الاثنين - 28 سبتمبر 2020
الاثنين - 28 سبتمبر 2020
المعاهدة حققت استدارة أمريكية كاملة في عملية السلام. (رويترز)
المعاهدة حققت استدارة أمريكية كاملة في عملية السلام. (رويترز)

ثمار السلام (5-2): معاهدة السلام الإماراتية تؤسس لنظام إقليمي جديدقائم على استكشاف الفرص ومواجهة التحديات

ربما لم يتحقق لأي اتفاقية بين اسرائيل والعرب الزخم والقوة الكافية للنجاح كما تحقق لمعاهدة السلام الإماراتية الاسرائيلية، لأنها جاءت بعد دراسة عميقة وكاملة، ووفق رؤية واضحة ومعلنة، وفي إطار سياسي وآليات تنفيذية جديدة وغير مسبوقة، وتجلى هذا الدعم في ترحيب كل القوى الدولية بمعاهدة السلام، والدعوة للبناء عليها لتأسيس نظام اقليمي جديد قائم على التعاون المشترك، واستكشاف الفرص ومواجهة التحديات بعد عشرات السنين من سيطرة "الظلمة السياسية" على المشهد في المنطقة العربية والشرق أوسطية. ومن يراقب وتيرة الاحداث منذ 13 اغسطس الماضي وقت اعلان البيان الثلاثي الامريكي الإماراتي الاسرائيلي، وما تبعه من انضمام مملكة البحرين الى قافلة السلام يتأكد اننا امام اتفاق تاريخي سيحدد مستقبل المنطقة برمتها، ويخلق فرصا جديدة للأجيال القادمة لم تتوفر للشعوب العربية منذ 72 عاما. لكن ثمار معاهدة السلام الإماراتية الإسرائيلية لم تتوقف عند هذه المكاسب فقط بل فتحت طريقا طويلا ومساحات شاسعة من فرص السلام وتحقيق حلم الشعب الفلسطيني في قيام دولة مستقلة لو أحسنت الأطراف الأخرى وباقي الدول العربية قراءة المشهد والسير على الدرب الإماراتي حتى تحقق للقضية الفلسطينية نتائج مماثلة لما حققه الاتفاق الابراهيمي، ناهيك عن أن الإمارات اثبتت أن الدول العربية لا تستطيع فقط التأثير في الفعل الاسرائيلي لكن ايضا في تحقيق "استدارة امريكية" كاملة من الانحياز الدائم لإسرائيل الى اجبار تل ابيب على الاستماع للصوت الإماراتي والتوقف عن ضم الاراضي، فكيف تحقق كل ذلك؟ وما هي الوسائل المبدعة التي سلكتها الإمارات لتحقيق كل هذه الثمار؟

مقاربة جديدة

المؤكد أن معاهدة السلام الإماراتية الاسرائيلية تقوم على "مقاربة جديدة" كليا تختلف من حيث الدوافع والاليات عن كل الاطروحات التي قدمها البعض من قبل، "فالتوازن" هو أبرز عناصر هذه المعاهدة التي تخلق اطار عمل جديدا ومختلف في المنطقة يقوم على " تعظيم المكاسب " و" جني الارباح " للجميع دون استئثار طرف على حساب الآخر، فالتعاون الثنائي الاماراتي الاسرائيلي ستحصد ثماره كل دول المنطقة وربما خارجها، فعلى سبيل المثال تملك الدولتان من البنية الطبية والعلمية مما يجعلهما جاهزتين للتعاون في مكافحة الامراض والاوبئة سواء في انتاج اللقاح أو تصنيع جهاز سريع للكشف عن فيروس كورونا ، وهو امر لم يكن متاحا من قبل .


كما تشكل معاهدة السلام الإماراتية الاسرائيلية أول تعاون في المنطقة قائم على الندية السياسة وليس على ضغوط آنيه سواء كانت سياسية او عسكرية ، فالاتفاقيات الثلاث السابقة بين العرب واسرائيل وهي اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية عام 1979 ، واتفاق اوسلو 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، ومعاهدة وادي عربة بين الاردن واسرائيل 1994 كان هدفها جميعا التخلص من الاحتلال واسترجاع الاراض، لكن الاتفاق بين تل ابيب وابو ظبي يهدف لتأسيس "منظومة اقليمية جديدة" تجمع شعوب المنطقة في خندق واحد ضد الفقر والجهل والارهاب، وتعزز من مناعة الشعوب العربية ضد الافكار السوداوية ودعاة "الحروب الدائمة" حيث ترفع معاهدة السلام الإماراتية الاسرائيلية شعار المصير الإنساني المشترك الذي يجمع بين كل شعوب المنطقة دون النظر في خلفياتهم الدينية، فالاتفاقية الإماراتية الاسرائيلية تطرح دربا جديدا يقول إن لغة تبادل الخبرات والمنافع وتعزيز الثقة وبناء الجسور هي الاليات الجديدة الكفيلة بحل كل مشاكل المنطقة، وليس لغة البندقية والرصاص والحزام الناسف والجرافات التي سادت السنوات الطويلة الماضية.

