الخميس - 20 يناير 2022
الخميس - 20 يناير 2022
سد النهضة

سد النهضة

من النيل إلى الفرات.. العرب فارس بلا جواد في حرب السدود

أنت ومن تحب في لحظة صفاء، يداً بيد برفقة النيل أو الفرات أو دجلة، ذلك المشهد الرومانسي على ضفاف أهم 3 أنهار في العالم العربي، باتت تعكره هذه الأيام مخاطر سدود تقيمها دول المنابع، سدود حولت بعض أجزاء الفرات إلى ما يشبه المستنقعات في سوريا، بما يكفل إفساد رومانسية أي لقاء على ضفافه بين محبَّين من أبناء اليوم، بل أصبح الأمر تهديداً وجودياً في حالات أخرى.

مياه الفرات، الذي يمر بسوريا والعراق، تنبع في معظمها من تركيا التي لم تعد مطامعها في خيرات العرب خافية على أحد، ومياه دجلة تأتي غالبيتها من تركيا ومن إيران التي لم تدخر وسعاً هي الأخرى في إقامة السدود على النهر.

مياه النيل، شريان الحياة في السودان ومصر، تأتي في معظمها من هضبة إثيوبيا التي تمضي قدماً في مشروع سد النهضة، ليكون أكبر سد في إفريقيا، وسبباً للتوتر بين الدول الثلاث.

دول المنابع استغلت اضطرابات وظروفاً سياسية في دول المصب العربية لتسرع الخطى في إقامة السدود. وفي غياب حلول للأزمة وأدوات للضغط، يبدو أن الثمن ستدفعه شعوب بالكامل، في غياب خيارات فاعلة في يد العرب وكأنهم فارس بلا جواد.

يقول رئيس البرنامج الهيدرولوجي الدولي في اليونسكو د.فادي قمير لـ«الرؤية»، من بيروت، إن 43% من مصادر المياه العذبة في الدول العربية تنبع من بلدان غير عربية مثل تركيا وإثيوبيا، ما يضع المياه في خانة النزاعات الجيوسياسية ويعرّض البلدان العربية لخطر قطع المياه عنها.

وترتفع النسبة إلى 100% في حالة مصر، بحسب د.عباس شراقي أستاذ السدود والموارد المائية بكلية الدراسات الإفريقية في جامعة القاهرة.

وفي ظل هذا الوضع، تبرز المشكلة الرئيسية في عدم وجود اتفاقيات تحكم الأنهار المشتركة في العالم العربي، بحسب د.هاني رسلان مستشار شؤون المياه والسدود وملف حوض النيل بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، بالقاهرة الذي اعتبر أن دول المنابع تتجاهل القانون الدولي بالكامل وترى أنها مالكة لهذه المياه.

ويقول المهندس نضال محمد محمود خبير المياه في منطقة الحسكة السورية إن التلاعب التركي بمصادر المياه بدأ بمشروع جنوب شرق الأناضول للتنمية الاقتصادية الذي تضمّن بناء 21 سداً على نهري دجلة والفرات، ما أثر على مناسيب النهرين وأيضاً منسوب المياه الجوفية.



وأضاف أن حبس مياه الأنهار من داخل تركيا تسبب في كارثة بيئية في العراق العام الماضي حين نفقت أطنان من الأسماك في نهر دجلة.

تحول نهر الفرات في الوقت الحالي إلى ما يشبه المستنقعات، بعدما كان الشريان الرئيسي للحياة في سوريا وخصوصاً في إقليم الفرات ومناطق الرقة ودير الزور وعاصمة سوريا الاقتصادية حلب.

ويقول د.شراقي إن سدود الأناضول يمكنها تخزين كل المياه التي تصل إلى سوريا والعراق.

وأضاف أنه إلى جانب سد النهضة، تبني إثيوبيا أيضاً سدوداً تحجز المياه عن الصومال البلد العربي الغارق في أزماته الداخلية منذ 30 عاماً.

