الاحد - 26 سبتمبر 2021
الاحد - 26 سبتمبر 2021

هتلر ولوبان وجهان لعملة واحدة (1)

بعدما حظي اليمين المتطرف في انتخابات الأقاليم الأخيرة في فرنسا بنسب تصويت تعد تاريخية بالنسبة له، لا بد لنا من أن نتذكر المثل القائل (من شابه أباه ....) الذي ينطبق تماماً على السيدة مارين لوبان، زعيمة التطرف اليميني وابنة جان ماري لوبان، مؤسس حزب الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة وقائده التاريخي. والمثل الشهير ينسحب فيما يبدو على العائلة كلها .. فلا ينطبق على الابنة وأبيها فقط بأفكارهما الهتلرية والعنصرية، ونازيتهما الجديدة، فهناك أيضاً ماريون ماريشال لوبان ابنة مارين والتي تعتبر جدها المعلم والمرشد الروحي لها .. ويراها كل أعضاء الحزب قيادية نشيطة، وستقود اليمين المتطرف يوماً ما إلى حيث يجب أن يكون. عائلة صادمة وبصرف النظر عن نتيجة الانتخابات الأخيرة التي تأثرت كثيراً بردة الفعل والغضب من الحكومة الاشتراكية بعد الهجوم الإرهابي الذي داهم باريس في الثالث عشر من نوفمبر المنصرم، فنحن في كل الأحوال أمام عائلة تحمل ما يكفي ويزيد من الآراء الصادمة البعيدة كل البعد عن قيم ومبادئ الجمهورية الفرنسية التي تقوم على الإخاء والمساواة والعدالة والتعددية، حتى إن السيد لوبان وحفيدته قد صرحا بعد أسبوع على هجمات أدمت باريس كلها، بأنه يجب «قطع رؤوس الإرهابيين» .. على الرغم من علمه أنه يتحدث مع شعب ألغت بلاده حكم الإعدام، واسترسل في مؤتمر صحافي قائلاً: «يجب تأكيد المبادئ الأساسية للدفاع المشروع عن النفس والأولوية الوطنية»، و«إلغاء الجنسية المزدوجة» .. وكذلك «إلغاء قانون الجنسية على أساس الولادة» و«طرد المهاجرين السريين». أما الثانية فأعلنت أنه: لا يمكن للمسلمين أن يكونوا بنفس «مرتبة» الكاثوليك في فرنسا. هذا بالطبع جزء يسير من كل، فغالبية الحملة العنصرية تقودها رئيسة الحزب المتطرف الحالية مارين لوبان بنفسها وهي لم تخجل يوماً من الإعلان عن كراهيتها لوجود مهاجرين على الأراضي الفرنسية، فهي من دفعت بعض عضوات الحزب لرفع لافتات مكتوب عليها «نرغب في فرنسا بيضاء البشرة .. لا مكان هنا لذوي البشرة السمراء» مجسدة بذلك مقولة والدها الشهيرة «فرنسا للفرنسيين». النشأة والأفكار بحسب بعض المحللين المعتدلين فإنه: يصعب معرفة إن كان إرهابيو 13 نوفمبر قد اختاروا بتعمد وعن دراسة تنفيذ الهجمات قبل أسابيع من انتخابات الأقاليم بهدف التأثير على استقرار الديمقراطية أم أن الأمر كان مصادفة .. لكن يمكن التأكيد هنا أن حزب «الجبهة الوطنية» بكل ما يحمله من أفكار منذ نشأته يبقى من دون أدنى شك الحزب الفرنسي الذي يمكن أن يروق لتنظيم «داعش» لكون الأول يعارض بشكل قطعي ضربات التحالف الدولي في سوريا. بشكل عام بدأ نجم اليمين المتطرف يبزغ في أوروبا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، ويكمن اختلافه عن أحزاب اليمين التقليدية التي تنصب أهدافها على حماية التقاليد والأعراف داخل المجتمع، أن اليمين المتطرف يدعو إلى التدخل القسري واستخدام العنف واستعمال السلاح لفرض التقاليد والقيم، لهذا لا عجب في أن أهدافه قد استمالت غالبية المنتمين إلى الفاشية والنازية في القارة الأوروبية، وعليه .. نجد التصنيفات تضعه مع النازيين في ألمانيا من جماعات الضغط اليميني المتطرف، وكذا الأمر في إيطاليا، حيث يعتبر