الثلاثاء - 23 أبريل 2024
الثلاثاء - 23 أبريل 2024

تحليل | الاقتصاد سلاح أوروبا المتاح لدعم أمريكا في مواجهة الصين

تحليل | الاقتصاد سلاح أوروبا المتاح لدعم أمريكا في مواجهة الصين

في الوقت الذي تحاول فيه الدول الأوروبية تجاوز تداعيات الحرب الروسية ضد أوكرانيا، طالبتها واشنطن بالاستعداد لكارثة اقتصادية يمكن أن يسببها أي غزو صيني محتمل لتايوان. وأشار الدبلوماسيون الأمريكيون في محادثاتهم مع نظرائهم الأوروبيين إلى أن الاقتصاد العالمي سيخسر نحو 2.5 تريليون دولار سنوياً إذا فرضت الصين حصاراً على جزيرة تايوان، في حين أن غزو تايوان بالكامل سيؤدي إلى المزيد من الكوارث التجارية للعالم.

ويقول المحلل الاستراتيجي الأمريكي هال براندز في تحليل نشرته وكالة بلومبيرغ للأنباء إن الأمريكيين يستخدمون أساليب تخويف مقصودة بسبب رغبتهم في ضم حلفائهم الأوروبيين إلى جهود ردع أي هجوم صيني محتمل على تايوان، وأضاف براندز أنه زار العاصمة البريطانية لندن خلال الأسبوع الماضي، في إطار سلسلة لقاءات ومناقشات يجريها مع المحللين والمسؤولين على جانبي المحيط الأطلسي، حيث تأكد من أنه سيكون للحلفاء الأوروبيين دور كبير في أي صراع في تايوان، لكن لم يتضح حتى الآن كيف يمكن لأوروبا الموجودة على أحد طرفي إقليم أوراسيا، أن تساعد في ردع أو كسب حرب ستدور على الطرف الآخر.

محاور أوروبية جزئية في آسيا

من الطبيعي أن تطلب الولايات المتحدة دعم أوروبا، فحلف شمال الأطلسي «ناتو» يضم الولايات المتحدة والكتلة الرئيسية من أوروبا، والاتحاد الأوروبي هو ثالث أكبر اقتصاد في العالم. ولكن يظل البعد الجغرافي الذي يفصل بين أوروبا ومنطقة الصراع في مضيق تايوان مشكلة. في الوقت نفسه كتب الصحفي الفرنسي سيلفي كوفمان «الموت من اجل تايوان؟ الأوروبيون لم يوافقوا على ذلك».

ورغم ذلك هناك إدراك متزايد بأن أوروبا لا تستطيع تجاهل أي صراع في مضيق تايوان، فالحرب الأوكرانية أثبتت أن الحرب في أي منطقة، يمكن أن تهدد استقرار وازدهار النظام العالمي ككل، كما أن القدرات العسكرية والاقتصادية المتنامية للصين وتحركاتها الصارمة أثارت المخاوف من أن تحاول إدخال تغييرات جذرية على النظام الدولي الحالي الذي ازدهرت أوروبا من خلاله.

في الوقت نفسه فإنه إذا كان الناتو تحالفا للدول الديمقراطية، فإنه لا يستطيع بسهولة تجاهل عملية غزو لدولة ديمقراطية أخرى، إن لم يكن مستعداً لمساعدة الولايات المتحدة في التعامل مع أحد أخطر التحديات لأمنها، ثم ربما ستكون الولايات المتحدة أقل رغبة في الاستثمار في القدرات الأوروبية في المستقبل إذا لم تقف أوروبا إلى جانبها في الأزمة التايوانية بحسب براندز الباحث المقيم في معهد «المشروع الأمريكي» والحاصل على الدكتوراه في التاريخ من جامعة ييل الأمريكية.

ونتيجة لذلك، بدأت الدول الأوروبية تقيم محاورها الجزئية الخاصة بها في آسيا. وفي العام الماضي أقر الاتحاد الأوروبي استراتيجية واعدة «لتحسين ونشر القدرات البحرية» في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ. والآن أعلن الناتو الصين تحدياً استراتيجياً له.

