الجمعة - 17 سبتمبر 2021
الجمعة - 17 سبتمبر 2021

اتساع فجوة الإيجارات والمداخيل .. المستهلكون يدفعون فاتورة التعافي


تعتزم وزارة الاقتصاد إعادة النظر في آليات قياس مؤشرات ارتفاع الأسعار، بهدف الوقوف على مسببات الغلاء وزيادة تكلفة المعيشة، بعد الإفصاح عن نسب التضخم للعام 2013.
واشتكى مستهلكون اتساع الفجوة بين مداخيلهم وتكلفة المعيشة، خصوصاً إيجارات المساكن التي تشهد زيادات سنوية متصاعدة، أرجعها اقتصاديون إلى الانتعاش الاقتصادي في الدولة، معتبرين أن المستهلكين يدفعون فاتورة تعافي القطاع العقاري من الأزمة التي طالته في السنوات السابقة.
وتعلن وزارة الاقتصاد قريباً، بالتعاون مع المركز الوطني للإحصاء، نسبة التضخم الإجمالية في الدولة عن العام 2013، وهنا أكد لـ «الرؤية» وكيل الوزارة محمد الشحي تحليل كافة مكونات سلة قياس التضخم للوقوف على مسببات الغلاء، وإعادة النظر في الوزن النسبي لكل سلعة أو خدمة منضوية في مؤشرات قياس ارتفاع الأسعار.
واستبق الشحي الإعلان المرتقب عن نسب التضخم بتأكيد أن زيادة الأسعار لا تزال ضمن الحدود الطبيعية.  الانتعاش الاقتصادي يرفع غلاء المعيشة إلى أعلى مستوى في 7 أعوام طال غلاء المعيشة جيوب كثير من صغار الموظفين ومتوسطي الدخل، ما أرهق ميزانياتهم وشكل عبئاً يومياً. وارتفع معدل التضخم في الإمارات ما بين الأعوام (2007 ـ 2013) بنسبة 18.07 في المئة. وتصدرت أم القيوين مدن الدولة الأعلى تضخماً في ست سنوات كاملة بنسبة بلغت 25.37 في المئة، تلتها العاصمة أبوظبي بنسبة 24.5 في المئة، تلتها إمارة عجمان بنسبة 24.16 في المئة، ثم الفجيرة بنسبة 22.5 في المئة، أعقبتها رأس الخيمة 21.99 في المئة، ثم الشارقة بـ 20.14 في المئة، وحلت دبي في آخر القائمة بنسبة 15.98 في المئة. وأرجع اقتصاديون معاناة السكان من غلاء المعيشة إلى الانتعاش الاقتصادي الراهن الذي تحياه الدولة، مؤكدين أن السكان يدفعون الآن فاتورة قاسية سواء لدفع التزامات السكن أو الوفاء بمستلزمات المعيشة الأخرى كفواتير الكهرباء والاتصالات وتكاليف المواصلات. ومن ناحيته، أفاد وكيل وزارة الاقتصاد محمد الشحي بأن مستويات التضخم ما زالت ضمن حدودها الطبيعية غير المؤثرة سلباً في حياة القاطنين من مواطنين ومقيمين في الدولة. وأوضح أن تمثيل العقارات والإيجارات في السلة التي يقاس على أساسها مستوى ونسبة التضخم في الدولة منطقي، إذ تشكل 40 في المئة من إجمالي السلة. وأشار إلى أن وزارة الاقتصاد بالتعاون مع المركز الوطني للإحصاء، ستقوم بتحليل كل أجزاء السلة للوقوف على التضخم الحاصل في كل قطاع أو سلعة أساسية. وأما عن ضوابط مسألة الإيجارات والعقارات بالإجمال فقد أفاد الشحي بأنها تتبع لجهات عقارية، فيما تعنى وزارة الاقتصاد بالسلع. وأقر الخبراء بأن معدل زيادات الأجور لم يكن بمستوى كاف ليغطي زيادة الإيجارات التي تشكل ما بين 30 إلى 40 في المئة من إجمالي المصاريف في الإمارات. وكانت الإيجارات في دبي على سبيل المثال ارتفعت بحسب العديد من التقارير ما بين 20 إلى 50 في المئة في العام