الاثنين - 03 أغسطس 2020
الاثنين - 03 أغسطس 2020

اليهود العرب.. ذكريات من زمن المواطنة والمساواة

هذه قصة من بطن التاريخ ورحمه، تحمل ملامح ومعالم للحياة في العالم العربي والإسلامي، تجاه أصحاب ديانة سماوية، اليهود، أولئك الذين تشردوا عام 70 ميلادية بعد أن دمّر الرومان بلادهم، تشردوا في العالم برمته، ومن هنا بدأ زمان ما يعرف باسم «الدياسبورا» أو «الشتات».

والثابت تاريخياً أن اليهود لاقوا عنتاً كبيراً ورهيباً من كل الأمم التي ارتحلوا إليها، وكانت النهاية المأساوية في أوروبا، خلال سنوات صعود النازية، والوصول إلى الفصل الكريه في تاريخ البشرية المعاصر.. الهولوكوست.

يعني لنا أن نتساءل: «كيف عاش اليهود في ظل الدولة الإسلامية في أوروبا أولاً، وكيف عاشوا في بلاد العالم العربي تالياً؟».

يضيق المسطح المتاح للكتابة عن سرد أحوال اليهود في أوروبا، لا سيما في الوقت الذي دخل فيه المسلمون إسبانيا (93-897ه)، غير أنه باختصار غير مخلٍ يمكن القطع تاريخياً بأنهم كانوا يتلقون أبشع أشكال المعاملة، فقد كان محكوماً عليهم بالطرد من مدينة إلى أخرى، ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم، والكثير من أشكال الاضطهاد الأدبي والمادي، إلى درجة أنه لم يكن يسمح لهم بالعيش وسط شعوب تلك الدول، بل على الهامش، وفيما عرف تاريخياً باسم «الغيتو» أو «حارة اليهود»، حيث يتجمعون في روح انغلاقية، يحتمون بها من عدم التسامح الخارجي المفروض عليهم قسراً.

ومع سقوط الدولة الإسلامية في الأندلس، عرف العالم يهود «المارانوس»، أي المتنصرين في الخارج تحت الضغط، وهم في داخلهم يهود إيماناً، فقد لاقوا عنتاً كبيراً من السلطة الإسبانية ذات التوجه العقدي الواحد والذي لا يقبل الآخر.

والشاهد أن غالبية كتب التاريخ تحفظ لنا قصص هجرة قسرية لأكثر من 150 ألف يهودي تم طردهم من إسبانيا خاصة وأوربا عامة، ولم يجدوا لهم مكاناً يتوجهون إليه إلا دول العالم العربي والإسلامي في الجانبين: الشرقي حيث بلاد الشام، بما فيها اليوم سوريا والعراق وبعض دول الخليج العربي، والغربي حيث مصر ودول شمال أفريقيا بما فيها ليبيا والجزائر والمغرب وتونس.

كان هذا موقفاً إضافياً يدل على طبيعة وتسامح وروعة الحضارة الإسلامية التي منحت اليهود لأكثر من ثمانية قرون حق استنشاق الحرية في ممارسة عبادتهم والحق في إنشاء مدارس خاصة بهم في معظم البلاد العربية والإسلامية.

يعني لنا أن نتساءل مخلصين والبحث عن الجواب: «ما الذي قدمه العرب والمسلمون لليهود تاريخياً؟».

الشاهد أننا كعرب ومسلمين جعلناهم يندمجون مع المجتمع العربي والإسلامي بدون تعصب منا وراحوا يشغلون المناصب القيادية في ظل الخلفاء العرب والمسلمين حتى أصبح منهم وزراء في عهد الخلفاء المسلمين، وعلينا أن نعترف ونقر بأن البشرية لم تعرف حضارة أشاعت العلم والتسامح مثلما فعلت الحضارة الإسلامية، ولولا أن التسامح كان سمة الحضارة الإسلامية لكان للغرب ولليهود وضع مختلف الآن، واسألوا الغرب عن تماثيل العرب والمسلمين التي يزينون بها ساحات جامعاتهم، وعن قوانين ابن الهيثم وابن سينا وفلسفة الفارابي وحساب الخوارزمي وطب الرازي.

لماذا تقليب هذه الأوراق التاريخية الآن؟

الحقيقة هي أن هذا الحديث كان معداً للنشر قبل 6 أشهر من الآن، وفي وقت مواكب لإعادة افتتاح المعبد اليهودي الأكبر والأهم في الشرق الأوسط «معبد إلياهو هانبي» في الإسكندرية على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، غير أن تفشي وباء كورونا لم يفسح المجال لأي قصة أخرى.

قبل 6 قرون ونصف القرن، وفي عام 1354 ميلادية تحديداً، كانت مدينة الإسكندرية تشهد أعمال بناء كنيس «إلياهو هانبي»، لاحتضان الشعائر الدينية لأبناء الطائفة اليهودية آنذاك، غير أن الحملة الفرنسية ونيران مدافعها عام 1798، أدت إلى هدم المعبد، واستحال إلى كومة تراب، وفي عام 1850 أسندت أسرة محمد علي مهمة إعادة البناء إلى مهندس إيطالي، فأخرجه على هيئته الحالية وافتتحه من جديد عام 1881.

ومع أحداث 25 يناير 2011 في مصر، تقرر إغلاق المعبد الأكبر في مصر لدواعٍ أمنية عام 2012، وبعد 4 أعوام من إغلاقه تعرض سقفه وسلالمه للانهيار، وساعتها ظهر وجه مصر الحضاري، إذ سارعت لترميم المعبد بكلفة بلغت 70 مليون جنيه مصري تحملتها خزينة الدولة المصرية، رافضة تبرعات الجاليات اليهودية من العالم كله، انطلاقاً من أن المعبد جزء من النسيج المجتمعي المصري عبر التاريخ.

لم يعرف اليهود طريقهم إلى مصر مع اضطهاد الأوروبيين لهم، بل قبل ذلك بقرون عديدة، إذ تشير الدراسات التاريخية إلى وفود أفواج كبيرة على مصر منذ عام 586 قبل الميلاد بعدما استولى «نبوخذ نصر» إمبراطور بابل على أورشليم، وقامت لهم جاليات في مدن مصر الفرعونية مثل «منف»، و«طيبة» في مصر الفرعونية.

حين أعيد افتتاح المعبد اليهودي الإسكندري في الأسبوع الأول من يناير الماضي، كان كبار مثقفي مصر يؤكدون على الاعتزاز بهذا اليوم لأنه يمثل مصر الحقيقية التي تدرك وتؤكد على معنى وعمق العلاقات الإنسانية بين البشر، مصر التي لا تفرّق بين أبنائها لاختلاف أديانهم.. مسلم أو مسيحي أو يهودي سواء.

الخلاصة.. لا إشكالية للعرب والمسلمين مع اليهود ديناً وعقيدة مرة وإلى الأبد.

#بلا_حدود