تحول في سياسات الجوار

ويرى د.هاني رسلان أن التمادي في بناء السدود يمثل نقطة تحول في سياسات دول الجوار العربي، تتيح استخدام المياه كسلاح وورقة ضغط.

ويقول د.قمير إن إقامة سدود على مجاري الأنهار الدولية "تشكل نوعاً من الضغط المائي والسياسي على البلدان العربية."

وأثار هذا الوضع اهتمام باحثين أوروبيين.

ويقول ميكلاس سكولز، أستاذ هندسة الموارد المائية في جامعة لوند، بالسويد، إنه درس مع فريق بحثي هذا التحدي مؤخراً، وخلص إلى توقع تأثير مدمر على الأنشطة الزراعية والصناعة وعلى الشعوب في كل من سوريا والعراق نتيجة تشييد السدود في تركيا وإيران.

وأضاف في تصريحات لـ«الرؤية» أنه «سيكون هناك المزيد من نقص المياه في المستقبل، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء والمياه بالنسبة للفقراء سيكون التأثير أكبر، ومن المتوقع حدوث أزمة صحية عامة تتفاقم بسبب الفقر وضعف البنية التحتية وانعدام الحوكمة الرشيدة في هذه المناطق».

تزايد الهجرة إلى الخليج

وقال سكولز، الذي شغل منصب رئيس قسم الهندسة المدنية بجامعة سالفورد بالمملكة المتحدة، وله العديد من الأبحاث في قضايا المياه، إنه ما لم يتم التمسك بالمعاهدات الدولية للمياه والسلام، أتوقع مواقف شبيهة بالحرب الأهلية في العديد من المناطق التي تتميز بنقص المياه والغذاء.

وتابع «سيحاول الناس الهجرة إلى أماكن أخرى، حيث يكون الوضع أفضل مثل دول الخليج المجاورة أو أوروبا، وحذر شولز من كارثة إنسانية لأن السلطات غير قادرة على التعامل مع الأحداث المقبلة».

ومن الحسكة، يقول المهندس نضال محمد إن أزمة المياه في شمال سوريا باتت تهدد بحدوث هجرة جماعية من بعض المناطق.

ويتفق الباحث السوري في شؤون البيئة محمد فارس مع شولز في تقدير خطورة الوضع، لكنه اعتبر أن الظروف التي تمر بها الدولة السورية لن تسمح بالدخول في صراع مسلح مع تركيا بسبب المياه.

الانشغال العربي

يقول الناشط السياسي اللبناني طارق أبوصالح إن الشعوب العربية ربما تغيب عنها مسألة السدود بسبب أولوياتها الداخلية.

وإلى جانب الأزمة في سوريا، انشغلت الحكومة في العراق منذ عام 2014، بجهود مكافحة تنظيم داعش الإرهابي، ما أدى إلى تراجع اهتمام الدولة بتنفيذ خططها المائية نتيجة العجز في الإيرادات والتراجع الاقتصادي مع انخفاض صادرات النفط وأسعاره. وجاءت الاحتجاجات الشعبية المطلبية العام الماضي لتضيف انشغالاً جديداً.

في مصر، بدأت أزمة سد النهضة الإثيوبي تتشكل ملامحها بعد ثورة يناير 2011 التي أطاحت بحكم الرئيس الراحل حسني مبارك، وحين قفزت جماعة الإخوان على أحداث يناير دخلت البلاد في دوامة شغلتها عن متابعة الأعمال في سد النهضة، واستغرق الأمر بضع سنين قبل أن تأتي حكومة تتعامل مع الملف بجدية، وتسعى لحل يحقق مصالح الدول الثلاث.

لكن الخلاف حول سد النهضة امتد بين مصر والسودان من جانب وإثيوبيا من جانب آخر، وهو ما أخذ الملف بعد مفاوضات متواصلة لـ9 سنوات إلى أروقة مجلس الأمن والاتحاد الإفريقي على أمل إيجاد حل يرضي جميع الأطراف.