الماضي، مع توقع أن ترتفع في العام الجاري بأكثر من 15 أو 20 في المئة. فيما تصل التقديرات لارتفاع الأجور إلى أكثر من خمسة أو ستة في المئة وهو معدل كبير في العموم لكنه مع ذلك لا يغطي نسب التضخم. فيما أوضح مختصون أن الإمارات ما زالت أكثر جاذبية من مثيلاتها من الدول الأوروبية بالنسبة للعمالة ولرؤوس الأموال نظراً لضخامة الضرائب في تلك البلدان. وتفصيلاً، أفاد رئيس شركة ناصر السعيدي وشركاه للاستشارات المالية الخبير الاقتصادي ناصر السعيدي بأنه من الواضح للجميع أن كلفة المعيشة وبخاصة الإيجارات في الإمارات وتحديداً في دبي قد ارتفعت ولفت إلى أنه وعلى الرغم من ارتفاع مستوى الأجور أيضاً، إلا أن الزيادة التي طرأت على الأجور لم توازِ الزيادة التي شهدها الإنفاق، لا سيما الإيجارات التي تشكل نحو 30 إلى 40 في المئة من إجمالي إنفاق الأفراد في دبي. وتحدث السعيدي أن الإنفاق في دبي يصل إلى نحو 80 في المئة من إجمالي الدخل وتصل كلفة الإيجارات إلى أكثر من ثلث الإنفاق حيث إن أي زيادة كبيرة في الإيجارات سيكون لها انعكاس مباشر وكبير على حجم الإنفاق ومستوى الادخار الذي يصل حالياً إلى نحو 20 في المئة من إجمالي الدخل. وأشار السعيدي إلى أن الإنفاق على الإيجارات للمقيمين يجب أن لا يتعدى 20 إلى 25 في المئة من إجمالي الإنفاق، فيما يصل لدينا إلى حدود الـ40 في المئة. لكنه أوضح أن الإمارات تتميز عن دول أوروبية في عدم فرض ضرائب على الدخل، وهي ميزة ينعم بها سكان الإمارات على عكس الأوروبيين الذي يكتوون من الضرائب وتتقلص فرصهم في الإدخار. وأكد السعيدي أن الأثر السلبي لتضخم الإنفاق لا سيما أسعار الإيجارات حال استمراره سينعكس على استقطاب الكفاءات ورؤوس الأموال في المدى الطويل. ومن جهته، أفاد نائب المدير العام رئيس مجموعة إدارة المخاطر في بنك دبي التجاري جمال صالح بأن العديد من التقارير التي تعود لمراكز متخصصة وشركات توظيف توقعوا أن تصل نسبة الزيادة الإجمالية للرواتب خلال العام الجاري إلى أكثر من خمسة في المئة لتلامس حدود ستة أو سبعة في المئة، واصفاً النسبة بالمرتفعة قياساً بالنسب الطبيعية التي تطرأ سنوياً على مستويات الأجور في البلدان كافة. وبدوره، أوضح الخبير المصرفي أمجد نصر أن المصلحة العامة هي التي تحدد مسار الاقتصاد والأمور الحياتية الأخرى إن كانت تسير بشكل جيد أو سلبي، مؤكداً الإيجابية التي بدا يشهدها الاقتصاد ككل والناس في العموم في الإمارات من ناحية فرص العمل، وتنامي أسعار الأصول والاستثمارات الجديدة وغير ذلك الكثير. وأما عن التضخم، فأشار نصر إلى أن ضريبة كل نمو موجودة وفي الغالب تظهر على شكل تضخم في أسعار العديد من السلع والخدمات، وهو ما شهدناه في الإمارات ودبي في المدة الأخيرة، وقد يكون جزء من التضخم الحاصل غير مبرر وغير منطقي، لكن لم نصل إلى حد المبالغة الكبيرة غير المحمولة. واعتبر مختصون في القطاع الاقتصادي أن مرحلة التعافي من الأزمة المالية وما رافقها من ارتفاعات سعرية في بعض القطاعات أمر طبيعي، ولا توجد أي عوامل استثنائية تتحكم في الوضع. وأكدوا