الاثنين - 17 يناير 2022
الاثنين - 17 يناير 2022
(وام - أرشيفية)

(وام - أرشيفية)

الإمارات وفرنسا.. قيم مشتركة ومصالح استراتيجية

كلاهما ينطلق من رؤية واحدة، لهما أهداف مشتركة في الإقليم العربي والشرق الأوسط وحتى على المستوى الدولي، تتشابه خصال وسمات شعبيهما في التسامح والانفتاح وقبول الآخر. تعزيز السلام والاستقرار ودعم الحلول السياسية والسلمية والدبلوماسية «أدوات البلدين» لبناء عالم خال من النزاعات والصراعات. الاحترام المتبادل والسعي الدؤوب والدائم لاكتشاف مساحات جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني والثقافي «بنود دائمة» على أجندتهما. يشتركان معاً في صياغة كتاب «الثوابت والواقعية»، الذي يقوم على قراءة صحيحة للواقع والمتغيرات الجديدة في المنطقة والعالم، دون التخلي عن الثوابت والإطار الوطني لتاريخهما وثقافتهما المتميزة.

إنها العلاقة النموذجية بين الإمارات وفرنسا، فكما كانت الإمارات الدولة الأولى في الخليج التي يزورها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نوفمبر 2017، في نفس العام الذي تولى فيه الحكم، فإن الإمارات أيضاً هي الدولة الأولى في جولته الخليجية الحالية، والتي تشمل المملكة العربية السعودية وقطر، ما يؤكد التطابق الكبير والشراكة العريضة في القيم والمبادئ والمصالح بين الإمارات وفرنسا، التي ترسخت منذ بدايات تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة منذ 50 عاماً، على يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.

تأتي زيارة الرئيس ماكرون للإمارات بعد مرور أقل من 3 أشهر على الزيارة الثانية لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبو ظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية، إلى فرنسا في 15 سبتمبر الماضي، حيث كانت الزيارة الأولى لسموه إلى باريس عام 2018، فما هي الركائز المستقبلية للعلاقات الإماراتية الفرنسية؟ وكيف يمكن البناء على ما يتمتع به البلدان من إمكانات كبيرة وفرص هائلة يستفيد منها ليس فقط الإمارات وفرنسا، بل كل شركاء البلدين في المنطقة والعالم؟

شراكة استراتيجية

ساعد التقارب في الفكر والرؤية بين الإمارات وفرنسا والزيارات المتبادلة والاتصالات الدائمة على كافة المستويات الفنية والسياسية، في صياغة مجموعة من التفاهمات والاتفاقيات حتى وصلت العلاقة بينهما إلى مستوى العلاقة الاستراتيجية، من خلال الحوار الاستراتيجي بين البلدين، و الذي بدأت الجولة الأولى له عام 2012، وجرت خلال السنوات الماضية 13 جولة من جولات الحوار الاستراتيجي التي ساهمت بشكل فعال في مزيد من الفهم المشترك لاحتياجات البلدين، وتوسيع مجالات التعاون والعمل المشترك، بحسب وزارة الخارجية الإماراتية.

وشكلت الجولة الأخيرة من الحوار الاستراتيجي الإماراتي الفرنسي التي جرت في يونيو 2020 نقلة مهمة في المسيرة المستقبلية للعلاقة الثنائية بين الإمارات وفرنسا بعد أن نجح البلدان في صياغة رؤية مستقبلية لتشجيع ودفع التعاون بينهما في كافة القطاعات والمسارات للعشر سنوات القادمة، والتي تمثل في رسم «خريطة طريق 2030» لكيفية تعزيز وتطوير التعاون بين البلدين الصديقين في كافة المجالات، حسب بيان للخارجية الفرنسية.

مصالح مشتركة

وكما تجمع «القيم المشتركة» كلاً من فرنسا والإمارات فإن هناك أيضاً مصالح عريضة، حيث تحتل الإمارات المرتبة الثانية بين الأسواق التجارية لفرنسا في منطقة الخليج، حيث بلغت التجارة البينية بين البلدين عام 2019 نحو 4.8 مليار يورو، منهم 3.3 مليار يورو صادرات فرنسية، بينما تصدر الإمارات نفطاً ومحروقات فقط بقيمة 1.5 مليار يورو، كما يوجد في الإمارات ما يزيد على 600 فرع للشركات الفرنسية العملاقة، بالإضافة إلى أن الإمارات ثاني أكبر مستثمر خليجي في فرنسا، بحسب موقع وزارة الخارجية الفرنسية على الإنترنت.