الفاشيون من الأقطاب اليمينية. أما في فرنسا فقد نشأ حزب الجبهة الوطنية (اليمين المتطرف) في العام 1972 على يد مؤسسه جان ماري لوبان (المولود في عام 1928) وقد قاد الحزب منذ ذلك التاريخ وحتى عام 2011، حينما تسلمت ابنته رئاسة الحزب، وصار هو الرئيس الفخري فقط. ولوبان هو شخصية معقدة وتركيبة نفسية صعبة، كان رجلاً عسكرياً في حرب الجزائر، وخلالها فقد إحدى عينيه، وهذا هو سبب كراهيته الشديدة للمهاجرين، وخصوصاً القادمين من الجزائر وبلدان المغرب، وقد بلغ به حد التعبير عن هذه الكراهية حينما انتقد بسخرية المنتخب الفرنسي الفائز حينها بكأس العالم 1998 حيث قال: إنه من المخجل أن يمثل منتخب فرنسا أجانب مجنسون لا يحفظون المارسيلييز (النشيد الوطني الفرنسي)، وهو ما دفع الكثير حينها للرد عليه على صفحات الجرائد، فبعد فوز فرنسا في النهائي على البرازيل 3 ـ 0 بهدفين من الجزائري الأصل زين الدين زيدان والثالث من إيمانويل بوتي، علقت صحيفة ليكيب الفرنسية متهكمة: فازت فرنسا بكأس العالم وخسر لوبان بأفكاره الحاقدة. تصويت المهاجرين ولكن هذا لا يعني أن عنصرية الرجل كانت دائماً مهزومة، فنحن أمام رجل مؤمن بما يحمله من أفكار تلقى مع الوقت وبسبب ظروف كثيرة يمر بها العالم قبولاً من البعض، فقد انتخب نائباً في البرلمان الفرنسي عامي 1956، 1988. كما حقق سنة 2002 مفاجأة كبرى أذهلت غالبية الشعب الفرنسي بوصوله إلى دور الإعادة في الانتخابات الرئاسية أمام السيد جاك شيراك، وهو ما دفع كافة القوى السياسية الأخرى والجاليات المهاجرة للتدافع من أجل التصويت لصالح الأخير، مما نتج عنه فوزه، وقد اعترف شيراك فور ظهور النتيجة بفضل تصويت المهاجرين خصوصاً العرب والمسلمين بشكل عملي، حينما اصطحب زوجته بمجرد الإعلان عن فوزه للرقص في أحد ميادين باريس الشهيرة على إيقاعات الموسيقى الجزائرية والعربية التي كانت تنطلق في أرجاء الميدان حينها، ومنذ ذلك التاريخ واليمين المتطرف يسعى جاهداً للفوز بمقاعد في البرلمان، والحصول على نسب مشرفة في انتخابات الأقاليم (الجهوية) غير أنه لم يحظ بأي مؤشرات لتحقق حلمه إلا في السنوات الأخيرة، فكلما اخترق التشدد الفكري والديني شباب الجاليات المهاجرة .. اكتسب الحزب العنصري المزيد من المساحات على المشهد السياسي. صراع داخل الحزب في الوقت الذي بدأ فيه الرجل يتقدم في العمر ولم يعد قادراً على السيطرة على تصريحاته، كان نجم ابنته، مارين لوبان يسطع في سماء التعصب والتشدد، خصوصاً وأن ابنته كانت ترى حرجاً كبيراً في كل ما يقوله ويجهر به كمعاد للسامية مما كان يصيب الحزب في مقتل، لذا حاولت بمجرد تقلدها رئاسة الحزب في عام 2011، أن تبتعد تماماً عن كل ماضي والدها العنصري حول السامية ومعاداته لها، وعلى الرغم من هذا لم تفلح تماماً، فكل ما تفوه به جان لوبان بعد هذا التاريخ كان يحسب تلقائياً على الحزب ووضعه على اعتباره الرئيس الشرفي له. واستمر الوضع هكذا يمثل صراعاً خفياً في أروقة اليمين المتطرف ما بين رغبة الابنة في تلميع واجهة أفكارهم بحيث تنحصر عنصريتهم فقط على المهاجرين المسلمين، وبين أب تصريحاته حمقاء تسبق تفكيره بحكم تعصبه وكبر سنه، حتى شهر مايو من العام الجاري حينما، قرر حزب الجبهة الوطنية الفرنسي تعليق عضوية مؤسسه جان ماري لوبان بسبب سلسلة من التصريحات التحريضية التي تهدم ما تحاول رئيسة الحزب بناءه، وتم