أن الارتفاعات السعرية تحكمها عوامل مهمة تتصل في مؤشرات التضخم، وهي ضمن الإطار الطبيعي، إذ تشير المعطيات إلى أن نسبة التضخم تتراوح ما بين 2.5 وثلاثة في المئة فقط. وأوضح لـ «الرؤية» الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد البنا أن الارتفاعات الحاصلة اعتيادية وينبغي أن لا تعمم على جميع القطاعات، مضيفاً أن مؤشرات التضخم هي من تحدد ذلك، وهي مقبولة وضمن التوقعات. وأرجع البنا هذه الارتفاعات أيضاً إلى قانون العرض والطلب، مؤكداً أنه إذا حصل ارتفاع في قطاع معين أو أكثر، فإن ذلك لا ينسحب بالضرورة على جميع القطاعات. وذكر أن الارتفاع في قطاع العقارات تحدده ضوابط وقوانين وضعت لكي تنظم هذه المسألة ولم تترك بشكل عبثي يضر في السكان، مشيراً إلى أن هذه الارتفاعات طالت بعض المناطق وبشكل محدود ومنطقي في ظل عودة الحركة الاقتصادية وتعافيها. من جانبه، أكد الوسيط العقاري في مكتب العلا للعقارات في عجمان نور الله فضل البصير، أنه أثناء الأزمة المالية حصل ركود في حركة البيع والتأجير سواء على صعيد القطاع التجاري أو السكني. وأشار إلى أن السوق يتحكم فيه عامل العرض والطلب، وهذا هو الحاصل الآن، فبعد التعافي من الأزمة المالية وعودة المشاريع إلى سالف عهدها، أصبحت هناك حركة تشهدها الدولة في مختلف القطاعات. وأضاف «الأمر يتطلب توفير عمالة وموظفين، وهو ما أدى إلى عودة الحركة إلى أوصال القطاع العقاري، وزيادة الطلب على مختلف الوحدات المتوافرة بخلاف الأوضاع أثناء الأزمة المالية». واعتبر أن ما يحصل أمراً طبيعياً ولا يوجد أي شواهد تشير إلى أن ثمة ظروفاً استثنائية تتحكم في السوق أو أن ما يحصل أمر مفتعل من قبل جهات بعينها، لافتاً إلى أن شريحة محدودي الدخل هم من يتأثرون بالدرجة الأولى حتى وإن كانت تلك الارتفاعات السعرية في بعض القطاعات محدودة. وتشهد حالياً عجمان وأم القيوين حالة من التزايد المستمر لطلب الإيجار على الشقق السكنية وعدم وفرة العرض لتلبية تلك الاحتياجات، ما أفرز واقعاً جديداً تمثل بارتفاع جنوني للأسعار تجاوز الـ 100 في المئة من السعر الأصلي. في الوقت نفسه، أبلغ «الرؤية» الخبير الاقتصادي في الشؤون المالية ناصر العصيبة أن الربع الأخير من العام المنصرم وبداية العام الحالي شهد ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار إيجار العقارات في معظم مناطق الدولة تجاوز في بعض المناطق نسبة 25 في المئة وأكثر من ذلك. وزاد العصيبة «أن تلك الزيادة تعزى إلى زيادة الطلب على العقارات لزيادة النشاط الاقتصادي في بعض القطاعات كزيادة الاستثمارات في القطاع العقاري، والتفاؤل العام في نمو الاقتصاد الداخلي للدولة، خصوصاً بعد إعلان فوز إمارة دبي باستضافة فعاليات إكسبو 2020 بعد عدة سنوات من البطء الملحوظ في الاقتصاد المحلي والعالمي. وأبان العصيبة أنه قد تم الإعلان في الفترة الأخيرة عن عدة مشاريع عقارية ضخمة، وبدء العمل في المشاريع التي سبق وأن توقفت إثر الأزمة المالية التي عصفت في أواخر عام 2008، ما أدى إلى زيادة الإقبال على الاستثمار في هذا