الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021

تعرّيتُم فعَوَيتُم .. فُضِحت المؤامرة

لا جدوى من انتظار مفاجأة أمريكية حيال انزلاق ليبيا تدريجياً إلى أتون حرب أهلية، لا جدوى من الرهان على تحرك غربي يسعف الليبيين الباحثين عن دولة مدنية لا سيادة فيها إلا للقانون، لا جدوى من ترقب صحوة ضمير أمريكية تلتفت لأوجاع الليبيين وهم يتابعون المليشيات الإرهابية تذبح وطناً من الوريد إلى الوريد. سقطت ورقة التوت سريعاً، ولم تتأخر الطعنة الأمريكية عن موعدها القاتل.. الجيش الوطني الليبي يستجيب لإرادة شعبية جارفة في استعادة هيبة الدولة والقضاء على الإرهابيين وحصر السلاح في مؤسسات السلطة الشرعية، خدمة لحلم ليبي طال انتظاره في تنفس حياة طبيعية كما يليق بشعب أزاح عن كاهله، بأفدح الأثمان، عقوداً من الطغيان. الجيش الليبي يستجيب لنداء الوطن واللحظة التاريخية الفارقة.. هذا هو قدر الجيوش الوطنية الحقة منذ الأزل.. يتقدم الجيش في جهات ليبيا، تظهر بوادر النصر في طرابلس وبنغازي، ويبدأ الإرهابيون في التقهقر وكأنها ساعة الصفر بالنسبة إلى الولايات المتحدة لتسجل موقفاً يخالف منطق التاريخ وكل مزاعم الغرب التي ساقها منذ سقوط القذافي حول أولوية بناء دولة المؤسسات وصون الوحدة الوطنية، لتطلب وقفاً فورياً للعنف ورفضها أي حل عسكري للأزمة، داعية بوقاحة فضائحية إلى تغليب الحوار مع القتلة والإرهابيين! الحل السلمي وفق المنظور الأمريكي لا يعني سوى مزيد من سفك الدماء على طريقة محاورة الهنود الحمر، وتعميم الإجرام على امتداد التراب الليبي وضرب أي إمكانية لوقف الخراب، والسيطرة المركزية على الثروة الوطنية. ساوى الإعلان الغربي بكل صفاقة بين الجلاد والضحية، بين الشرعية وسلاح الإرهاب، بين القانون وشريعة الغاب، بين أبناء ليبيا والمرتزقة.. وباستعلاء لافت يطالب الليبين بمهادنة الذل والرعب وإدمان الخضوع لمنطق الغلبة ونسيان المعنى العميق للكرامة الإنسانية. الموقف الأمريكي كاشف، صريح في فجاجته، وربما كانت حسنته الوحيدة أنه يضع العرب أمام استحقاق مفصلي لإنقاذ ليبيا، الدولة والوطن، وعدم انتظار دعم أمريكي، وإلا فإن ليبيا كلها حاضراً ومستقبلاً في مهب الضياع. استكمل الغرب مواقفه المريبة حيال الأزمة الليبية، وطالبت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا البارحة الأولى بوقف فوري للمعارك الدائرة في ليبيا بين القوات الحكومية ومليشيات مناوئة لها. ولوحت الدول الخمس، في بيان مشترك، بإمكانية لجوء كل منها إلى فرض عقوبات على الأطراف المتورطين بـ «تهديد سلام ليبيا واستقرارها وأمنها أو بعرقلة أو تقويض العملية السياسية». وأشارت الدول الخمس، التي أصدرت مرات عدة بيانات مشتركة حول مواضيع مختلفة، أنها «تدين بشدة العنف الدائر في ليبيا وتدعو إلى وقف فوري للأعمال العدائية». واستندت القوى الغربية إلى أنها «اتفقت على أن ليس هناك من حل عسكري للأزمة الليبية»، وأعربت «بشكل خاص عن انزعاجها من عدم احترام الأطراف دعوات وقف إطلاق النار». ودانت الدول الخمس الجرائم التي ترتكبها جماعة «أنصار الشريعة» المصنفة على