الخميس - 24 يونيو 2021
الخميس - 24 يونيو 2021
No Image Info

توماس فريدمان: كيف دفعت إيران ثمن "غباء" سليماني؟

يوماً ما قد يطلقون اسم ترامب على أحد شوارع طهران، لماذا؟ لأنه أمر باغتيال أغبى رجل في إيران وأكثر المخططين الاستراتيجيين المبالغ في تقديرهم وتعظيم قوتهم في الشرق الأوسط: اللواء قاسم سليماني.

ويدعو الكاتب الأمريكي توماس فريدمان في مقاله بصحيفة نيويورك تايمز إلى تأمل الحسابات الخاطئة التي قدمها هذا الرجل: عام 2015، وافقت الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الكبرى على رفع جميع العقوبات المفروضة على إيران، والتي يعود الكثير منها إلى عام 1979، في مقابل أن توقف إيران برنامجها للأسلحة النووية لمدة 15 عاماً فقط ولكن مع الاحتفاظ بحقها في الحصول على برنامج نووي سلمي.

لقد كانت صفقة عظيمة ذات أهمية بالغة بالنسبة لإيران، إذ نما الاقتصاد بنسبة تفوق 12% في العام اللاحق، فماذا فعل سليماني حيال هذا الكسب غير المتوقع؟

أطلق هو والمرشد الإيراني مشروعاً إمبريالياً إقليمياً عدوانياً جعل من إيران ووكلائها القوة المسيطرة الفعلية في بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء، ما أثار حفيظة حلفاء الولايات المتحدة في العالم العربي السني وإسرائيل، وضغطوا على إدارة ترامب للرد.

ترامب نفسه كان حريصاً على تمزيق أي معاهدة أبرمها الرئيس أوباما، لذا انسحب من الصفقة النووية وفرض عقوبات نفطية على إيران، ما تسبب في تراجع الاقتصاد الإيراني بنسبة 10% تقريباً وارتفعت نسبة البطالة أكثر من 16 %.

وبحرمان نظام طهران من الأموال، لجأ الملالي لرفع أسعار البنزين في بلادهم، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات محلية هائلة حاربها رجال الدين في إيران من خلال حملة قمع صارمة ضد شعبهم خلفت آلاف السجناء والقتلى، ما أضعف من شرعية النظام.

ثم قرر السيد "العبقري العسكري" سليماني أنه، من خلال دعمه لنظام الرئيس بشار الأسد في سوريا، والمساعدة في قتل 500 ألف سوري في هذه العملية، سيتخطى كل شيء مرة أخرى ويحاول الضغط المباشر على إسرائيل، وذلك من خلال محاولة نقل الصواريخ الموجهة بدقة من إيران إلى ميليشيات حزب الله الوكيل الإيراني في لبنان وسوريا.

للأسف، اكتشف سليماني أن قتال إسرائيل - وتحديداً قواتها الجوية المشتركة والقوات الخاصة والمخابرات الإلكترونية - لا يشبه قتال جبهة النصرة أو داعش، حيث رد الإسرائيليون بقوة، فأرسلوا مجموعة كاملة من الإيرانيين إلى بلادهم من سوريا داخل توابيت واستهدفوا عملاءهم في أماكن بعيدة تصل إلى غرب العراق.

في الواقع، اخترقت المخابرات الإسرائيلية فيلق القدس الذي يقوده سليماني ووكلاؤه لدرجة أنه حين يرسل سليماني طائرة ذخائر دقيقة إلى سورية في الساعة 5 مساء، ينسفها سلاح الجو الإسرائيلي بحلول الساعة 5:30 مساء.

لو كان لإيران صحافة حرة وبرلمان حقيقي، لكان أعفي من منصبه بسبب سوء الإدارة الهائل.

وذكر كثيرون من الذين نعوه أنه قاد المعركة ضد داعش في العراق في تحالف ضمني مع أمريكا، وهذا صحيح لكن ما أغفلوه هو أن تجاوزات سليماني وإيران في العراق هو الذي ساعد على ظهور داعش أساساً.

لقد دفع سليماني وزملاؤه في فيلق القدس رئيس الوزراء العراقي الشيعي، نوري كمال المالكي، لطرد السنة من الحكومة والجيش العراقيين، والتوقف عن دفع رواتب الجنود السنة، وقتل أعداداً كبيرة من المتظاهرين السنة المسالمين وحوّل العراق عموماً إلى دولة طائفية يهيمن عليها الشيعة، وكان داعش هو ردة الفعل المضادة.

أخيراً، كان مشروع سليماني بجعل إيران القوة الإمبريالية في الشرق الأوسط هو الذي حوّل إيران إلى أكثر قوة مكروهة في الشرق الأوسط بالنسبة للعديد من الشباب والقوات الصاعدة المؤيدة للديمقراطية - السنة والشيعة على حد سواء - في لبنان وسوريا والعراق.

