الأربعاء - 29 يناير 2020
الأربعاء - 29 يناير 2020
No Image

شباب عراقيون في مستنقع الإلحاد

قليلون في العراق يجاهرون بأفكارهم الإلحادية، أو يعلنون عن أنفسهم باعتبارهم (ملحدين)، لكن غالبيتهم يعلنون ذلك من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وبأسماء وهمية، لكي لا تندرج تحت مسمى (منظمة الملحدين العراقيين) والتي لها صفحة على الفيسبوك، خالية من الأسماء أو التعريف بنفسها، بل لم تنشر أي طروحات فكرية أو فلسفية عن الإلحاد.

بعضهم التقيناه في بغداد، في شارع المتنبي (شارع الثقافة في العاصمة العراقية)، حيث يلتقي المثقفون وكذلك (المتنافقون) يوم الجمعة لتبادل الآراء أو لشراء بعض الكتب، وفي أحد مقاهي منطقة الكرادة وسط بغداد، والبعض الآخر تحاورنا معه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، منهم من صرح باسمه الحقيقي، ومنهم من بقي متخفياً باسم مستعار.

يتساءل هشام البغدادي (29 سنة): كيف يريدون منا أن نحترم الدين والمذهب وهم يقتلوننا ويسرقوننا ويدمرون حياتنا باسم الدين والمذهب، يضيف «أنا لم أعد مسلماًَ، بل لا أنتمي لأي دين آخر، كل الأديان تحاول أن تصادر حياة الفرد من أجل أن يستفيد رجال الدين الذين أفسدوا علينا حياتنا»، وعندما نقول له إن هذا لا يعني الإلحاد بل ردود فعل على تصرفات الأحزاب الإسلامية، يبادر قائلاً «أنا لا أعترف بالأديان ولا بمصادرها وهكذا أشعر بحريتي، لا يستطيع أحد أن يحاصر تفكيري».


هدى ( 35 سنة) طبيبة عراقية مقيمة في شمال ألمانيا، تتطرف في منشوراتها ضد الأديان والرموز المقدسة على صفحتها في «فيسبوك»، تقول «تعرضت لهجمات الإسلاميين أكثر من مرة ونقلت إلى المستشفى، بل وتم إحراق سيارتي»، ومع ذلك «لم أتراجع عن أفكاري، فقد تركت مدينتي (الناصرية) في جنوب العراق بسبب أفكاري، وهناك من كان يحاول قتلي، ومن عشيرتي، وتبرير جريمته باعتبارها غسلاً للعار، وعندما وصلت إلى ألمانيا تبرأ أهلي مني وحرموني من ميراث أبي، وأنا أعرف أنهم فعلوا ذلك ليس بسبب أفكاري بل طمعاً في الإرث»، تضيف «لا أستطيع أن أؤمن بدين يحلل القتل باسم الجهاد، ويعتدي على الآخرين بتهمة تكفيرهم، وأنا لا أعني الإسلام فقط بل كل الأديان التي مارست وتمارس الإرهاب بطريقة وبأخرى».

المحامي عادل الجبوري، يؤكد أنه لا توجد قوانين في العراق تعاقب على الإلحاد، وهو ليس جريمة حسب القضاء، مشيراً إلى أنه «لا يوجد في قانون العقوبات العراقي أي نص يعاقب من يجاهر بالإلحاد، بينما هناك قوانين تعاقب على التهجم والافتراء على الأديان أو المذاهب وسب المقدسات الدينية، وعقوبتها الغرامة أو الحبس، وهذه النصوص صدرت في عهد النظام السابق».

رجل الدين العراقي حسين إسماعيل الصدر، قال إن «ما تسمى ظاهرة الإلحاد الشائعة بين بعض شباب العراق ليست أكثر من ردود فعل على الممارسات الخاطئة للأحزاب التي اتخذت من الإسلام ستاراً لفسادها وجرائمها»، لافتاً إلى أن «استخدام الدين والمذهب في السياسة إساءة بالغة للدين والمذهب».

ويضيف الصدر، عبر الهاتف من مكتبه في الكاظمية «التقيت مجموعة من الشباب الذين يصفون أنفسهم بالملحدين، وعندما ناقشتهم بهدوء وبمنطق اتضح لي أنهم أبعد ما يكونون عن الإلحاد وأفكاره، وعندما سألتهم عما إذا كانوا يؤمنون بوجود الخالق عز وجل، قالوا: لا .. نحن لا نؤمن بالأديان لأنها ظلمتنا من خلال الأحزاب التابعة لها وممارسة رجال الدين»، منبهاً إلى أن «المشكلة تكمن في فساد الإسلام السياسي وفي غالبية من رجال الدين الذين أبعدوا الشباب بممارساتهم الخاطئة وأساليبهم التي لا تمت للإسلام بصلة».

ويرى الشيخ الدكتور ريان توفيق خليل، أستاذ الفقه المقارن في كلية الإمام الأعظم في الموصل أنه «لا يمكن أن نصِف الإلحاد بالظاهرة في العراق لعدم وجود إحصاءات علمية تعتمد على استبيانات وفق المعايير الإحصائية الدقيقة»، مشيراً إلى أن «الإلحاد بدأ يطفو على السطح في العقد الأخير، وصرنا نسمع به صراحة وجهاراً، ويمكن القول إن الابتعاد عن الدين بات ظاهرة لدى فئات معينة وصرنا نرصد وبكثافة دعاوي تلقي باللائمة على الدين كونه لا يمتلك الأفق الذي يتلاءم مع العصر وتحدياته، وثمة من يلقي باللائمة على علماء الدين ويحملهم مسؤولية الإخفاق على صعيد السياسي أو الخدماتي».

وأضاف خليل عبر الهاتف من الموصل «من المؤكد أن زلزال تنظيم داعش الإرهابي أثر سلباً في الناس، خصوصاً في المناطق التي سيطر عليها في العراق ومنها الموصل، وأبعد الشباب عن الإسلام بسبب خطاباته التي هي أبعد ما تكون عن الإسلام»، منبهاً إلى أن «ممارسات الأحزاب التي تتخذ من الإسلام توصيفاً لها ساهمت كثيراً بابتعاد الشباب عن الدين مع أن هذه الأحزاب لا علاقة لها بالإسلام سوى التسمية التي يتسترون خلفها».

ووصف ممارسات من يدعي الإلحاد بأنها «هروب من الواقع عبر مخالفة أفكار المجتمع، وإذا ناقشنا هؤلاء فسوف يتحدثون عن عدم تحقيق العدالة والظلم يسود المجتمع، دون أن يطرحوا أفكاراً فلسفية عن الإلحاد ومعناه».
#بلا_حدود