القائمة الأمريكية للمنظمات الإرهابية. وحذرت الدول الغربية الكبرى من أن «حرية ليبيا التي دفعت ثمنها غالياً مهددة إذا ما استخدمت جماعات إرهابية ليبية ودولية ليبيا كملاذ آمن لها». ومنذ الإطاحة بنظام معمر القذافي في العام 2011 بعد انتفاضة استمرت ثمانية أشهر، أخفقت السلطات الانتقالية في تشكيل جيش نظامي محترف وفي بسط سيطرتها على العديد من المليشيات، بينها خصوصاً مليشيات متطرفة، تفرض سطوتها على البلاد. وبنغازي هي الأكثر اضطراباً بين مدن البلاد قاطبة، وهي تشهد معارك بين قوات تابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر المناهض الذي حصل على تأييد الجيش والحكومة المعترف بها دولياً، وبين المليشيات التي تسيطر على المدينة. وأعربت واشنطن ولندن وباريس وبرلين وروما في بيانها المشترك عن «قلقها من الهجمات التي يشنها خليفة حفتر في بنغازي» ولكن من دون أن تدين رسمياً هذه الهجمات. وكان رئيس الحكومة الليبية عبد الله الثني أكد البارحة الأولى أن العمليات العسكرية لمكافحة المليشيات «الخارجة عن القانون» أصبحت تحت قيادة السلطات المعترف بها دولياً، معرباً عن الأمل في استعادة هذه السلطات قريباً السيطرة على طرابلس وبنغازي. وإزاء هجمات المليشيات التي سيطرت نهاية أغسطس على العاصمة اضطرت حكومة الثني والبرلمان الجديد المنتخب في 25 يونيو والمعترف بهما من المجتمع الدولي، إلى ممارسة مهامهما من شرق ليبيا. وبعد أسابيع من المعارك الصيف الماضي طردت مليشيات «فجر ليبيا» المكونة من خليط من المتطرفين ومسلحي مصراتة من العاصمة مليشيات الزنتان الموالية للحكومة، ثم أعلنت إنشاء حكومة وبرلمان موازيين. ثم وسعت مليشيات فجر ليبيا سيطرتها إلى غرب العاصمة إلى منطقة ورشفانة حليفة الزنتان. وأعلنت هذه الأخيرة قبل أسبوع هجوماً مضاداً في الجبل الغربي بهدف العودة مجدداً إلى طرابلس. وبين الثني أن قوات الزنتان أصبحت تحت إمرة الجيش وانضمت إليها وحدات موالية للحكومة. وشدد الثني على أن «كل القوات تم وضعها تحت إمرة قيادة الجيش لتحرير طرابلس»، واصفاً مليشيات فجر ليبيا بأنها «مليشيات إسلامية خارجة عن القانون» وحكومتها «غير شرعية». وأشار إلى أن فجر ليبيا هي الذراع العسكرية «للإسلام السياسي وخصوصاً تنظيم الإخوان المسلمين الذين لم يقبلوا نتائج الانتخابات التشريعية التي نظمت في يونيو الماضي». وأبدى رئيس الحكومة الليبية خيبة أمله إزاء موقف المجتمع الدولي الذي «تحرك بقوة في بداية الثورة، لكن في مرحلة بناء الدولة لم يكن لهم أي دور». ولفت إلى الصعوبات التي تواجهها الحكومة في الحصول على السلاح والذخائر بسبب العقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة منذ بداية الثورة على ليبيا، والتي لا تزال سارية. وتساءل «هل يريدون أن نحارب الإرهاب بالحجارة والعصي؟»، مضيفاً «لا نريد قوات عسكرية على الأرض، ولكن سلاحاً ودعماً لوجستياً». واعتبرت السفيرة الأمريكية في ليبيا ديبورا جونز «المواجهة مع المنظمات الإرهابية في ليبيا ضرورية، لكن يجب أن تنفذها القوات المسلحة النظامية تحت مراقبة ومسؤولية السلطة المركزية».
#بلا_حدود