محدودية القدرة الأوروبية على الرد

كما حسنت الدول الأقوى تسليحاً غير الولايات المتحدة في الناتو ومنها بريطانيا وفرنسا وكندا وهولندا وألمانيا، أنشطتها في مجال المحيط الهادئ. وكجزء من استراتيجية «بريطانيا العالمية» بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، نشرت بريطانيا مجموعة حاملة طائرات في المحيط الهادئ، وعمقت علاقاتها العسكرية مع اليابان وغيرها من الشركاء الإقليميين، كما تسعى لندن لجعل نفسها أكثر محورية في أمن منطقة آسيا والمحيط الهادئ من خلال تحالف «أوكوس» مع الولايات المتحدة وأستراليا.

وبالفعل انخرطت بريطانيا والولايات المتحدة في إعداد خطة طوارئ للتعامل مع أي أزمة عسكرية في تايوان. كما أكد المسؤولون الأمريكيون بدء مناقشات مع الاتحاد الأوروبي حول الرد الاقتصادي المحتمل على مثل هذه الأزمة، وقال قائد البحرية الفرنسية في أغسطس الماضي «نستطيع الانتصار على البحرية الصينية إذا خضنا الحرب معاً في التحالف».

ولا يعني هذا أن الموقف الأوروبي بشأن الملف التايواني واضح تماماً. فموقف ألمانيا من الصين ملتبس. فالإجابة على السؤال المتعلق بما إذا كانت ألمانيا تسعى لتوسيع أو تقليص علاقاتها التجارية مع الصين ستختلف باختلاف الوزير الذي يتحدث.

وإذا كانت الحرب الأوكرانية قد أظهرت الحساسية الأوروبية لأي عمل عدائي في غرب المحيط الهادي، فإنها أظهرت أيضاً، محدودية قدرتها على الرد. وحتى مع زيادة الإنفاق العسكري، ستظل قوات الكثير من الدول الأوروبية غير قادرة على العمل بفاعلية بعيداً عن أراضيها.

سد ثغرات في مناطق أخرى من العالم

لذلك تأمل واشنطن أن تكون المساهمة الأوروبية الكبرى في الصراع مع الصين اقتصادياً: وتتمثل في المشاركة في القيود على الصادرات والعقوبات التجارية والمالية، وحظر الاستثمارات لتقويض إزدهار الصين إحتى لو استولت على تايوان، ولكي ينجح هذا النهج في ردع الصين عن غزو تايوان، فإنه يجب تطويره بشكل كامل، والإعلان عنه بوضوح وبشكل مسبق، وهو ما يمكن أن يكون صعباً. بحسب مسؤولين أمريكيين وبريطانيين.

وعلى الصعيد العسكري يمكن لأوروبا تقديم المساعدة، من خلال تقديم قدرات متخصصة وسد ثغرات في مناطق أخرى من العالم، كما يمكن لفرنسا وبريطانيا وهولندا وألمانيا تقديم المساعدة في مجال الحرب السيبرانية، من خلال مساعدة تايوان في الدفاع عن أنظمتها وتحديد نقاط الضعف في أنظمة الصين الإلكترونية، كما يمكن للدول الأوروبية المساهمة بالأقمار الاصطناعية وغيرها من أدوات التخابر في جهود التحالف المناهض للصين. كما يمكن للدول الأوروبية تزويد الولايات المتحدة باحتياجاتها من الذخائر، وربما عرض قدراتها في مجال الهجمات طويلة المدى مثل الصواريخ التي يمكن إطلاقها عبر البحار.

ويرى براندز أنه رغم أن أياً من هذه الإجراءات ليست سهلة، فإن الرسالة التي حملها الدبلوماسيون الأمريكيون إلى أوروبا الآن هي أن كلفة الفشل في منع الحرب، يمكن أن تجبر على خوضها ولكن بثمن أفدح.