الإعلان حينها في بيان من أن الحزب سينظر في إمكانية سحب لقب الرئيس الشرفي الممنوح للوبان، وتلا ذلك قرار الحزب فعلياً خلال جلسة تأديبية عقدتها اللجنة التنفيذية برئاسة مارين ابنة لوبان بعدما كرر والدها رأياً أثار الآخرين ضده من قبل .. ومثل هذه التصريحات هي ما دفعت ابنته قبل جلسة التأديب للقول علانية خلال وسائل الإعلام خصوصاً اليميني منها: إن والدها يجب أن يتوقف عن التحدث باسم الجبهة الوطنية. وقد رفض لوبان المثول أمام اللجنة التأديبية وقال أثناء مغادرته مقر الحزب «لقد تبرؤوا مني»، مضيفاً «لم أتحدث مطلقاً باسم الجبهة الوطنية، إنني أتحدث بحرية، وهذا يثير الصدمة لدى بعض الناس الذين يمقتون الحقيقة. عزل المؤسس لكن جان ماري لوبان لم يغادر الحزب نهائياً إلا في شهر أغسطس 2015، في جلسة لم تحضرها ابنته هذه المرة، لكنها كانت قد أعلنت قبلها في مقابلة تلفزيونية أنها تريد إبعاد والدها نهائياً عن الساحة السياسية، وأن كل ما ترغب به هو ألا يكون حزب الجبهة الوطنية رهينة للاستفزازات التي أصبحت الآن متكررة من جانب والدها، وإن كانت في الوقت ذاته تعتقد أنه لن يتحمل فكرة استمرار الحزب دون وجوده زعيماً له. وصدر قرار عزل مؤسس الحزب نهائياً وانتصر الجميع لابنته التي تعمل منذ عام 2011 على محو صورة الحزب المعادي للسامية مع حرصها الشديد على بقاء سياسته المناوئة للهجرة، وربما بشكل أكبر، وها هي الأحداث تأتي على عكس ما تشتهيه السفن، لتدعم من أفكارها التي توصف من قبل القوى السياسية الأخرى بأنها من ألد أعداء المهاجرين والثقافات الإسلامية والشرق أوسطية. فكما ذكرنا من قبل يبدو أن الفكر الإسلامي المتطرف لا يستفيد منه سوى من يحمل فكراً موازياً له في الحماقة والكراهية والشعور بالتفوق، وبأنه يملك الحقيقة، وفي فرنسا نراه مجسداً اليوم في حزب حينما كان يحصل على سبعة في المئة من أصوات الناخبين كان يحتفل بهذه النسبة الهزيلة طوال العام. ولا يعني خروج ماري لوبان وسيطرة ابنته على مقاليد الأمور أنه قد ابتعد عن المشهد السياسي، فنحن أمام عائلة تعتبره العراب الدائم لفكرها خصوصاً حفيدته التي تحمل فكره وعقيدة والدتها، وإن كانت تتحدث وتتصرف بأسلوب أكثر عصرية ولباقة، وتفتخر دائماً بأنها الامتداد الدائم لجدها. الأب والبنت من جهة أخرى، ما زالت تصريحات المؤسس لوبان تتوالى، وإن كانت لم تعد تحسب على الحزب رسمياً .. ولكنها ستظل المعبر الأصدق لأفكاره. فقبل الهجوم الإرهابي كان قد صرح لصحيفة «ريفارول» اليمينية أنه لم يصف مطلقاً فيليب بيتان زعيم حكومة فرنسا إبان الحرب العالمية الثانية الذي تعاون مع ألمانيا النازية بأنه خائن، لكنه يؤكد على أن: رئيس الوزراء الحالي مانويل فالس مجرد مهاجر، إلى جانب سيل من التصريحات بعد استهداف باريس ذكرنا جزءاً منها من قبل. وإذا كنا قد تمكنا من الحديث بإيجاز عن حزب الجبهة الوطنية في فرنسا وكذا عن مؤسسه، فربما يصعب هذا تجاه الابنة التي تقود التطرف اليوم ليس في فرنسا وحدها، بل تعد واحدة من زعماء اليمين المتطرف في أوروبا كلها، حتى إنه قد توصلت إلى تشكيل تكتل يميني متطرف في البرلمان الأوروبي، يحمل اسم "أوروبا للأمم والحريات". إن لمارين مواقف وتصريحات تهاجم فيها المهاجرين والثقافة الإسلامية، ما يحتاج إلى مساحة مخصصة لها وحدها، وهو ما سنتحدث عنه باستفاضة في الحلقة المقبلة.
#بلا_حدود