الاحد - 01 أغسطس 2021
الاحد - 01 أغسطس 2021

على عتبة أحلامهم .. طلاب في مشاعر متضاربة

سنة أولى جامعة .. هي ليست ككل السنوات، تحمل طزاجة البدايات من فرح وترقب، نكبر فيها وننضج، البعض يرى أن الجامعة تاج على رؤوس الطلاب لا يراه سوى تلاميذ المدارس، فيما يراها آخرون مجرد مزيد من حرية صنع القرار الشخصي، بما في ذلك خيارات الطلة والمظهر بعد توديع «الزي المدرسي». سنة أولى جامعة هي أن تكبر فجأة وتتحمل قدراً أكبر من المسؤولية بعد أن تراءى لك مستقبلك أو كاد، هي الاختلاط والدهشة الممزوجة بالفرحة والقلق. الجامعة هي الانفتاح على عالم آخر والانعتاق من أسر المناهج الدراسية، الانتقال إلى ساحة أرحب في التفكير والرؤية والخيال والتطلعات، هي المنعطف ونقطة الانطلاق والمحك للتميز والإبداع وإثبات الشخصية وتحمل المسؤولية. وما بين قلق وترقب وأمل وطموح يستقبل الطلاب الجدد سنة أولى جامعة، التي تعتبر بداية مرحلة متخمة بالكثير من الهواجس والمخاوف، لكنها تحمل في جعبتها الكثير من السعادة والطموحات والأحلام بمستقبل مستدام. البعض ينظر إلى سنة أولى جامعة على أنها نقطة تحول في حياته، فيما يراها آخرون نقطة انطلاق وحرية قد تتحول إلى شقاوة في بعض الأحيان، وفي الوقت نفسه يعدها آخرون فرصة مثالية للتميز والإبداع وإثبات الشخصية. ولأن سنة أولى جامعة مرحلة مفصلية من العمر الدراسي، حيث تشهد تشكيل شخصية الشاب وأفكاره وهواياته، انضم طلبة إلى دورات تدريبية عبر «لايف كوتشنغ» تقدم لهم التهيئة النفسية لهذه المرحلة وتعرفهم إلى الخطوات الذهبية لبدء عام جامعي مفعم بالنشاط والحماس والتميز. وفي الوقت الذي يستقبل فيه طلبة الجامعة بدورات تأهيلية يستقبلها آخرون بسخرية، وبين هذا وذاك يحفر اليوم الأول في الجامعة أخدوداً في ذكرياتنا مثل بدايات كل شيء. «الرؤية» في هذا التحقيق، تغوص مع شرائح مختلفة من طلاب الجامعة، في العديد من جامعات الدولة لتصل إلى لسان حالهم في أول يوم من «سنة أولى جامعة» الذي يعيش الآلاف من أبنائنا تفاصيله اليوم. التسلح بالتنمية البشرية تسلح الطالب في كلية العمارة في الجامعة الأمريكية يوسف أشرف بالقراءة المتعمقة في علوم التنمية البشرية المتخصصة لعيون سنة أولى جامعة، وذلك حتى يضمن المرور من عنق الزجاجة والانطلاق في عالم جديد يختلف كلياً عن المرحلة السابقة من حياته. ويؤمن يوسف بأن المعرفة النظرية التي استقاها من الكتب هي التي ساندته في تقليل مشاعر الخوف من الحياة الجامعية الواسعة جداً مقارنة بالمدرسة، مشيراً إلى أنه سيتغلب على هذه المشاعر عبر الانخراط في مختلف الأنشطة الطلابية والانفتاح على ثقافات الطلبة المنتسبين إلى كليته. مشاعر متضاربة على الرغم من أن جانا زكريا الطالبة في كلية التصميم في أمريكية الشارقة احتفظت بجزء كبير من ذاكرة الدراسة الثانوية والمتمثل في عدد من الصديقات اللاتي التحقن معها في الكلية نفسها، إلا أن مشاعر متضاربة بين الخوف والترقب تتملكها نظراً لطبيعة المجتمع الجامعي الجديد المختلف تماماً عن المدرسة. وتساور جانا العديد من التساؤلات الممزوجة بالخوف من طبيعة البيئة الجامعية، لكنها تؤمن بأن ما تعانيه من مشاعر مختلطة هي طبيعية مرتبطة بطبيعة المرحلة وأهميتها ودورها في تشكيل مستقبل حياتها فيما بعد. عنق الزجاجة على الرغم من سعادة رانيا شهزاد بمفارقة مرحلة الثانوية