الأربعاء - 19 يناير 2022
الأربعاء - 19 يناير 2022
رفع السرية عن أرشيف الحرب الجزائرية «غير كفيل» بإرضاء الجزائر. (أ ف ب)

رفع السرية عن أرشيف الحرب الجزائرية «غير كفيل» بإرضاء الجزائر. (أ ف ب)

رغم رفع السرية عن أرشيف الحرب.. العلاقات الاقتصادية الجزائرية الفرنسية نحو الغموض

قررت فرنسا رفع السرية عن أرشيف التحقيقات القضائية الخاص بحرب التحرير الجزائرية (1954 - 1962)، فيما اُعتبر غير كفيل بجعل النظام الجزائري يرضى من جديد عن الشركات الفرنسية، ويفسح المجال أمامها للعودة بقوة إلى السوق الجزائرية، بعدما أنهت الجزائر في الفترة الأخيرة تعاملاتها مع مجموعة الشركات الفرنسية.

غضب جزائري واستمالة فرنسية

كان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قد شكك، في أكتوبر المنصرم، في «وجود أمة جزائرية» قبل الاستعمار الفرنسي للجزائر، كما انتقد النظام الجزائري بشكل حاد، ما أثار غضب الجزائر، التي ردت حينها، باستدعاء سفيرها في باريس للتشاور، وإغلاق المجال الجوي الجزائري أمام الطائرات العسكرية الفرنسية، التي كانت تمر فوق الأجواء الجزائرية أثناء توجهها إلى منطقة الساحل الأفريقي.

كما استدعت وزارة الخارجية الجزائرية، السفير الفرنسي في الجزائر، فرانسوا غوييت، للاحتجاج على تخفيض التأشيرات الفرنسية الممنوحة للجزائريين، وذلك في إطار قرار فرنسي يخص أيضاً المغرب وتونس.

مكاسب انتخابية لماكرون

وقال المؤرخ الجزائري، رئيس قسم التاريخ في جامعة سعيدة بالجزائر، عبدالرحمن قدوري «رفع السرية عن الأرشيف الخاص بحرب التحرير الجزائرية، قبل 15 عاماً من المهلة القانونية، خطوة تأتي في سياق تهدئة الأوضاع بين الجزائر وفرنسا، وبعد تلميحات في الفترة الماضية لماكرون، وطاقمه الوزاري، بخصوص طرح موضوع الأرشيف، وعرضه للباحثين، ولو بشكل جزئي، وتخدم الخطوة كلا البلدين، خاصة أن فرنسا مقبلة على محطة سياسية مهمة جداً، وهي الانتخابات الرئاسية (أبريل 2022)».

وأضاف في تصريحات خاصة «من مصلحة ماكرون، أن ينال أصوات الجالية الجزائرية الموجودة في فرنسا، وكل الجاليات العربية والإسلامية الأخرى، وخاصة الجالية المغاربية (المغرب، والجزائر، وتونس، وموريتانيا، وليبيا)، نظراً لأنها كتلة ناخبة قوية في فرنسا، وبالتالي فوزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، والرئيس ماكرون، يحاولان قدر المستطاع، توظيف هذا الملف في هذه المرحلة».

حقائق الأرشيف

ورداً عن سؤال «هل يكشف هذا الأرشيف عن الحقائق كاملة؟»، قال قدوري «لا ندري ما طبيعة الوثائق، التي سينشرها الطرف الفرنسي، ولكن من المؤكد ستكون خادمة لمصلحة فرنسا، ولن تخدم الطرف الجزائري في جزء معين، لأن الطرف الفرنسي سيبحث عن مصلحته في كشف هذه الوثائق والملفات».

وتابع قائلاً «الطرف الجزائري، وخاصة النخب، يسعى إلى البحث عن الحقيقة، وكشف المستور في تاريخ الجزائر، وخصوصاً في الفترة الزمنية من 1954 - 1962، إذ هناك الكثير من الجوانب التي تحتاج إلى توضيح، وشرح، وتنوير، للرأي العام، خاصة في ما يتعلق بالجرائم المرتكبة في الجزائر».

ونصح قدوري بـ«ضرورة أن تبقى هذه الملفات، التي سيكشف عنها، لدى النخب، والمؤرخين، والباحثين، والمكلفين بدراسة الملفات والوثائق الأرشيفية، لدراستها وتحليلها، ولا ينبغي أن يتم تداولها لدى العامة، لأن فيها جوانب متعلقة بملف مساعدة بعض الجزائريين الاحتلال الفرنسي، وملف التجارب النووية الفرنسية ما بين النظام السياسي الجزائري وفرنسا».

جرائم فرنسا في الجزائر

ومن جانبه، قال المؤرخ الجزائري، محمد لحسن زغيدي «فرنسا قامت طيلة 132 سنة من استعمارها الجزائر بكل الأعمال الوحشية؛ من تكسير للهوية وكل ما يتعلق بالشخصية المميزة للجزائر؛ كالإسلام، والعروبة، والعادات والتقاليد، وتأميم ونزع الملكية لكل الجزائريين، الذين كانوا يعيشون في رغد، إلى جانب عمليات القتل بكل أنواعه؛ من خلال الإحراق، والإبادة الجماعية لسكان مناطق عدة، حتى قمع الثورة التحريرية، التي استشهد خلالها مليون ونصف شهيد، إضافة إلى.. زرع أكثر من 11 مليون لغم على الحدود المغربية والتونسية».

