الخميس - 18 أغسطس 2022
الخميس - 18 أغسطس 2022

الإمارات وروسيا.. شراكة في المصالح وتعاون في تحييد الصراعات

الإمارات وروسيا.. شراكة في المصالح وتعاون في تحييد الصراعات

من الأرض للفضاء هي مساحة التعاون بين البلدين الصديقين، تهدئة الملفات الساخنة والبحث عن حلول لها هي «أهداف مشتركة»، يرفض البلدان أي تهاون أو تخاذل مع الجماعات والتنظيمات الإرهابية والمتشددين والمتطرفين وأصحاب الأفكار الظلامية، عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول والبحث الدائم عن مساحات وفرص جديدة بين الشعوب «عنوان مشترك».

يملك كل منهما الجاذبية الكاملة لتطوير علاقاتهما في جميع الملفات السياسية والاقتصادية والثقافية، يستثمر كل منهما في المكانة التي تحظى بها الدولتين على الساحتين الإقليمية والدولية، تضيف القدرة على بناء تواصل دائم بين القيادة في البلدين أبعاداً جديدة كل يوم للزخم والقوة والعمق والاتساع الذي تتمتع به العلاقة بينهما. أثبتت الأحداث أن العمل المشترك بين القيادة في البلدين يعود بالسلام والاستقرار والرخاء ليس فقط على شعوب المنطقة في الخليج والإقليم العربي وغرب آسيا وكل الشرق الأوسط، بل على المستوى العالمي، والتنسيق في مجال الطاقة بكل تنوعاتها النفطية والجديدة والمتجددة خير شاهد على ما يمكن أن يجنيه العالم من مكاسب نتيجة العلاقة والصداقة بين البلدين.

نموذجية وخصوصية العلاقة بين الإمارات وروسيا تأكدت منذ أيام الاتحاد السوفييتي السابق الذي كان من أوائل الدول التي اعترفت بقيام دولة الإمارات العربية المتحدة في ديسمبر 1971، أي بعد أيام قليلة من إعلان قيام الدولة، واليوم تنظر روسيا إلى دولة الإمارات كشريك ودود وموثوق على الصعيدين الإقليمي والعالمي، كما تتبنى الدولتان مواقف متقاربة بشأن مجموعة واسعة من القضايا على جدول الأعمال الدولي والإقليمي، وتلتزم الدولتان بنظام عالمي قائم على المبادئ المتعددة الأطراف، ودعم الحوار والتفاهم المتبادل بين الأديان والثقافات المختلفة، واحترام قواعد ومبادئ القانون الدولي، وفق بيان للسفارة الإماراتية في موسكو.

وتجسد زيارة رئيس الحكومة الروسية ميخائيل ميشوستين، إلى الإمارات والكلمات والإشادات بدور بالقيادة الإماراتية، والاحتفال بالعيد الوطني لروسيا داخل الجناح الروسي في «إكسبو دبي 2020» الطابع الخاص والإرادة السياسية القوية لدى الإمارات وروسيا من أجل تعزيز العلاقة في كافة القطاعات، والبناء على ما تحقق منذ توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في الأول من يونيو 2018 أثناء زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية، إلى موسكو ولقائه بالرئيس فلاديمير بوتن، الذي سبقت له زيارة الإمارات مرتين، الأولى في سبتمبر 2007، والثانية في 15 أكتوبر 2019، فما هي مسارات وآفاق التعاون بين الإمارات وروسيا؟ وكيف يمكن البناء على هذا الأساس الراسخ التي تجذر وتعمق منذ أيام المغفور له سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه؟

مساحات مشتركة

كان توقيع روسيا والإمارات على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية منذ 3 سنوات رافعة سياسية قوية للعمل المشترك على القضايا والملفات التي تهم البلدين والشعبين، وتشيد روسيا دائماً بالرؤية الإماراتية في مكافحة الإرهاب التي تقوم على النظر للإرهاب باعتباره «عملية متسلسلة» تبدأ بالفكر الخاطئ، وتمر بالتمويل، وصولاً للتنفيذ، وخلال زيارة سمو الشيخ محمد بن زايد بن سلطان، لروسيا تم الاتفاق في يونيو 2018 على ضرورة بناء «تحالف عالمي» لمواجهة التنظيمات والفكر المتطرف، وقالت الإمارات وروسيا «إن الجانبين مقتنعان بأن الانتشار غير المسبوق للإرهاب والتطرف وكذلك الهياكل والتنظيمات التي تهدد أمن الدول وسيادتها، يتطلب من المجتمع العالمي كله اتخاذ تدابير حازمة وجماعية بعيداً عن ممارسة المعايير المزدوجة ومبدأ الانتقائية وبالتوافق مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وإن روسيا والإمارات تدعوان إلى تشكيل تحالف دولي واسع لمكافحة الإرهاب والتطرف يقوم على احترام سيادة الدول، التي عانت مباشرة من العمليات الإرهابية».