العامة التي كانت بالنسبة لها عنق الزجاجة، وسبباً في وقوعها تحت ضغط شديد، فإنها ستستقبل المرحلة الجديدة بحذر شديد كونها نقطة تحول كبيرة في مسارها الحياتي. وتتوقع رانيا أن مشاركتها في مختلف الأنشطة الطلابية التي تقدمها الجامعة ستعينها على تجاوز هذا القلق، وتؤكد أنها كانت تنتظر السنة الأولى لها في الجامعة بشغف كبير حيث الانطلاق إلى عالم أرحب. معتقدات خاطئة فيما لا تتخيل زينة أحمد أن تكون وحيدة وبعيدة عن صديقاتها في المدرسة إذ تحرص على التواصل معهم بشكل متواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة. وأكدت أنها لا تعتقد بصدق المعتقدات المتداولة عن الحياة الجامعية والتي تروج أنها المرحلة الأصعب، مشيرة إلى أنها مرحلة تتطلب التسلح بالثقة بالنفس التي تبعد عنها قليلاً القلق، مبدية حماسها بهذه المرحلة المفصلية في حياتها التي ستكسبها خبرات حياتية وتعليمية جديدة تماماً. نقطة تحول قررت الطالبة منار علي محمد (19 عاماً) دراسة علم النفس في كلية الإعلام والعلوم الإنسانية ـ جامعة عجمان، لتحقيق شغفها في هذا المجال. وتقول: «لم أتوقع أن تكون بدايتي الجامعية بهذه البساطة والسلاسة، مقارنة بالضغط الذي عشته في الأشهر الماضية» واعتبرت سنة أولى جامعة نقطة تحول في حياتها، ناصحة زملاءها ببدء هذه المرحلة بروح يملؤها التفاؤل والسعادة والإيجابية بعيداً عن التوتر، إلى جانب احترام لوائح وأنظمة الحرم الجامعي والكادر الأكاديمي. وتتطلع منار إلى اكتشاف ذاتها وقدراتها خلال العام الأول، وتابعت «يُقال إن السنة الأولى هي أجمل سنوات المرحلة الجامعية، وأرى أنها ستسهم في استكشاف شخصيتي وتساعدني على تنمية هواياتي، إضافة إلى اكتساب مهارات حياتية عامة». مشوار الألف ميل «بمجرد وجودي في الجامعة للقيام بإجراءات التسجيل، شعرت بأنني شخص ناضج، له قيمة في المجتمع، يحظى بالاحترام أينما وجد»، بهذه الجملة عبّر الطالب محمد أحمد جبري (17 عاماً) عن سعادته بسنة أولى جامعة. ويؤمن محمد، الذي اختار تخصص التسويق في كلية المدينة الجامعية بعجمان، بمقولة «مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة»، إذ يشكل العام الدراسي الجديد أولى خطواته في مشواره الأكاديمي، الذي تمنى أن يكون حافلاً بالإنجازات والنجاحات. صفحة جديدة بينما أعربت الطالبة أمل سيف الدهماني (17 عاماً)، عن سعادتها للتخلص من الحقيبة المدرسية، وتخصصت في العلوم البيطرية ضمن كليات التقنية العليا في الشارقة. وتابعت: «السنة الجامعية الأولى كتاب جديد، فتح لنا صفحات جديدة في الحياة، خصوصاً أنني أصبحت أمتلك حرية شخصية في ارتداء ما أريد بعيداً عن الزي المدرسي». وتطمح الدهماني مستقبلاً إلى امتلاك براءة اختراع مبتكر في مجال العناية بالحيوان، إضافة إلى امتلاك صالون وعيادة للعناية بالحيوانات الأليفة. ولكن الدهماني أبدت تخوفها من التركيز أثناء المحاضرات، حيث إنها اعتادت على وجود كتب تتضمن كل المحتوى، إلا أنها الآن يجب أن تدون المعلومات بنفسها أثناء المحاضرة. التحلي بالبساطة تعتزم رباب يوسف إبراهيم (17 عاماً) بدء عامها الدراسي الأول بحماس وسعادة ورغبتها في التحلي ببساطة المظهر بعيداً عن المبالغة. وتقول: «أطمح إلى أن أكون أحد الأشخاص الذين يقومون بإعداد إستراتيجية مئوية الإمارات 2071 في العيش على المريخ، واستخدام مصادر نظيفة وصديقة