السبت - 25 سبتمبر 2021
السبت - 25 سبتمبر 2021

الموت يغيب الفرا شاعر البسطاء

بكت «حمدة» الشاعر السوري الكبير عمر الفرا بعد أن توقف قلبه الذي طالما نبض شعراً مترنماً بأحاسيس البسطاء ورافعاً راية المقاومة في زمن الهرولة صارخاً «الأرض لنا»، منحازاً إلى الحقيقة. رحل البارحة الأولى من قص علينا مأساة حمدة وأخواتها، ومن حكى لنا حديث الهيل، وتفتحت له في كل قلب عربي «الياسمينة»، الشاعر الذي عبر عن الألم والمعاناة والأمل، محتفياً بالقابضين على الجمر، بعد أن اختار صف البسطاء والمهمشين. ولأنه كان يكتب من القلب وصلت أشعاره إلى القلب، فلم تكن مجرد كلمات أو نزوة شاعر، بل نغمة صدق، تتفق أو تختلف معها، ولكنها تعبر عن صاحبها باللغة العربية الفصحى أو بالشعر الشعبي، متميزاً بالإلقاء الجيد. ولد الفرا في عام 1949 في تدمر، وعمل بالتدريس لمدة 17 عاماً قبل أن يجرفه شيطان الشعر، فيتفرغ للكتابة الأدبية والشعرية، حاضراً بالقصيد في كل المناسبات القومية والاجتماعية. كتب عشرات القصائد، ولكن واحدة منها اقترنت به هي قصة حمدة التي تروي معاناة الفتاة العربية التي لا تستشار في زواجها وحياتها، فلا تملك سوى الموت ترد به على من قهرها واغتصبها باسم الزواج والتقاليد والأعراف. تصرخ حمدة في وجه من اختاره لها أهلها: «ما أريدك، ما أريدك حتى لو، تذبحني بيدك، ما أريدك، إِبن عمي ومثل أخويَ، ودم وريدي، من وريدك، أما خطبه، لا يا عيني، لاني نعجة، تشتريها، ولاني عبدة، من عبيدك». وأصدر الشاعر الراحل دواواين عدة من بينها حديث الهيل، الغريب، رجال الله، الأرض إلنا، كل ليلة، وكان الإحساس هو الذي يحدد له اللغة التي يكتب بها سواء كانت فصحى أو شعبية بدوية، معتمداً الصدق جواز مرور إلى وجدان البسطاء. سطع نجم الفرا في كل ملتقى أدبي، بقدرته الفائقة على الإلقاء، وكأنه يتنفس شعراً، وتميز ببساطة تعبيراته وقوتها وصراحتها وجرأتها فكأنه السهل الممتنع، قصائد تلامس برد السحاب وتتفتح لها ورود الخزامى في كل الشعاب. وردد الناس قصائده مثل عرار، الياسمينة، جول جمال، البندقية، عروس الجنوب، رسالة، مشنشلة، حدثتني عيناك، موعد في البادية، قصة امرأة، الغربة، الكوثر، خطار. ولكن قلبه في النهاية لم يتحمل معاناة وطن يتمزق فتوقف عن عمر يناهز 66 عاماً، ولا نملك سوى كلماته نرثيه بها .. أحس بقربك أنى اتجهت .. وأحمل حبك .. صبح مساء.. وأشعر أنك أنت الحياة وأنت الفناء وأنت البقاء .. لا نملك إلا أن نلوذ بالصمت .. وبعض الصمت إيماء.
#بلا_حدود