اتفاقيات اللاضرورة

أكثر المكاسب التي يمكن ان تتحقق من معاهدة السلام الإماراتية الاسرائيلية انها تعطي فرصة كاملة لتغير الصورة النمطية لدى كل طرف عن الاخر، فدائما ما كانت تدعي اسرائيل انه لا يوجد شريك سلام حقيقي لها في المنطقة، وكان تفسيرها لاتفاقيات السلام مع مصر والاردن ومنظمة التحرير انها كانت "اتفاقيات ضرورة" وقعتها الاطراف العربية من اجل عوامل تتعلق بالأرض والظروف العسكرية السائدة في ذلك الوقت، كما كانت اسرائيل دائما تصور العرب وكأنهم الوحوش التي تريد ان تلقي بالإسرائيليين في البحر، ولهذا كسبت اسرائيل تعاطفا كبيرا خاصة في الغرب والولايات المتحدة، وساهمت المسلسلات والافلام في ترسيخ هذه الصورة غير الحقيقية في الوجدان العالمي، وهو ما تسبب في ضرر كبير في الصورة الذهنية والنمطية عن العرب في الغرب. وعلى الجانب الآخر كان هناك من يروج في المنطقة العربية باستحالة ان يكون هناك سلام بين العرب واسرائيل، وان اسرائيل لا تريد السلام ولا تسعى إليه، ولهذا يمكن وصف معاهدة السلام الإماراتية الاسرائيلية بانها أول اتفاقية لا تقوم على الضرورة السياسية بل تنطلق من قناعة كاملة بأهمية مسار السلام، وان هناك فرصا حقيقية للتعاون والعمل المشترك من خلال استكشاف افاق التعاون في مجالات مثل التكنولوجيا والطاقة والبحث العلمي واستكشاف الفضاء، وتجارة الخدمات والسياحة

استدارة امريكية كاملة

لا يشك أحد ان البيئة السياسة الامريكية كانت قاسية على الشرق الاوسط ليس فقط في عهد الرئيس ترامب بل منذ عهد الرئيس اوباما الذي عقد اتفاقا معيبا مع إيران في عام 2015. وجاءت خطوات الرئيس ترامب في الملف الفلسطيني لتقول للجميع انه لا يمكن ان تغير الادارة السياسة الامريكية بوصلة قراراتها ن فعلى الرغم من اعتراض الدول العربية والاسلامية ودول عدم الانحياز، والرفض الكامل من الاتحاد الاوربي وروسيا والصين لنقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس تجاهل ترامب كل هذه الاعتراضات. ورغم رفض كل هذه الأطراف الإقليمية والدولية لضم مرتفعات الجولان لإسرائيل قامت الادارة الامريكية بتلك الخطوة دون أن تعير أي اهتمام لهذا الاعتراض من هنا او هناك، وزاد من صعوبة التوقع بوجود مساحة من المرونة في السياسة الخارجية الامريكية تجاه الشرق الاوسط والقضية الفلسطينية رفض الجانب الفلسطيني لصفقة القرن وهو ما جعل الولايات المتحدة جاهزة لتمرير أي خطة اسرائيلية تحقق مضمون صفقة القرن من جانب واحد، وكل المتخصصين في العلاقات الدولية والشئون الدبلوماسية يدركون ان مثل هذه الاجواء لا يمكن ان تكون مناسبة لتحقيق نتيجة ولو بدرجة مقبول، لكن القيادة الإماراتية التي لا تعرف المستحيل، والتي تؤمن وتثق بقدراتها الذاتية وقدرات شعبها رفعت شعار ان "التحدي يساوي فرصة" واشتبكت دبلوماسيا مع الولايات المتحدة واسرائيل وقدمت مقاربتها الجريئة والشجاعة وهو ما أحدث استدارة وتحولا أمريكيا كاملا من الدعم المطلق وغير المشروط لخطة الضم الاسرائيلية الى مطالبة اسرائيل بالتروي والانتظار في البداية ثم الضغط على كل الساسة الاسرائيليين لوقف خطة الضم.

ثمار السلام (5-1)

#بلا_حدود