للبيئة، وغيرها من التوجهات التي تسعى إليها الدولة». ولإيمانها بأهمية دراسة علوم الأرض واحتياجات سوق العمل، تخصصت رباب في دراسة علوم الأرض البترولية والاستشعار عن بعد ـ جامعة الشارقة. كما تستعد لتكوين صداقات جديدة، انطلاقاً من التحاقها بجامعة تبعد عن المنطقة التي ترعرت فيها، إذ تفرقت زميلات المدرسة بين الجامعات داخل وخارج الدولة. ثقة بالنفس أما الطالبة شما أحمد عبدالصمد (17 عاماً) فأبدت إعجابها بأساليب التدريس التي تعتمد على التقنيات الحديثة، خصوصاً الكتب الإلكترونية، ما دفعها إلى الالتحاق بكلية الهندسة في كليات التقنية العليا بالشارقة. وحول الأسلوب المتبع من الكادر التدريسي، قالت: «أحببت طريقة تعامل الأساتذة الأكاديميين مع الطلبة الجدد، ومنحونا قدراً عالياً من الثقة بالنفس، كما يتعاملون معنا بوعي ونضج أكبر مما عهدناه في المدرسة». ولكن شما متخوفة من قدرتها على تجاوز اختبارات السنة التأسيسية الأولى في الجامعة، فهي مصيرية لتحدد المسار التخصصي. تهيئة بـ«لايف كوتشنغ» واكب خبراء تنمية بشرية موسم العودة للجامعات بطرح دورات تدريبية عبر «لايف كوتشنج» حول «الاستعداد النفسي للجامعات»، وعلى الرغم من غرائبية الفكرة فإن الكثيرين انضموا إلى هذه البرامج بهدف التعرف إلى الخطوات الذهبية لبدء عام جامعي مفعم بالنشاط والحماس والتميز. وأفادت مديرة مركز الإبداع للتنمية البشرية منيرة عبدالله بأن هذه المرحلة وما يكتنفها من قلق دفعت البعض إلى إطلاق برامج تأهيلية تساعد المستجدين إلى الانتقال بسلاسة من المرحلة المدرسية إلى التعليم الجامعي. ونوهت بأن خبرة «لايف كوتشنغ» دلفت في كل مجال حتى طالت طلاب الجامعة لمساعدتهم على تجاوز تحديات المرحلة الأولية التي تتطلب استعداداً أكبر لتقبل فكرة الاستقلالية بحسب رأيها. وتستهدف هذه الدورات تأهيل الطلبة نفسياً وإكسابهم مهارات الثقة بالنفس وغيرها من محاور تتصل بتطوير الذات لتحقيق الطموح الأكاديمي، بحسب عبدالله. وتعالج هذه الدورات وفقاً لمديرة مركز الإبداع، التحديات التي يواجهها المستجدون مثل تعريف الطالب بأن الحرية الممنوحة له في الجامعة هي مسؤولية في المقام الأول ولا تعني إهمال حضور المحاضرات بل تتطلب المتابعة والاستذكار وعدم التغيب. اكتئاب السفر والطلبة المبتعثون اضطرابات وصدمات نفسية يعيشها المبتعثون إلى الخارج في سنة أولى جامعة، فعلى الرغم أن هناك تصورات وردية كثيرة تدور حول حياتهم، فإن الواقع يختلف تماماً، حيث يتعرضون لضغوط نفسية كبيرة نتيجة الابتعاد عن الأهل والوطن والعيش في كنف ثقافات مختلفة. ويصيب اكتئاب السفر نحو 6 % من الطلبة المبتعثين إلى الخارج وتحديداً الشخصيات الاجتماعية أو الاتكالية التي تعتمد على الآخرين في تنفيذ المهام، بحسب الاستشاري النفسي الدكتور عبدالعزيز عساف. وتصيب الطلبة المبتعثين إلى الخارج اضطرابات نفسية لعدم قدرتهم على التأقلم مع البيئة المحيطة نتيجة اختلافها أو بسبب صعوبة الانسجام مع ثقافة المجتمع الجديد وفقدان الأجواء الأسرية الدافئة والأصدقاء، بحسب عساف. وأشار إلى أنه ينجم عن ذلك الشعور بالحنين الذي يتطور إلى أن يصل إلى مرحلة الاكتئاب، ما قد يؤثر في قدرة المبتعث على إكمال دراسته. وعرّف العساف اكتئاب الابتعاث بأنه الشعور بالحنين الذي يتخذ شكلاً مختلفاً عن الحزن، إذ يفتقد المصاب به الشعور بأي متعة خلال ممارسة