وأضاف في تصريحات خاصة «أرشيف التحقيقات القضائية لحرب التحرير الجزائرية، التي سترفع عنها السرية، لن تكشف الحقائق كما هي.. وهل تنتظر من دولة سن برلمانها في فبراير 2004 قانوناً لتمجيد الاستعمار، أن تعتذر؟!»، مبرزاً أن «الاعتذار تترتب عليه أمور قانونية عدة، أبسطها تعويض المتضررين».

أرشيف ملغم

وأوضح زغيدي أن «هذا الأرشيف الذي تحدثت عنه وزيرة الثقافة الفرنسية، روزلين باشلو، هو أرشيف ملغم تاريخياً»، مبيناً أن «التقارير التي يحتوي عليها أرشيف البوليس والدرك، وهما، هيئتان قامتا بعمليات الاستجواب والتعذيب، والتقارير هي عن محاضر استجواب، تحت ضغوط التعذيب والتنكيل، ولذلك فمن يتم استجوابه يقول كلاماً لا يعيه، لأنه لا يكون في وعيه، ويتكلم ويُوقِّع تحت الإكراه والخوف، لأنه يرى الموت أمامه، والتعذيب، ولذلك فكاتب التقرير يستطيع أن يكتب ما يشاء، وكيفما يشاء».

واستطرد زغيدي قائلاً «على سبيل المثال، المحامي والمناضل الجزائري، علي بومنجل، الذي اعترف ماكرون أخيراً بتعرضه للتعذيب والقتل، على أيدي الجيش الفرنسي قبل 64 سنة، كانت التقارير الفرنسية تقول إنه انتحر، ونفس الأمر بالنسبة للمناضل اليساري الفرنسي في صفوف الثورة الجزائرية، موريس أودان، الذي قتله الجيش الفرنسي، وكانت التقارير الفرنسية قبل اكتشاف الحقيقة تقول أيضاً إنه انتحر».

التداعيات الاقتصادية

ومن جهته، قال الخبير الاقتصادي الجزائري، سليمان ناصر «لا أعتقد أن القرار الفرنسي، سيتسبب في رضا النظام الجزائري من جديد عن الشركات الفرنسية، وإفساح المجال لها للعودة إلى السوق الجزائرية، وأن فرنسا لن تحقق من وراء هذا القرار استفادة اقتصادية، نظراً لعمق الجرح الناتج عن الجرائم الفرنسية في الجزائر الغنية عن التعريف، وبسبب الماضي الاستعماري الأسود لفرنسا، والتجارب النووية التي قامت بها في الصحراء، والتي لا تزال الناس تعاني من مشاكل صحية بسببها إلى حد الآن، إضافة إلى تصريحات الرئيس ماكرون المسيئة، التي تحدث فيها عن عدم وجود أمة جزائرية قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر».

وأضاف في تصريحات خاصة «خطوة رفع السرية عن الأرشيف لن تُرجع العلاقات والتعاملات الاقتصادية بين البلدين إلى ما كانت عليه، لأن هناك رفضاً شعبياً جزائرياً للتعامل مع مستعمر الأمس، كما أن القيادة السياسية الجزائرية أيضاً ليس لديها رغبة كبيرة في تنشيط التعامل الاقتصادي مع فرنسا، والدليل على ذلك، هو إنهاء العقود مع شركة تسيير المياه، وشركة تسيير المترو الفرنسيتين، وغيرهما من الشركات الفرنسية الأخرى التي كانت تعمل في الجزائر، إضافة إلى توجه هذه الأخيرة إلى استيراد القمح من روسيا، ومن بلدان أخرى، بعدما كانت تستورده في السابق بشكل أساسي من فرنسا».

تراجع نفوذ فرنسا الاقتصادي

وأوضح ناصر أن «فرنسا فقدت أصلاً الكثير من مصالحها الاقتصادية في الجزائر، حتى قبل الأزمة الحالية بين البلدين، وذلك بسبب التوسع الصيني، والتركي، وجاءت بعدها تصريحات ماكرون، التي قضت، على ما تبقى، وأن زيارة العمل، وتقييم العلاقات الثنائية، التي قام بها وزير الخارجية الفرنسي لودريان، إلى الجزائر الأربعاء المنصرم، جاءت في الوقت بدل الضائع، لكنها من المستحيل أن تعيد العلاقات الاقتصادية الجزائرية-الفرنسية إلى سابق عقدها، وإذا عادت العلاقات الاقتصادية، فسيكون ذلك بمستويات أقل بكثير مما كانت عليه في السابق».

ترميم العلاقات الاقتصادية

وبخصوص التحركات التي تنتظرها الجزائر من فرنسا، لكي تعود إلى التعامل بشكل كبير مع الشركات الفرنسية كما كان الوضع في السابق، أفاد ناصر أن «الرئيس الجزائري، عبدالمجيد تبون، أعلن عن ذلك بكل صراحة ووضوح، مشترطاً أمرين اثنين؛ الأول يخص تقديم الاعتذار عما ارتكبته فرنسا، وخصوصاً الاعتذار عن التصريحات الأخيرة لماكرون، والثاني يتعلق بالتعامل مع الجزائر بسياسة الند للند، وليس التعامل معها بشكل فوقي، أو باعتبارها مستعمرة فرنسية قديمة، ولكن كبلد ذي سيادة».

واستطرد قائلاً «أستبعد أن تعتذر فرنسا عن تصريحات ماكرون في الأجل القصير، وحتى إن تحقق ذلك، فسيكون فقط بداية الخطوات نحو إعادة البناء، التي ستتطلب وقتاً وسنوات، لإعادة ترميم العلاقات الاقتصادية».