الخميس - 20 يناير 2022
الخميس - 20 يناير 2022
No Image Info

حوار | زياد بهاء الدين: الاقتصاد العالمي يدير ظهره للجائحة «تدريجياً وببطء»

  • الاتجاه بشكل عام سيكون تصاعدياً إلى مزيد من النشاط والإنتاج
  • اضطرابات سلاسل الإمداد والتوزيع قابلة للتجاوز بمرور الوقت
  • الاقتصاد الصيني سيصبح عاجلاً أم أجلاً الأكبر في العالم
  • أمريكا والكتلة الأوروبية ستظل في الصدارة بالمجالات الحيوية
  • الاقتصادات الخليجية دخلت مرحلة «الأكثر ارتباطاً» بالاقتصاد العالمي

في مستهل عام جديد، ووسط ضبابية المشهد الاقتصادي العالمي، الذي ما زال متأثراً بتداعيات جائحة كورونا، تبدو أهمية قراءة واقع ومستقبل الأوضاع الاقتصادية، على الساحة العالمية والعربية، خاصة في ظل حالة «الشك» التي انتابت الكثيرين مع اتساع دائرة إصابات أوميكرون أحدث متحوارات كوفيد-19. أسئلة كثيرة ما زالت تبحث عن إجابات في ما يتعلق بالمرحلة المقبلة من عمر الاقتصاد العالمي والعربي.

«الرؤية» حاورت الدكتور زياد بهاء الدين، نائب رئيس وزراء مصر الأسبق، وزير التعاون الدولي سابقاً، في محاولة لإزاحة الستار عن الكثير من الحقائق التي تعتري مستقبل الاقتصاد العالمي، وكيف يمكن الوصول إلى التعافي الكامل من التداعيات التي تعاني منها اقتصادات الدول تحت وطأة الجائحة. وأوضح بهاء الدين أن الاقتصاد العالمي بدأ مرحلة التعافي التدريجي، وسيشهد العالم مزيداً من النشاط الاقتصادي خلال 2022، إلا أنه سيواكب موجة تضخمية عالمية، من المتوقع أن يكون لها تأثير كبير على العالم والدول النامية تحديداً.

هل بدأ الاقتصاد العالمي أولى خطوات التعافي بعد الجائحة؟

مستقبل الاقتصاد العالمي في العام الجديد، يرتبط حتماً بتطورات جائحة كورونا، لأنها كانت السبب الرئيسي في التباطؤ الذي شهده العالم كله خلال العامين الماضيين، وبالتالي الإجابة عن السؤال ليست مستقلة عمّا تؤول إليه الجائحة. والواضح أن هناك قدراً من التفاؤل تجاه الجائحة التي ربما لم تنتهِ أو تنحصر، لكنها تطورت إلى شكل أو نمط يمكن التعامل معه بارتياح أكبر، لاقتناع الحكومات والشعوب بأن الحياة يجب أن تستمر، إذاً هناك قدر من التفاؤل الحذر بأن الجائحة لن تكون عائقاً كبيراً أمام استعادة الاقتصاد العالمي نشاطه السابق، هذا من ناحية الجائحة، أما من ناحية الاقتصاد العالمي نفسه، فالواضح أنه بدأ يتعافى تدريجياً في بعض أنحاء العالم أكثر من غيرها، لكن من الواضح أن الاتجاه بشكل عام سيكون تصاعدياً إلى مزيد من النشاط، ومزيد من الإنتاج، ومزيد من التصدير والسفر والسياحة، فإن لم يبلغ مستواه السابق على كورونا بنهاية العام، فبالتأكيد سيكون قطع شوطاً كبيراً في هذا الاتجاه.

لكن عادت التخوفات تطل برأسها مجدداً نتيجة إغلاقات أوميكرون؟

في تقديري، سيكون هناك تأثير بالتأكيد، لكن هناك 3 متغيرات حدثت في الوقت نفسه بعد عامين على فيروس كورونا؛ الأول هو أنه يبدو أن المرض نفسه أخذ منحنى أقل شدة وأقل خطورة، والثاني أنه خلال العامين الماضيين تزايدت الاكتشافات الطبية في اللقاحات، بل وفي الدواء الآن، حيث يجري الحديث حالياً اكتشاف دواء للمرض نفسه، فالتقدم الهائل والسريع مؤشر آخر في أننا نتأثر بدرجة أقل بكورونا مقارنة بالعامين الماضيين، وثالثاً فإنني أعتقد أن تجربة العالم كله في الإغلاق الشديد، خصوصاً في العام الأول لكورونا، لم تعد نموذجاً قابلاً للتكرار، وأظن أن العالم انتهى إلى أنه حتى في وجود كورونا، ينبغي اتخاذ بعض الإجراءات الاحترازية، وتجنب غلق النشاط والسفر، وتجنب التعامل على نحو ما جرى في العام الأول لكورونا، وبشكل أقل في السنة الثانية. هذه المتغيرات الثلاثة سوياً تجعلني أرجح أنه ربما لن تنحصر كورونا بالضرورة، ولكن تأثيرها الاقتصادي سيكون أخف بكثير.

