الاثنين - 26 يوليو 2021
الاثنين - 26 يوليو 2021

العنف والمقدس .. رداً على القس كيفن أشندي

طبيعي أن يتزامن صعود الإرهاب مع اسم الإسلام، وأن يؤدي إلى صعود (الإسلاموفوبيا) والخوف من الإسلام من الجهة الأخرى، هذا ما حدث بعد أحداث 11 سبتمبر، أو غزوة مانهاتن الإرهابية العدمية سنة 2001، وهذا ما يحدث مع صحوة الإرهاب الجديدة، كما تمثلها (داعش) وأخواتها! أصولية تنتج الأصولية المضادة، وغلو ينتج غلواً مضاداً، بدأ من هنا أو بدأ من هناك .. وتضيق بهما مساحات تعايش الأديان والطوائف وحوارهما لصالح دعوات صراعهما الجديدة القديمة! نؤكد، ابتداء، أنه لا يصح تحميل المقدّس ذنوب التاريخ! ونحن هنا سنقرأ نموذجاً لذلك، ليس بهدف الانتصار الديني والسجال بين الأديان، ولكن إعادة اعتبار لمفهوم الحوار والاعتدال الذي يهمشه المتطرفون في الجانبين. مثالنا على (الإسلاموفوبيا الصاعدة) التقرير الذي نشرته مجلة (التايمز) البريطانية على موقعها الإلكتروني يوم 24 مارس الماضي، وكتبه القس الموقر كيفن أشندي، مكرراً بعد أن سبق مثله في (الديلي ميل) وفي محاضراته خلال الشهور الماضية، بمنهج اتهامي غير مدقق ولا منصف في مقارنته بين موقف الإسلام والمسيحية من العنف، وأنه بينما قال المسيح في الإنجيل «أحبوا أعداءكم»، يشجع القرآن على العنف، ولا يوجد ما يكبح الغضب في الإسلام، فقد انحرف منهجياً واختزل نصياً وتاريخياً الكثير مما يستوجب الرد العلمي قبل الرد الديني. في تدليله على وجهة نظره أن القرآن والنصوص الإسلامية أصل العنف؛ اعتمد القس كيفن أشندي على حجتين غير دقيقين أولهما: أنه بينما قال الإنجيل «أحبوا أعداءكم» كانت هناك مائة آية في القرآن تحث على العنف والقتال. وثانيهما، أن القرآن يحتوى تناقضاً في دعوته لاحترام أهل الكتاب ومقدساتهم، ويدعو في «آيات السيف» إلى العنف والانتقام. العنف ليس إسلامياً فقط، وليس مسيحياً فقط! العنف انحراف إنساني عرفته مختلف الأديان كما عرفته مختلف التجارب الإنسانية تجاه آخريها، بما فيها بعض نماذج العلمانية والديكتاتوريات الحديثة، والنازية، وتجربة فرانكو وبينوشيه نماذج وأمثلة ليست ببعيدة. كما أنه لا يصح منهجياً وعلمياً مقارنة القرآن بالإنجيل، أو الإسلام بالمسيحية من خلال آية واحدة موجودة هنا وليست موجودة هناك .. وبما أن الكاتب القس رجل دين موقر، فلعله يعلم أن المسافة والهوة شاسعة بين مفهومي الدين والفكر الديني، وبين الدين وأنماط التدين لدى كثير من المتحدثين باسمه والمنتمين إليه، فإذا جاز تحميل القرآن ذنوب (داعش) وغيرها قديماً وحديثاً، فسيجوز تحميل المسيحية والإنجيل ذنوب وجرائم فرسان المعبد، والبيوريتانيين، الذين أشرفوا على إبادة الهنود الحمر واستحلال دمائهم ما لم يتحولوا للمسيحية، وستتحمل المسيحية والإنجيل ذنوب جاليليو وكوبرنيكوس ومايكل سرفتوس! أو نحاسبهم على محاكم التفتيش، أو ما كتبه موريس بوكاي في نقد المسيحية، أو كتبه جارودي وغيره عن نقد المسيحية، أو ما قام به القسس والباباوات قبل الثورة الفرنسية وأنتج عصر الأنوار والنهضة فيما بعد، والثورة على الكهنوت والاستبداد باسمه معاً، لا .. لا يقبل المنهج العلمي ذلك كما لا يقبله الضمير الديني الذي يعرف المسيح ويؤمن به، كما يعرف محمداً ويؤمن به. لا يصح وصف القرآن بأنه كتاب عنف لمجرد أن «الإنجيل» يقول «أحبوا أعداءكم»، ولم يقلها القرآن كما ذكر كاتب تقرير (التايمز)، ولو انتبه لوجد كثيراً من النصوص توازي القول الإنجيلي «أحبوا أعداءكم»، من قبيل «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»، ومن قبيل «وجادلهم بالتي هي أحسن»، وقوله تعالى «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين» ( الممتحنة ـ آية 8) و .. و .. و.. وعشرات الآيات يمكن أن نسردها هنا! كما أن الإنجيل كما القرآن ـ بوصفها مقدساً كينونته وهويته لا تكون إلا بتصور المدنس المضاد ـ احتوى كل منهما على آيات يمكن أن يستخدمها كل متحيز للدلالة على عنف الآخر، وفي الإنجيل يمكن مراجعة (الآية 19) مثلاً من (إنجيل لوقا) التي تقول « أَمَّا أَعْدَائِي، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي»، أو ما ذكره (سفر حزقيال) في الآية 9 عن قتل النساء والأطفال للمعارضين «اعبروا وراءهم» .. وكيف يفسر لنا القس سبعين عاماً من الحروب الدينية في أوروبا، وغيرها من الأسئلة التي نعلم أنه سيتجاوزها! أو يختزل إجابتها.. اعلم ـ أيها القس ـ أننا قد تجاوزنا عصر الحروب الدينية التي يريد المتطرفون في الجانبين إحياءها! تجاوزناها لأنها التاريخ وليست المقدس! إنها صراع الحق واحتكار الحقيقة الدينية وتدنيس الباطل المضاد، ودخلنا بفضل العلم والحداثة في نسبية الحقيقة وفي معقولية التنوع، ولجنا ولن نعود عصر النهضة والأوطان والمواطنات. وألقيت بكرة النار في ملعب خصمك فقط، دون أن تدرك أنها يمكن أن ترد عليك... [email protected]
#بلا_حدود