الاثنين - 02 أغسطس 2021
الاثنين - 02 أغسطس 2021

صمت خليجي .. ألا تستغربون؟!

وسط صمت خليجي ودولي يتجدد ويتمدد الحضور الجهادي الإيراني في العراق من جديد، في معركة تكريت التي أعلن عنها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أوائل مارس الجاري، والتي تقودها الجهاديات الشيعية الموالية لها، والتي تعرف إعلامياً بميليشيات الحشد الشعبي، وبتوجيه ودعم معلن من نظام الولي الفقيه، وهو الصمت الذي لا يجوز ويمثل خطراً على العراق الوطن أولاً، ويهدد دول الجوار والإقليم والعالم، فداعش وأخواتها تلفتنا دائماً لـ «إيران وجهادياتها»، وترى أنها رد فعل عليها، وتنهض باستراتيجيتها التعبوية والتجنيدية بالأساس على الحشد الطائفي ضد الجهاديات المضادة، في زمن سبق أن وصفناه بصراع الجهاديات. كما أن هذا الصمت لا يجوز أمام التدخل الإيراني المستمر والمتمدد، برغبة في إمبراطورية ساسانية وصفوية مختلطة، في شؤون كل دول المنطقة، نزعاً وحرقاً لمواطنتها بالطائفية وهدماً للدول بالميليشيات! فهو خطر داهم كما هي داعش تماماً. إن الطبيعة الميليشياوية هي السمة والسبب الأصيل للجيش العراقي، الذي يفتقد لعقيدة وطنية، ويطبق ويمارس فظائع تمييز طائفي تمثل مبرراً ودافعاً شرعياً لاحتضان الإرهاب السني الموازي في المناطق السنية، كما يحدث في تكريت الآن، ويدفعهم للانضمام لداعش الذي يلعب على الحشد والاحتقان الطائفي ومناصرته ويستغله منذ عهد الزرقاوي، وليس صحيحاً أنهم يتعاونون مع داعش طوعاً كما تتهمهم قوات الحشد الشعبي! فهم أبناء بونمر، وبوعلون، والدليم، والسعدون، وغيرهم مما قدم الكثير من الدماء في الحرب على داعش نفسها. إقرار إيراني .. وتبرير عراقي واهٍ لا تخفي إيران تدخلاتها في العراق أو غيره، فقد تكررت ـ مرات عدة ـ تصريحات المسؤولين التي كان آخرها ما صرح به أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني يوم الثلاثاء العاشر من مارس الجاري من أن إيران باتت الآن على ضفاف المتوسط وباب المندب، بحجة أنها تمنع سقوط العراق واليمن وسوريا في يد داعش، كما ذكر شمخاني. والمؤسف أن المنطق نفسه هو ما يبرر به المسؤولون في حكومة العبادي التدخل الإيراني، فقد صرح وزير الدفاع العراقي الدكتور خالد العبيدي في مؤتمر صحافي، في التاريخ ذاته، أن إيران قدمت أغلب دعمها للميليشيات، لكنه اعتبر هذا المصطلح مضللاً ووصفها بأنها «قوى شعبية»، لكن وزير الدفاع العبيدي لم يُجب عن وصف إيران لمثل هذه التدخلات بأنه تمدد إمبراطوري! ولم يرد على منطق أن هذا يستفز الطائفة والمحافظات السنية، ويصنع حاضنة شعبية لداعش وأخواتها، كما صرح مايكل هايدن نائب السي آي إيه السابق لوكالة الأنباء الفرنسية، في اليوم نفسه. والسؤال الأخطر للعبادي ولوزرائه هو: ماذا صنع التدخل الإيراني منذ عام 2003؟ هل أنقذ العراق أم وحل به في الوحل معطياً الجهاديات المضادة لجهادياته الكثير؟ هل يقبل العبيدي والعبادي ممارسات الميليشيات الطائفية ضد وجهاء العشائر، وهل يقبلان ممارساتها في ديالي وغيرها مما سنضرب عليه العديد من الأمثلة .. إنه منطق الولي الفقيه، واستجابته الطاعة والخضوع فقط.. يتجاهل هذا المنطق أيضاً حقيقة جوهرية، وهي أن تمدد إيران وجهادياتها الطائفية كان الحاضنة المثيرة التي أوجدت رد فعل الجهاديات السنية عليها، فقد سبق أن اعتبر أحد متحدثيها الدينيين سوريا محافظة إيرانية، بينما يعلن حزب الله في وثيقته التأسيسية أنه جزء من إيران في لبنان وليس العكس! سبقت تصريحات شمخاني بيومين تصريحات شبيهة لعلي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني، قال فيها إن «إيران اليوم أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حالياً، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي»، وذلك