وكما أشار الباحث الأمريكي الإيراني راي تاكيه في مقال له في موقع بوليتيكو: "في السنوات الأخيرة، بدأ سليماني في توسيع حدود إيران الإمبريالية. لأول مرة في تاريخها، أصبحت إيران قوة إقليمية حقيقية، يمتد نفوذها من ضفاف البحر المتوسط إلى الخليج العربي. لقد فهم سليماني أن الفرس لن يكونوا مستعدين للموت في ساحات القتال البعيدة من أجل العرب، لذلك ركز على تجنيد العرب والأفغان كقوة مساعدة. كان يتفاخر في كثير من الأحيان بأنه قادر على إنشاء ميليشيات في وقت قصير ونشرها ضد أعداء إيران المختلفين ."

هؤلاء الوكلاء السليمانيون - حزب الله في لبنان وسوريا، وقوات الحشد الشعبي في العراق، والحوثيون في اليمن - هم الذين أنشؤوا دولاً شيعية موالية لإيران داخل كل هذه الدول، وقد ساعدت هذه "الدول داخل الدول" على وجه التحديد في منع أي من هذه البلدان من التماسك، ورعت الفساد وساعدت على انتشاره، ومنعت هذه البلدان من تطوير البنية التحتية كالمدارس والطرق والكهرباء.

وبالتالي، كان ينظر إلى سليماني ووكلائه كقوى إمبريالية في المنطقة، أكثر من أمريكا ترامب.

وقد أدى ذلك إلى بزوغ حركات ديمقراطية شعبية أصيلة من القاعدة إلى القمة في لبنان والعراق ضمت السنة والشيعة الذين تعاضدوا معاً للمطالبة بحكم ديمقراطي غير فاسد وغير طائفي.

في نوفمبر 27، الشيعة العراقيون - نعم، الشيعة العراقيون - أحرقوا القنصلية الإيرانية في النجف بالعراق، وأنزل العلم الإيراني عن المبنى ووضع العلم العراقي مكانه. كان ذلك بعد أن أشعل الشيعة العراقيون النار في القنصلية الإيرانية في البصرة، في سبتمبر 2018، وهتفوا بإدانة تدخل إيران في السياسة العراقية.



الاحتجاج" برمته على مجمع سفارة الولايات المتحدة في بغداد الأسبوع الماضي كان من شبه المؤكد أنه عملية قام بها سليماني لجعلها تبدو كما لو أن العراقيين أرادوا خروج أمريكا بينما الواقع عكس ذلك. كان المحتجون أفراد ميليشيات تمولها إيران. لم ينخدع أحد في بغداد بذلك.

وبطريقة ما تسبب هذا بمقتل سليماني، لقد أراد أن يغطى إخفاقاته في العراق، فقرر أن يبدأ باستفزاز الأمريكيين هناك بقصف قواتهم، على أمل أن يبالغوا في رد فعلهم، وبدلاً من الانخداع بالطعم، قتل سليماني.

ليست لدي أي فكرة عما إن كان هذا أمراً حكيماً، ولا أعلم ما هي التبعات على المدى الطويل. ولكن هنا شيئين أعرفهما عن الشرق الأوسط.

أولاً، في كثير من الأحيان في الشرق الأوسط، عكس كلمة "سيئ" ليست "جيد". وغالباً عكسها هو "فوضى". لمجرد أنك تخرج ممثلاً سيئاً حقاً مثل سليماني من المشهد، لا يعني أن الممثل الجيد سيأتي في أعقابه.

سليماني جزء من نظام يسمى الثورة الإسلامية في إيران، تمكنت تلك الثورة من استخدام أموال النفط والعنف للبقاء في السلطة منذ عام 1979 وهذه هي مأساة إيران، وهي مأساة لن تتغير بوفاة جنرال إيراني.

إيران اليوم هي وريث حضارة عظيمة وموطن شعب موهوب للغاية وثقافة مهمة، أينما ذهب الإيرانيون إلى العالم اليوم، فإنهم يزدهرون كعلماء وأطباء وفنانين وكتاب وصانعي أفلام، باستثناء جمهورية إيران الإسلامية، التي تتمثل أشهر صادراتها في التفجيرات الانتحارية والإرهاب الإلكتروني وقادة الميليشيات بالوكالة. حقيقة أن سليماني كان على الأرجح الإيراني الأكثر شهرة في المنطقة يؤكد الفراغ المطلق لهذا النظام، وكيف أنه أهدر حياة جيلين من الإيرانيين من خلال البحث عن الكرامة في جميع الأماكن الخاطئة وبكل الطرق الخاطئة.

الشيء الآخر الذي أعرفه هو أنه في الشرق الأوسط تحدث كل الأمور السياسية المهمة على مهل وبعد صباحات متأخرة.

#بلا_حدود