دعم متبادل

تدعم كل من فرنسا والإمارات رؤية الدولة الأخرى في مناطق كثيرة من العالم أبرزها دعم فرنسا والإمارات لاستقرار ليبيا وضرورة الذهاب للانتخابات البرلمانية والرئاسية في 24 ديسمبر الجاري واتفاقهما على دعم كل الإجراءات التي تساهم في استقرار لبنان والعراق. وتتفق فرنسا مع كل الخطوات الإماراتية التي تهدف من خلالها إلى تبريد الصراعات وتهدئة التوترات في المنطقة والخطوات الدبلوماسية الرائدة التي قامت بها الإمارات في الفترة الأخيرة، وتعد باريس بلا شروط كافة الإجراءات الإماراتية في مكافحة الإرهاب والفكر المتشدد مثل إصدار القانون الاتحادي رقم 7 لسنة 2014 لمكافحة الجرائم الإرهابية، وتأسيس «مركز صواب» عام 2015 لتصحيح الأفكار المتطرفة، ومصادقة الإمارات على 14 بروتوكولاً واتفاقية لمكافحة الإرهاب، وتقديم الإمارات 30 مليون دولار لفرنسا في مجال مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء، ومشاركة الإمارات في جميع التحالفات الدولية والإقليمية لمحاربة الإرهاب مثل التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، والتحالف الدولي لمحاربة داعش في سوريا والعراق عام 2014، وتنظيم مؤتمرات عالمية بهدف مكافحة الأفكار الظلامية مثل «مؤتمر التسامح والوسطية والحوار في مواجهة التطرف» عام 2018، و«مؤتمر الأخوة الإنسانية» عام 2019.

ولا تنسى فرنسا الدعم الإماراتي الكبير في إجلاء الرعايا الفرنسيين من أفغانستان مع الانسحاب الأمريكي الكامل من أفغانستان بنهاية أغسطس الماضي، حيث عبر وزير الخارجية الفرنسي عن شكره أكثر من مرة للإمارات على هذا الجهد والدعم، على الجانب الآخر تدعم فرنسا التوجه الإماراتي نحو صياغة معادلات جديدة لإحلال السلام والاستقرار والازدهار والرخاء في الشرق الأوسط، كما تدعم فرنسا كافة الأفكار والمشروعات الإماراتية الرائدة منها على سبيل المثال المشاركة الفرنسية المتميزة في «إكسبو 2020» تحت عنوان «الضوء والأنوار».

أكثر من السياسة والاقتصاد

تنظر فرنسا العضو الدائم في مجلس الأمن والشريك الفاعل في حلف الأطلسي، والقائد في منظومة الاتحاد الأوروبي، إلى الإمارات باعتبارها «محور التفاعلات الإقليمية» ليس فقط في المجال السياسي والاقتصادي والأمني، بل في مجالات لا تقل أهمية مثل الصحة والثقافة وريادة الأعمال والتحول الرقمي والاقتصاد الأخضر.

ويرسم الفرنسيون صورة ذهنية زاهية للإمارات وشعبها، حيث تحتل الإمارات مكانة خاصة في عقل وقلب الفرنسيين، ولهذا كانت الإمارات هي الوجهة الأولى والأخيرة والوحيدة في العالم التي يقبل «متحف اللوفر» أن يكون له فرع فيها منذ 9 نوفمبر عام 2017، والذي زاره 2 مليون زائر في أول عامين من افتتاحه. وتعبيراً عن عمق العلاقة التي ربطت المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، فقد تم تسمية الشارع المؤدي لمتحف اللوفر في الإمارات باسم الرئيس جاك شيراك، كما أن الثقة الكاملة في المجتمع الأكاديمي والعلمي الفرنسي في صدق وأمانة وإخلاص القيادة الإماراتية للعلم والعلماء هو ما دفع جامعة السوربون العريقة أن تفتتح لها فرعاً في الإمارات في 18 نوفمبر 2006، وكل هذا لأن فرنسا تدرك أن تغيير الشرق الأوسط والمنطقة العربية يبدأ من عند القيادة الإماراتية التي أثبتت شجاعة ورؤية مستقبلية لما يجب أن تكون عليه منطقة الخليج والإقليم العربي والشرق الأوسط، بل والعالم أجمع، ولهذا اختار نحو 25 ألف فرنسي وناطقون بالفرنسية الحياة والعمل على أرض الإمارات. كما أن الإمارات أصبحت عضواً في منظمة الفرانكفونية منذ عام 2018، ويدرس آلاف الطلاب الإماراتيين اللغة الفرنسية، حسب بيانات للسفارة الفرنسية في الإمارات.

كل هذا يوفر آفاقاً وخططاً مستقبلية للتعاون والشراكة بين البلدين اللذين ينتظرهما تدشين مرحلة جديدة مع لقاءات الرئيس ماكرون في الإمارات مع القيادة الإماراتية.