وتتفق روسيا والإمارات على ضرورة إخلاء كل منطقة الشرق الأوسط من جميع أسلحة الدمار الشامل، وعلى ضرورة عودة سوريا إلى مقعدها الدائم في جامعة الدول العربية من أجل الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية السورية، لهذا رحبت روسيا بزيارة سمو الشيخ عبدالله بن زايد لسوريا في 9 نوفمبر الماضي، وتدعم روسيا والإمارات إجراء الانتخابات في ليبيا المقرر لها في 24 ديسمبر الجاري، حيث شاركت كل من الإمارات وروسيا في جميع المؤتمرات الدولية التي تهدف لتحقيق الاستقرار والسلام في ليبيا، حيث شاركت روسيا والإمارات في مؤتمر برلين الأول في 19 يناير 2020، وبرلين الثاني في 23 يونيو الماضي، ومؤتمر باريس للاستقرار في ليبيا في 12 نوفمبر من العام الجاري، كما تشترك روسيا مع الإمارات في دعم استقرار الطاقة العالمي.

مكاسب للشعبين

تشكل العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الإمارات وروسيا دليلاً قوياً على ما ينتظر العلاقة بين البلدين من آفاق واسعة خلال السنوات المقبلة، ولعل كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، هي أوضح دليل على قوة وتشعب العلاقات الاقتصادية بين روسيا والإمارات عندما غرد على تويتر بعد استقباله رئيس الوزراء الروسي قائلاً «علاقاتنا مع روسيا متميزة، 80% من الاستثمارات العربية في روسيا إماراتية، و90% من استثمارات روسيا في العالم العربي في الإمارات، لدينا 4000 شركة روسية ونحن الشريك التجاري الأكبر لروسيا خليجياً».

وتضاعفت التجارة بين روسيا والإمارات 10 مرات منذ عام 1997 عندما عقدت لأول مرة أعمال اللجنة الحكومية المشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري والفني بين الإمارات وروسيا الاتحادية، بحسب ما قاله وزير الصناعة والتجارة الروسي، دينيس مانتوروف، والذي توقع أن تنمو التجارة البينية بين الإمارات وروسيا إلى 4.5 أو 5 مليارات دولار بنهاية العام الجاري.

وتوجد هناك استثمارات إماراتية في 60 مشروعاً روسياً، كما توجد في الإمارات نحو 576 علامة تجارية و25 وكالة روسية حتى عام 2018، بحسب ما قال لوكالة الأنباء الإماراتية «وام» سعادة عبدالله آل صالح وكيل وزارة الاقتصاد لشؤون التجارة الخارجية في 13 أكتوبر 2018.

وبلغ التبادل التجاري بين البلدين في الفترة من 2015 حتى 2020 نحو 55 مليار درهم، وفق بيانات وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية، وتنظر روسيا إلى الإمارات باعتبارها بوابة للاستثمارات والصناعات الروسية، ومركزاً لاستيراد وتصدير السلع والبضائع الروسية إلى مختلف دول الشرق الأوسط وأفريقيا، وفق ما قاله عبدالله سلطان العويس، نائب رئيس اتحاد غرف الإمارات، رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة الشارقة، رئيس مجلس الأعمال الإماراتي الروسي، خلال زيارة وفد الأعمال الإماراتي لروسيا في سبتمبر من العام الجاري.

كل هذا يؤكد أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تشهد تقدماً سريعاً في مختلف المجالات، لا سيما مجالات الاقتصاد الجديد مثل الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي والابتكار والاقتصاد الدائري ومختلف القطاعات الاقتصادية الجديدة، إلى جانب مختلف القطاعات الحيوية، وفق ما قاله عبدالله بن طوق المري، وزير الاقتصاد، خلال أعمال الدورة العاشرة من اللجنة الحكومية المشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري والفني بين الإمارات وروسيا الاتحادية بدبي في 16 نوفمبر الماضي، والتي شهدت التوصل إلى وضع خارطة طريق اقتصادية جديدة من خلال التوصل لإطار قوي للتعاون بين البلدين يشمل 12 مجالاً وقطاعاً ومسارا اقتصاديا مستقبلياً يشمل ملفات التجارة والاستثمارات، والطاقة، والصناعة والابتكار، والخدمات المالية والمصرفية والجمارك، والأمن الغذائي والزراعة، والتعليم والنقل، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والإعلام والثقافة، والسياحة، والرياضة، وحماية البيئة وإدارة الموارد الطبيعة، والاقتصاد الدائري، والثورة الصناعية الرابعة، والفضاء.

آفاق بعيدة

ولا تتوقف العلاقات الاقتصادية عند هذا الحد، فالقطاع السياحي يمثل ركيزة أساسية للتعاون بين البلدين، حيث زار الإمارات في عام 2018 نحو مليون سائح روسي، كما استأنفت شركات الطيران الروسية والإماراتية رحلاتها إلى عدة وجهات في البلدين، وهناك تعاون في مجال اللقاحات، وبروز التعاون في مجال الفضاء، حيث أثمر التعاون بين البلدين عن وصول هزاع المنصوري أول رائد فضاء عربي إماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، التي قضى فيها 8 أيام ضمن بعثة فضاء روسية.