في إشارة إلى إعادة الإمبراطورية الفارسية الساسانية قبل الإسلام التي احتلت العراق وجعلت المدائن عاصمة لها، كما سبقتها في يناير الماضي تصريحات شبيهة لسليماني وعبداللهيان من قادة الحرس الثوري. ولكن الغريب هو الصمت الخليجي والدولي على هذا التدخل المعلن والمجرّم دولياً وإقليمياً، الصمت والارتباك الذي يزيد من فرص التطرف المضاد! بل ويؤججه ويصنع حاضنة اجتماعية وسنية له في ظل ممارسات الميليشيات الموالية لإيران والتي تقوم بممارسات لا تقل بشاعة عما تقوم به داعش وربما بطريقتها نفسها! صنعت إيران ودواعشها المبرّر لداعش وسلفها الزرقاوي، المرفوضين من السنة ومن حكوماتهم، فبدرجة ما، تبرر داعش لميليشيات وجهاديات إيران التمدد كذلك، حيث تنشط ميليشياتها في معركة تكريت التي أعلن عنها رئيس الوزراء العراقي في الأول من مارس الجاري. وبينما تقدم الحكومات السنية أبناءها شهداء في حربها على إرهاب تنظيم «داعش» والتي كان آخرها استشهاد الطيار الأردني معاذ الكساسبة الذي أعلن تنظيم داعش قتله بطريقة بشعة مخالفة للشرائع السماوية والإنسانية، تجد الميليشيات الشيعية الرعاية والدعم من النظام الإيراني الراعي لها في سوريا والعراق واليمن. من هنا نؤكد ضرورة اتخاذ موقف موحد تجاه هذا التغول الإيراني الداعم للإرهاب باسم الطائفة الشيعية، سورياً وعراقياً ويمنياً ولبنانياً، ويتضح بقوة بالخصوص في معركة تكريت الدائرة، التي لم تشارك فيها قوات التحالف الدولي، وتحفظت على المشاركة فيها القوات الأمريكية، نظراً لغلبة اللون الطائفي الإيراني والصفوي على مقاتليها الذين يتجاوزون 30 ألفاً! بجوار عشرات الآلاف من ميليشيات الحرس الثوري وأتباعه الآخرين، ممن لبوا نداء المرجعية والولي الفقيه، بدعوى هدفهم المعلن في معركة تكريت، وهو تطهير ما تبقى تحت سيطرة مسلحي تنظيم داعش في محافظة صلاح الدين المهمة والمحاذية لبغداد، وقد فسرت عدم المشاركة الأمريكية في هذه المعركة بتركيبة قوات الحشد المجتمعية وكونه من الشيعة وبالدعم الإيراني المباشر لها، خصوصاً مع ممارسات هذه التنظيمات والجهاديات الطائفية في العراق وفي سوريا وطوال عهد المالكي، التي أدت لولادة فظائع داعش وتبادلا الدعم وأدت في النهاية لانهيار الدولة حين اكتسح مفهوم الطائفة مفهوم الوطن! دواعش إيران والتجاهل الخطير من الأخطاء الكبيرة حصر الجهاد في صبغة سنية، على الرغم من أن وجود الميليشيات الشيعية في سوريا كان أسبق من وجود التنظيمات الجهادية السنية فيها، والتي ولدت بريئة سلمية في مرحلتها الأولى، وواجهها النظام السوري بقمعه وأسلحته البرية ثم الجوية ثم الكيمياوية، كما أن جرائمها في العراق لم يكن آخرها في ديالى 26 يناير الماضي حيث قتلت هذه الميليشيات كما نقلت وكالة رويترز عن حقي الجبوري، وهو عضو في مجلس محافظة ديالى، 72 رجلاً على الأقل في بروانة في ديالى، كما تم خطف وفقد 35 آخرين يُظن أنهم رهن الاعتقال. وهو ما تكرر سابقاً في ديالي أيضاً حيث قامت ميليشيات شيعية، اتهمت أنها عصائب الحق، بقتل مصلين في مسجد سني، في 23 أغسطس العام الماضي، وراح ضحيتها سبعون قتيلاً. وانتشرت الميليشيات الشيعية في سوريا، التي سبقت إليها في الشهور الأولى من عام 2011 وليس في صيف عام 2012 أو مع الوجود المعلن لحزب الله في معركة القصير في نيسان/ أبريل سنة 2013 (كما ذكر تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان صدر في 23 يناير الجاري سنة 2015)، وبلغ عدد ضحاياها في سوريا 1448 قتيلاً على الأقل. كذلك تواصل ميليشيات أنصار الله الحوثية إرهاب للدولة اليمنية بشكل يومي، في ممارسات يومية عنيفة ما بين قتل وخطف وحصار، لم تسلم منه مؤسسة الرئاسة والرئيس