وشهدت سنوات الخلاف تهديدات غير مباشرة باللجوء إلى الحرب.

تعاون أم صراع؟

يقول أشوك سواين أستاذ أبحاث السلام والنزاع، في جامعة أوبسالا بالسويد، إن الخلاف حول سد النهضة يجب أن يدعم التعاون بين دول حوض النيل بدلاً من أن يكون سبباً في نزاع خطير.

وأضاف سواين، العضو في برنامج اليونسكو للتعاون الدولي في موارد المياه، وبناء السلام، ان إبرام اتفاق بشأن ملء السد وتشغيله بين مصر وإثيوبيا والسودان سيبني أساساً قوياً للتعاون المائي العابر للحدود في المستقبل في حوض النيل.

وأضاف في تصريحات لـ«الرؤية» أن تلاقي مصر والسودان مؤخراً يغير ديناميكية القوة في الحوض بشكل كبير والوضع الجديد في صالح مصر. ومع ذلك، فإن الوضع غير محتقن بما ينذر بالحرب حيث لا يزال هناك ما يقرب من عام على الملء التالي للسد، وإمكانية التوصل إلى صفقة في هذه الفترة الزمنية محتمل.

لكن في منتصف يوليو الماضي، كتب الباحث أحمد أبوالدوح في صحيفة الإندبندنت البريطانية، أنه حتى في أسوأ حالاتها، لا تستطيع أي حكومة مصرية أن تقف جانباً وترى شعبها يواجه العطش.

وأضاف الكاتب المتخصص في شئون الشرق الأوسط «في الوقت الحالي، إثيوبيا معزولة، ومصر محاصرة، والحرب تلوح في الأفق».

مشكلة طويلة الأجل

ولا تعني نهاية الأزمات الملحة في الدول العربية أن تتوفر لها على الفور رفاهية التعامل مع أزمات السدود والمياه، ويقول الباحث السوري فارس إن التحدي الكبير أمام سوريا بعد انتهاء الحرب سيكون إعادة الإعمار.

وأضاف أن تقديرات عام 2017، تشير إلى أن هناك حاجة إلى 50 مليون طن إسمنت و2 مليار متر مكعب من المياه لهذه العملية. وتساءل قائلاً «هل سنسقى الناس أم نبني لهم بيوتاً أم نمدهم بالمياه للزراعة والحياة؟».

واختتم بالقول إنه لا يعرف كيف سيتم التغلب على هذه التحديات في ظل المعطيات الحالية.

وحذّر رئيس اتحاد الجمعيات الفلاحية في الديوانية جنوب العراق، محمد الجليحاوي، من أن العراقيين قد لا يجدون مياه الشرب خلال الأعوام 2025-2030، حيث لا يرى سبباً للثقة في مستقبل العلاقة مع تركيا في ملف المياه، معتبراً أنه لا خيار أمام الحكومة سوى الضغط من خلال الملف الاقتصادي لا غير.

الخيارات والحلول

ولا يعتبر د.قمير رئيس البرنامج الهيدرولوجي الدولي في اليونسكو أن طرق التسوية القانونية مسدودة. ويشدد على أن الحل يكون «بتطبيق دبلوماسية المياه المرتكزة على القانون الدولي والاتفاقية الدولية لتقاسم المياه، بهدف تحديد كيفية تقاسم المياه للـ50 سنة القادمة بين البلدان المتشاطئة».

ويناشد قمير الدول العربية ضرورة إنشاء منصة تقنية، سياسية وحوكمية للمياه والطاقة والغذاء تُرفد بالخبراء لتأمين الأمن المائي والغذائي للشعب العربي.

ويقول المهندس السوري محمد نضال إن تحقيق الأمن المائي العربي يحتاج إلى أن يكون مصدر المياه داخلياً. وأشار إلى تجارب دول مثل الهند في حصاد الأمطار وتجميع مياه السيول للاستفادة منها وقت الجفاف.

