم بدوافع الأنانية». مسيرة انضم إيكرت إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم في 2012، وأصبح رئيساً للغرفة القضائية الموازية لغرفة التحقيقات داخل لجنة الأخلاقيات. وأضفى تعيينه صدى واسعاً على لجنة الأخلاقيات، وخصوصاً غرفة التحقيقات التي كان يرأسها المحقق الأمريكي السابق في نيويورك مايكل غارسيا، إذ سرعان ما خلق القاضي الألماني الحدث وحرك ساكن فيفا، مرسلاً القطري محمد بن همام في مهمة استراحة طويلة، بعد قرار إيقافه عن ممارسة النشاط الكروي مدى الحياة عام 2011. ولم يمر على ذلك سوى أشهر عدة حتى نبش إيكرت عدداً من ملفات فيفا القديمة والمسكوت عنها، على رأسها ملف شركة «إي أس أل» الدولية للرياضة والترفيه، التي احتكرت حقوق تسويق بطولات فيفا لفترة طويلة امتدت منذ عهد رئيس فيفا السابق البرازيلي جواو هافيلانغ حتى موعد إفلاس الشركة في 2001. واتهم إيكرت في أبريل 2013 كلاً من البرازيلي رئيس فيفا من 1974 ـ 1998 هافيلانغ وصهره ريكاردو تيكسيرا (رئيس الاتحاد البرازيلي لكرة القدم، استقال في 2012)، إضافة إلى رئيس اتحاد أمريكا الجنوبية للكرة وقتها نيكولاس ليوز بتلقيهما رشى من «إي أس أل» في الفترة من 1922 حتى 2000، وهو ما اضطر هافيلانغ إلى ترك منصبه رئيساً شرفياً لفيفا في 2013. في سبتمبر 2014، عاد إيكرت إلى واجهة الأحداث مجدداً عندما تسلم تقرير الأمريكي مايكل غارسيا المكون من 350 صفحة، حول مزاعم شراء أصوات تنظيم مونديالي 2018 و2022، ليضع العالم على موعد مع الترقب والشدّ حول حكمه في القضية بناء على التقرير. لم يستغرق إيكرت كثيراً من الوقت ليخرج تلخيصه للتقرير في 13 نوفمبر من العام الماضي، والمكون من 42 صفحة، مستبعداً فيه وجود عمليات مخلة مصاحبة للتصويت، ومعترفاً في الوقت ذاته ببعض التجاوزات التي تتعارض مع ميثاق فيفا الأخلاقي، مثل عمل بعض المصوتين مستشارين لأحد الملفين، لكنه قطع في النهاية بعدم تأثير ذلك على سير عميلة التصويت ومنح تنظيم المونديالين. ولم ينس إيكرت وقتها الثناء على بلاتر «لا أعتقد أنه خرق ميثاق فيفا الأخلاقي، بل على العكس أجرى الكثير من الإصلاحات المهمة التي دفعت فيفا إلى الأمام، مقارنة بما كانت عليه سابقاً». من جهته، احتجّ غارسيا على تلخيص القاضي الألماني لتقريره، متهماً إيكرت بخيانة مضمون التقرير، ومصعداً القضية إلى لجنة الاستئناف التي رفضت طرحه، ليتقدم غارسيا باستقالته في ديسمبر 2014، ويخلفه المحقق السويسري كورنيل بوربيلي الذي وعد بنشر تقرير غارسيا مكتملاً، وهو ما لم يحدث حتى الآن. التحوّل الكبير يُعد عام 2015 نقطة تحوّل كبرى في مسيرة القاضي الألماني إيكرت، حيث أوقف في 28 من مايو الماضي، قبل 48 ساعة فقط على كونغرس فيفا الأخير، أحد عشر شخصاً بارزين في فيفا، على خلفية توقيفهم من السلطات السويسرية بناء على طلب من نظيرتها الأمريكية بتهم تتعلق بالفساد والرشى، أبرزهم رئيس اتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي (كونكاكاف) جيفري ويب وسلفه جاك وارنر. وفي يوليو من العام الجاري، أوقف إيكرت الأمين العام لكونكاكاف وعضو تنفيذية فيفا سابقاً الأمريكي تشاك بليرز مدى الحياة بتهمة الرشوة، وألحق بعد شهرين الترينيداي جاك وارنر بالحكم نفسه. ومثل شهر أكتوبر الماضي ذروة أحكام إيكرت المؤثرة في فضائح الاتحاد الدولي للعبة، بعد توقيفه بلاتر وبلاتيني، والأمين العام لفيفا الفرنسي جيروم فالكه الموقوف عن عمله منذ سبتمبر بتهمة بيع تذاكر مونديال 2014 في السوق الموازي، لمدة 90 يوماً في الثامن من الشهر نفسه. وحمل اليوم نفسه حكماً مغلظاً لإيكرت على الكوري الجنوبي والمترشح لخلافة بلاتر تشونغ مونغ جون بإيقافه ستة أعوام، بسبب دفعه مبلغ 77 مليون دولار للجنة التنفيذية لفيفا في 2010. واستمر عراب ربيع فيفا إيكرت في سلسلة تطهير المؤسسة، وأوقف بعد ذلك بأربعة أيام كلاً من رئيس الاتحاد التايلندي وعضو تنفيذية فيفا السابق ماوري ماكودي لـ 90 يوماً، فيما غرّم في نوفمبر الماضي رئيس الاتحاد الإسباني لكرة القدم أنخيل ماريا بيار مبلغاً من المال. وفي الرابع من ديسمبر الجاري، أوقف القاضي كلاً من رئيس كونيمبول الباراغوياني خوان أنخيل نابوت ورئيس كونكاكاف الهندوراسي ألفريدو هاويت بعد اعتقالهما في زيوريخ بناء على طلب القضاء الأمريكي، لمدة 90 يوماً أيضاً. تذمر بلاتر الآن وبعد اكتمال مهمة الرجل الحديدي إيكرت وحكمه على بلاتر وبلاتيني، بدت جميع الأنظار موجهة إليه، إذ يتوقع أن يثير الكثير من الجدل بين المؤيدين لأحكامه والمعارضين في الأيام المقبلة. واستبق بلاتر الجميع الأسبوع الماضي في عمود رأي كتبه لصحيفة ليبراسيون الفرنسية «لاحظت أمراً مثيراً في أحكام الغرفة القضائية، فقد استغرقت تحقيقات إيكرت قرابة الثلاثة أعوام، قبل أن يحكم على بعض الأشخاص في فيفا، بينما أخذت تحقيقاته في قضيتي ورئيس يويفا فقط ثلاثة أشهر، والآن يهددنا بالإيقاف مدى الحياة، أليس هنالك أمر غريب؟». وغير بعيد عن بلاتر، ألمح الناطق الرسمي باسم غرفة التحقيقات داخل لجنة الأخلاقيات أندرياس بانتل إلى تغيرات جمة حدثت بين الطريقة الحالية لعمل اللجنة وتلك التي كان فيها مايكل غارسيا رئيساً لغرفة التحقيقات، وهو ما ربطته صحيفة «لو تومب» السويسرية بعمل اللجنة تحت الوصاية الأمريكية، وخصوصاً غرفة التحقيق التي يرأسها بوربيلي، مذيلة موضعها بعبارة ملغومة «عملية تطهير فيفا تمت بصبغة أمريكية خالصة».
#بلا_حدود