القطاع، خصوصاً بعد تباطؤ دام لقرابة الأربع سنوات من نهايات عام 2008. ولفت أن ذلك نتج عنه تعطش رؤوس الأموال لاستثمارها في المجال العقاري الذي يتميز بالأمان بشكل عام، كما شجع على زيادة هذا الاستثمار عدة عوامل منها دخول رؤوس أموال من الخارج سواء من دول الخليج الشقيقة أو من دول أخرى لما توفره دولة الإمارات من مناخ آمن للاستثمار نتيجة الاستقرار الاقتصادي والسياسي الذي فقدته كثير من الدول العربية والغربية ومنها دول الاتحاد الأوروبي. ويرى العصيبة أن أهم أدوات الحفاظ على استقرار أي قطاع هي التشريعات المنظمة لهذا القطاع، ولعب دور مهم في الحفاظ على استقرار السوق العقاري ويجب في جميع الأحوال إعادة النظر باستمرار في هذه التشريعات وتحديثها. وشدد على ضرورة العمل على تطويرها بما يتناسب مع مصلحة جميع الأطراف ومصلحة الاقتصاد الوطني سواء على المدى القريب أو البعيد لضمان أكبر قدر من الاستقرار للأفراد المتعاملين مع هذا القطاع وجميع قطاعات الاقتصاد الوطني المتصلة بالقطاع العقاري. يأتي هذا في ظل تأكيد رئيس مجموعة وول ستريت العقارية في عجمان معين الهياشي أن حدوث مثل هذا النشاط وتحرك سوق العقار بشكل خاص أمر إيجابي، إلا أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار عدة أمور منها أن مستوى الدخل للأفراد الموظفين وأصحاب الدخل المحدود ظل ثابتاً كما هو. وأشار إلى أن الزيادة في أسعار العقارات وما يتبعها من ارتفاع الخدمات بشكل عام سوف يشكل عبئاً على كاهل هذه الفئة قد يصعب عليها مواجهته، من خلال التقيد بقوانين كل إمارة المنظمة لسوق العقار والمحددة سلفاً. واعتبر الهياشي أن فوز إمارة دبي باستضافة معرض إكسبو 2020 أحدث نوع من النشاط في بعض القطاعات وأهمها القطاع العقاري لما سيلعبه هذا القطاع في التجهيز لهذا المعرض الذي يتطلب كثيراً من الإمكانات المتوقع توافرها في السنوات القليلة المقبلة. وبين أن مختلف المناطق الشمالية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بما يحدث بإمارة دبي بشكل خاص، ومناطق الدولة بشكل عام. وعلى صعيد آخر، أوضح رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات لحماية المستهلك جمعة بلال أن فكرة تعافي الاقتصاد نظرية روج لها الاقتصاديون من المنظرين في علم الاقتصاد، فهل يتعافى الاقتصاد على حساب المستهلك. وأضاف «أن ارتفاع الأسعار كظاهرة أضحى منتشراً على كل الصعد لعدة عوامل يقف على رأسها أولاً ارتفاع أسعار العقار والإيجارات التي أدت إلى نتيجة تراتبية متسلسلة رفعت من أسعار كل المنتجات والسلع الاستهلاكية نتيجة لارتفاع أسعار تأجير محال البيع والتجزئة ما نجم عنه رفع التجار للأسعار. وذكر أن المشكلة لا تزال مستمرة ومتزايدة والمؤشرات تبشر بالمزيد من ارتفاع معدلات الغلاء للسلع الاستهلاكية ما أدى إلى عجز الناس عن توفير حاجاتهم الأساسية أو القدرة على الشراء. وأوضح أن غلاء الأسعار طبيعي وكان متوقعاً خلال الفترة المنصرمة، مشدداً على أهمية التنسيق لوضع الخطط اللازمة لمكافحة ارتفاع الأسعار مع الجهات المعنية.
#بلا_حدود