واستدرك قائلاً إن هذه المشاريع تحتاج إلى استقرار 5 سنوات على الأقل وهو غير متوفر في ظل التوتر العسكري والسياسي وتغير الواقع الميداني باستمرار.

الناشطة اللبنانية البيئية والسياسية شيرين الحسنية (29 عاماً) اتفقت مع الرأي القائل بالبحث عن حلول داخلية، وصفتها بأنها «خلاص بيئي»، وتبدأ بترشيد استهلاك المياه وتجميع مياه الشتاء في خزانات، وحفر آبار جوفية وتحلية مياه البحار.

ويأسف د.شراقي أستاذ السدود والموارد المائية لعدم وجود تحرك بشأن الأنهار المشتركة بين الدول العربية ودول غير عربية.ويطالب جامعة الدول العربية بالخروج من دائرة الشجب والإدانة، وضرورة اتخاذ إجراءات قوية. لكن لم يحدد تلك الإجراءات.

وبالمثل يطالب الأمم المتحدة بموقف قوي من الخلافات والمشاكل بين دول الأنهار المشتركة. ويقول إن أكثر من 50% من سكان العالم يعيشون على ضفاف الأنهار المشتركة، فلا بد من قانون قوي يحل هذه الأزمات.

ويقول رئيس المجلس العربي للمياه، وهو مجلس مستقل، د.محمود أبوزيد إنه لو استطاعت جامعة الدول العربية إعداد اتفاقية مشتركة فستحل مشاكل كبيرة. وأضاف أبوزيد، وزير الري والموارد المائية المصري السابق، أن الإمارات ستستضيف منتدى عربياً بمشاركة وزراء الري العرب كان مقرراً عقده في ديسمبر 2020 لكن تأجل إلى سبتمبر 2021 بسبب جائحة كورونا. وستعقد جلسة خاصة بالأنهار المشتركة ضمن المنتدى.

الجامعة العربية تؤيد فقط

العديد من الخبراء والشباب الذين تحدثوا لـ«الرؤية» علقوا الأمل على الجامعة العربية لاتخاذ موقف قوي في هذا الملف.

ويقول الناشط اللبناني أبوصالح: "إن أزمة المياه لا تنفصل عن الأزمات السياسية، ولحماية الموارد الطبيعية لا مناص من تفعيل دور جامعة الدول العربية ومقاومة التدخلات الأجنبية، ومن دعم الدول العربية المنهارة اقتصادياً ووقف النزاعات داخل الدول العربية."

ومن جانبه، يقول الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، السفير حسام زكي، إن قضية السدود شأن سياسي، لا تتدخل فيه جامعة الدول العربية مع الدول الأعضاء، فكل دولة تعمل مع نفسها في القضايا التي تشغلها وتتفاوض بشكل مستقل مع الدول المختلفة معها. وأضاف أن الجامعة لا تتدخل إلا إذا عرضت الدولة قضية أو موضوعاً عليها لتأييد موقفها، وتؤيد الجامعة فقط موقفها إذا كان معها كل الحقوق، مثلما حدث مع مصر في سد النهضة.





وأوضح أنه لا يمكن أن تقدم الجامعة أكثر من ذلك، لا يوجد دور، فلا بد من أن توافق الدولة الأخرى على دور الجامعة وتدخلها، وإلا اعتبرت الجامعة منحازة، فالقضايا المشتركة لا بد فيها من توافق الدولتين على دور جامعة الدول العربية وتدخلها في التفاوض، بخلاف ذلك لن يكون لها دور.

وقال إن جامعة الدول العربية لا تملك التدخل، لافتاً إلى أنه لا يوجد شيء بالإكراه، بدليل تدخل الولايات المتحدة الأمريكية مع البنك الدولي لحل مشكلة سد النهضة ولم تصل إلى شيء، فلا يمكن للجامعة أن تفرض قرارات ومواقف على دول، فإما أن تسير الأمور بالتراضي أو لا تسير.