الثلاثاء - 03 أغسطس 2021
الثلاثاء - 03 أغسطس 2021

الدبلوماسية القطرية .. الكومبارس الذي لم يتقن دوره

تخفت قطر بدور الوسيط الدبلوماسي بحجة احتضان «التغيير» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولعبت دورا أساسياً في بدء الاحتجاجات المحمومة في العالم العربي، شعرت قطر أن بإمكانها اللعب بمقدرات الدول العربية كما تشاء وغررت بها نشوتها في قدرتها على إسقاط أنظمة عربية استمرت لعقود، ثم اختيار وتشكيل الحكومات التي ستديرها قطر كما حدث في تنصيبها الإخوان في سدة الحكم في مصر. ما أثار استغراب الجوار العربي كان الغياب شبه التام لأي نوع من المطالب السياسية في الثورات ووحدة الشعار لجميع الحركات الاحتجاجية على اختلاف الدول وهو «الشعب يريد إسقاط النظام»، من دون أي تصور لبدائل تذكر فالهدف لم يكن تحسين أداء الحكومات وإصلاح أوضاع شعوبها بل استبدالها بأنظمة أخرى، إضافة للدفاع القطري المستميت لهذه الاحتجاجات ورفض الدوحة التشكيك في نواياها طول القمم العربية التي تولت رئاستها وتهديدها غير المعلن لأي معارض لقراراتها. فشل المخطط القطري في مصر وعودة الاستقرار النسبي في المنطقة أزعج القيادة القطرية المتمثلة في أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني، ورئيس وزرائه آنذاك حمد بن جاسم آل ثاني، فبدأت تسن سهامها ضد أشقائها الخليجيين في قناتها المتكسبة من افتعال التوترات، وصاحب هجمتها الموتورة دعماً مباشراً من قوى الإسلام السياسي المأجورة التي أسبغت على سُعار الجزيرة ونيات القيادة القطرية صبغة الدعوة لنصرة الإسلام والمستضعفين، والحقيقة أن قطر والجزيرة أسهمتا بشكل أساسي في تشويه صورة الإسلام إلى مستويات غير مسبوقة بعد تقديمهما المتطرفين ممثلين للإسلام ومتحدثين باسم الشعوب المسلمة. زعم الوساطة في سبتمبر 2007 أخبرت قطر الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن «الأوساط الكبرى في العالم أصبحت لا يمكن للأمم المتحدة أن تتعامل معها جميعاً وعليها أن تثق بلاعبين دوليين يتولون الوساطة الدبلوماسية»، وزعمت قطر أنها قادرة على لعب دور أكبر لعودة الاستقرار بعد ظهور بوادر صراعات طائفية في العراق والتوتر في غزة ثم الحرب اللبنانية 2008، وسرعان ما تحولت المزايا التي قدمتها قطر إلى نقاط ضعف قوضت مشروعها التوسعي بسبب سوء التوافق بين النيات القطرية الحقيقة وجهود الوساطة المزعومة، وافتقارها إلى هيئة دبلوماسية مهنية تترجم قدرتها على الانخراط في المجتمع الدولي باعتبارها وسيطاً موثوقاً ومؤثراً لديه التزام تام بالاتفاقات الدبلوماسية. دور الوسيط القطري تحول إلى وبال على المنطقة، وبدل القضاء على التوترات ارتفع صوت الجماعات الإرهابية التي تدعمها قطر ثم دخول المنطقة العربية في منعطف «الربيع العربي» وثوراته المفتعلة. في ليبيا، ومنذ بداية الحركات الاحتجاجية ضد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، كانت قطر المحور الأساسي في حشد المجتمع الدولي للعمل على إسقاطه، إذ دبر حمد بن جاسم تعليق مشاركة ليبيا من جامعة الدول العربية، تلت ذلك مساعدات مالية قطرية قضت على نظامه، ثم سعى رئيس الوزراء القطري حينها إلى جمع تحالف فرنسي بريطاني بدعم الأمم المتحدة للتدخل العسكري في ليبيا، وسرعان ما أعلنت قطر مشاركة قواتها في العمل العسكري الفرنسي البريطاني. ولإسقاط الشكوك الإقليمية، زعمت الدوحة أن القوات القطرية تمثل المشاركة العربية، لكن المستغرب هو رفض قطر لأي تمثيل عربي آخر سواها في تلك القوات بل إنها قوضت أي مساعٍ لتعزيز الدور العربي وكرست خطاباتها في الأمم المتحدة بحجج حماية حقوق الإنسان والتعبير الديمقراطي لكسب تجاوب المجتمع الدولي. وعملت قطر وبسرعة كبيرة مع شركائها من تنظيم جماعة الإخوان الإرهابية ومناصريه على تنصيب مجلس انتقالي بصرف النظر عن تمثيله للمجتمع الليبي وافتتحت الدوحة فضائية ليبية تتخذ من قطر مقراً لها لدعم القيادات التي تدعمها كرئيس المجلس الانتقالي محمود جبريل الذي كان مقره الدوحة طوال الثورة الليبية، الذي عمل لاحقاً «وسيطاً» هو الآخر من معقل المتمردين في بنغازي. أشكال التورط القطري في ليبيا شملت أكثر من 400 مليون دولار للمتطرفين والقيادات التي تدعمها قطرعلى شكل «مساعدات» مالية «للشعب الليبي»، وأسهمت في بيع وتسويق النفط من الموانئ الشرقية تحت سيطرة المتمردين، وباتت لها صلات وثيقة مع قادة الميليشيات الرئيسين وأهمهم عبد الحكيم بلحاج، كان بلحاج قائداً للجماعات المتوافقة مع جماعة الإخوان الإرهابية أيديولوجياً، وكذلك شقيقه الذي عاش في المنفى القطري قبل ثورة 2011 وتحول بعدها إلى واحد من أكبر القيادات المتطرفة في ليبيا. سياسة قطر في محاولة اختيار القادة الجدد للدول التي شهدت ما يسمى بـ «الربيع العربي» جعلتها تخفق مجدداً في ترجمة مكاسبها قصيرة الأمد، وترجم ذلك في انتخابات الجمعية التأسيسية في ليبيا في يوليو 2012 عندما فشل بلحاج «العميل القطري» في الفوز في دائرته في طرابلس ولو بمقعد واحد ومع تراجع الثقة الدولية بـ «الوساطة القطرية» وكشف ألاعيبها إقليماً، ومن ثم أخذت قطر تبتز المجتمع الدولي بميليشيات ممولة منها لتقوض أي جهود ممكنة لحل الملفات في ليبيا ما لم تمر على الطاولة القطرية.
#بلا_حدود