المستقيل نفسه، الذي كان آخر تصريحاته في الأول من فبراير 2015 حول نقل مفاوضات لتعز بعيداً عن الحصار والقمع المفروض عليه وعلى مختلف القوى السياسية فيها. وحسب تقارير يمنية فقد كانت حصيلة ضحايا الانقلاب الحوثي والصدامات المسلحة في اليمن عام 2014، أكثر من سبعة آلاف يمني لقوا مصرعهم، وخسرت المؤسسة العسكرية لوحدها أكثر من ألف قتيل من أبنائها، قتل 600 منهم على يد جماعة الحوثيين، و400 على يد القاعدة وجماعات مسلحة معارضة لها، إلى جانب مقتل نحو 1200 مدني في العام نفسه، أغلبيتهم في أعمال جماعات العنف المسلحة. وكما نشطت ميليشيات المالكي وحزب الله، نشطت وتمددت ميليشيات الحوثي متمردة على أي توافق وخارجة على أي اتفاق، مصرة فقط على تمكين نظام الولي الفقيه التابع لإيران تحت قيادة زعيمهم الطائفي عبدالملك الحوثي، وليست المهلة التي أعطاها الحوثيون لجميع القوى السياسية في الأول من فبراير سنة 2015 إلا تمهيداً لابتلاع الدولة بكاملها، حيث عهد عنهم عدم الاعتبار لأي توافق سياسي مسبق أو الالتزام بأي اتفاق وقّعوا عليه مع القوى السياسية الأخرى، والتي كانت جميعها بإشراف الأمم المتحدة ممثلة في السيد جمال بن عمر الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في اليمن، إذ لا تلتزم الجماعة الحوثية بأي اتفاق ينقذ الوطن اليمني من السقوط على الرغم من توقيعها عليه! وانتهى الحال للوضع المزري حالياً بانقلابهم واحتكار السلطة والقوة، وهو ما يهدد ويستنفر سائر اليمنيين ضدهم. ارتكب الحوثيون جرائم حرب، في دماج وعمران القريبتين من صعدة، وتعدّوا وانتهكوا حرية الإعلام وقداسته في اقتحام صحف ومؤسسات إعلامية وكذلك وزارات والعديد من مؤسسات الدولة والقانون، واقتحام بيوت المعارضين وخطف وقتل ذويهم. الصمت الدولي وعين واحدة وفّرت عمليات التنظيمات الجهادية الشيعية التي سبقت في سوريا، وتحالفت مع الحكومة السابقة في العراق البيئة الحاضنة والفعل الذي أنتج صحوة التنظيمات الجهادية ثانية في العراق، بعد أن قضت عليها الصحوات والعشائر السنية بخطة أمريكية عام 2007. إن الإرهاب الجهادي، بطائفتيه سواء، ومن المهم المساواة والتجريم لكل أشكاله من قبل المجتمع الدولي والمنظمات الدولية وقراراتها. باستثناء قرار مجلس الأمن رقم 2501 بخصوص إعاقة العملية الانتقالية في اليمن، على الرغم من عدم تنفيذه حتى تاريخه، بعد أن انهارت بشكل كامل على يد تحالف الحوثيين مع الرئيس السابق على عبدالله صالح، لم تصدر أي قرارات دولية بخصوص الميليشيات الشيعية في سوريا أو العراق أو اليمن حتى تاريخه، وهو ما يقلل فعاليتها والتعاطف معها من قبل السنة في هذه البلاد. لذا نرى أنه من الخطأ تركيز القرارات الدولية بشأن المقاتلين الأجانب في سوريا والعراق على الميليشيات الجهادية السنية دون الشيعية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن الرقم (2170) المتخذ في قرارات الجلسة 7242 بتاريخ 15 آب (أغسطس) 2014 وقرار مجلس الأمن الرقم (2178) في الجلسة 7272 بتاريخ 24 أيلول (سبتمبر) 2014، وقد صدر القراران تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يتضمن جواز استخدام القوّة ضد الأطراف التي صدر القرار بحقها وفق المادة 42 من الفصل السابع. وبينما تحارب دول المنطقة السنية الإرهاب والجماعات السنية، باعتبارها جزءاً من التحالف الدولي ضد الإرهاب، ومن الحرب العالمية المستجدة ضده، ويضحي أبناؤها بحياتهم في سبيل مكافحته كما كان في مقتل الشهيد الطيار الأردني معاذ الكساسبة في الثالث من فبراير الماضي، تقف الشرعية الدولية مكتوفة تجاه ممارسات الميليشيات الشيعية، وتجاه الدعم الإيراني لها.https://www.alroeya.ae/epaper/pdf/page17_120315.pdf
#بلا_حدود