الأنشطة الحياتية المعتادة، ويعرف باسم «هوم سيكنس»، وقد تؤدي مراحله المتقدمة إلى الانهيار العصبي أو التوقف عن الدراسة بالنسبة للطلبة المبتعثين وانعزالهم. وتتعدد أعراض اكتئاب الابتعاث، بحسب العساف، الذي ذكر منها الشعور بالأرق والتوتر والتفكير السوداوي وفقدان الشهية ونقصان الوزن وظهور صبغيات على الجلد، وتختلف حدة الاكتئاب باختلاف الفئات العمرية والجينات الوراثية التي تتحكم في ظهور أعراضه. عزلة الجامعات يتطلب الانتقال من مرحلة دراسية إلى أخرى استعداداً نفسياً، إذ يحتاج الطالب إلى توجيه وإرشاد يدعوه إلى معرفة كيفية تلمس الطريق، لا سيما إذا كان أول عام جامعي. ويصاب المستجدون الجدد، وتحديداً الفئة العمرية من المتخرجين في مدارس أجنبية في عمر 17 عاماً بحالة من القلق الذي قد يؤدي، بحسب الاختصاصية النفسية عزة أبو العلا، إلى العزلة ورفض الآخرين رويداً رويداً، لكنها تشير إلى أن تلك الحالة تختفي وتتلاشى بعد أن يتعود الطالب على الحياة الجامعية التي سيفضلها كثيراً إثر انخراطه في النشاطات التعليمية. وطالبت أبو العلا الوالدين بالوقوف مع أبنائهم وتوجيههم إلى الفروقات الرئيسة بين المدرسة والجامعة التي تتطلب قدراً كبيراً من التحرر وامتلاك قدرات خاصة تواكب العصر حتى يكونوا على درجة عالية من الوعي والتوافق المجتمعي. شقشقات تويترية ساخرة ولأن مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة باتت الرفيق الدائم لكل الطلبة في المراحل السنية كافة، حيث ينشرون عبرها أحلامهم وطموحاتهم، تارة بطريقة جادة وتارات أخرى بطريقة لا تخلو من السخرية، وهو ما فعله طلبة على تويتر، حيث دشنوا وسوماً عدة منها #سنة_أولى_جامعة و#العودة_إلى_الجامعات. وفي الوقت الذي أعلنت فيه الجامعات بدء تسجيل الطلبة وقبولهم بدأت شقشقات تويتر تسخر وتعلق، ناصحة الطلاب الجدد المقبلين على دخول الجامعة عبر وسم #سنة_أولى_جامعة. وسخرت تعليقات المغردين من بعض تصرفات طلاب السنة الأولى، والذين يذهبون إلى الجامعة حاملين في ذاكرتهم بعض مشاهد من أفلام تناولت هذا اليوم مثل فيلم «الباشا تلميذ»، فيما نصح مدونون آخرون الشابات بالابتعاد عن المكياج الصارخ وارتداء الأحذية ذات الكعب المرتفع. هوس الماركات واختبأ طلبة خلف أحدث خطوط الموضة من الأزياء والحقائب التي تحمل علامات تجارية عالمية، ظناً منهم أن ذلك سيساعدهم على التغلب على مخاوف القلق التي تعتريهم من سنة أولى جامعة، وسيسهم في الإسراع من عملية اندماجهم مع الطلبة الآخرين. وتنتشر في الجامعات فئة «الفان بويز أند غيرلز» وهم المعجبون إلى حد الهوس بعلامة تجارية محددة، الأمر الذي يدفعهم لشرائها والتشبث بها إلى حد استخدامها في الحقائب وأغلفة دفاتر الجامعات والملابس. خيارات إبداعية وتطور الأمر، بحسب رأي حصة راشد الطالبة الجامعية، إلى توظيف اسم ماركة عالمية مثل «شانيل» في أغلفة الدفاتر الجامعية، كما دفع البعض شغفهم وهوسهم باقتناء كل ما له علاقة بهذه الماركة في كل مفردات حياتهم. واعتبرت الجامعة منصة مهمة للتعرف إلى الثقافات والأنماط الفكرية المختلفة، مشيرة إلى أن عدم التقيد بالزي الموحد مثل المدرسة أسهم في توسيع خيارات الطلبة الإبداعية في الملابس، وهو الأمر الذي عزز الرغبة داخل الطلبة اتجاه الجامعة التي تعد ملتقى تعليمياً يعزز الشغف بعيداً عن أي قيود تعليمية.
#بلا_حدود