من وجهة نظرك ما العوامل التي ستساعد على الإسراع من التعافي؟

هناك عدة تحديات تواجه الاقتصاد العالمي في 2022؛ التحدي الأول هو الاضطراب الذي حدث في سلاسل الإمداد والتوزيع، والذي أدى إلى أنه حتى بعد أن عاد الطلب على الأجهزة والمنتجات والمواد الوسيطة، نجد اختناقات شديدة للغاية، لم يتم أخذها بالحسبان، في الإنتاج في بعض الأشياء، وفي التوزيع والنقل واللوجيستيات كما يقال، وهذا هو تحدٍ كبير، لكنه قابل للتجاوز بمرور الوقت، لأن الأسواق تتأقلم، وسيكون هناك تأقلم سريع على ضبط هذا الاضطراب في الإنتاج والتوزيع، بمعنى آخر أن رؤوس الأموال ستتجه للاستثمار في الأماكن التي يمكنها أن تصبح مراكز جديدة للتوزيع، لأن الاستثمار سيزيد أيضاً في مجال اللوجستيات والنقل، وبالتالي الأسواق كفيلة بأن تضبط نفسها على تجاوز مشكلات أو اضطراب الإنتاج والتوزيع.

التحدي الثاني هو عدم وضوح الرؤية في أسعار الطاقة، سواء في أسعار البترول أو الغاز الطبيعي، وهذا بالطبع له تأثير كبير على الاقتصاد العالمي، ولكني أتصور أنه لن يختلف عن الصدمات السابقة التي شاهدناها في مجال تذبذب أسعار البترول والطاقة، وإذا كانت هناك رغبة لدى المجتمع الدولي وخصوصاً منظمة الأوبك في ضبط هذا الموضوع، فلا أتصور أنه تحدي طويل المدى.

التحدي الثالث الذي يتحدث عنه عدد كبير من الاقتصاديين المتخصصين في مجال التمويل والمالية، هو الخشية من التضخم العالمي الكبير، وأن يكون العالم مقبلاً على فترة بها تضخم، يتسبب فيه من جانب ارتفاع الطلب، والطلب المكبوت، خلال عامي كورونا الماضيين، ويقابله من ناحية أخرى اضطراب في العرض بسبب مشكلات الإنتاج والتوزيع التي تحدثت عنها، هذا كله يبدو أنه قد يؤدي إلى تضخم خلال عام 2022.

معنى ذلك أننا سنشهد تضخماً عالمياً؟

في إطار متابعتي للتوقعات العالمية، والمتخصصين عالمياً في مجال الاقتصاد المالي، فإنه من المرجح أن تكون هناك موجة تضخم عالمية جديدة.

ما تأثير هذه الموجة على العالم خاصة الدول النامية؟

تأثيرها سيكون كبيراً بالطبع، لأنه من الممكن أن تنتقل موجة الغلاء التي بدأت في بعض الدول الصناعية الكبرى، وهناك خشية من أن تنتقل إلى بعض الدول الأخرى أو كل العالم، هذه هي إحدى المخاوف، الأمر الآخر أنه مع ارتفاع التضخم، يرجح بعض المحللين أن ترتفع أسعار الفائدة في العالم كله، وبرغم أن ذلك سيحقق مكاسب سريعة للطبقة الوسطى صاحبة المدخرات، لكنه في النهاية سيؤدي إلى زيادة الدين العام على الحكومات، وصعوبة الاستثمار في ظل ارتفاع تكلفة التمويل.

المخاطر من التضخم العالمي حقيقية، وفقاً لمتابعتي حواراً مهماً جارياً في العالم كله، وما زالت هناك تساؤلات ما بين: هل بالفعل ستكون هناك موجة تضخمية، وهل بالفعل آثارها ستطول العالم كله، أم ستكون مسألة عابرة.

هل هناك تعارض بين فكرة التعافي التدريجي وحدوث موجة تضخم عالمية؟

ما أقصده بالتعافي هو دوران عجلة الاقتصاد في الإنتاج والتوزيع والتصدير والسياحة والاستثمار، كل هذه العوامل أظن أنها ستشهد تحسناً خلال العام الجاري، أما التضخم فسيكون قيداً، مثلما كل شيء تحدث له قيود، فقد يحد من الاستثمار في بعض البلاد التي تتأثر به بشدة، وقد يحد من التوسع في شراء معدات جديدة، لكن أظن أن الاتجاه الغالب سوف يكون نحو مزيد من التوسع، وليس الانكماش، فالتعافي سيكون تدريجياً وبطيئاً ربما، لكني متفائل أن عام 2022 سيكون أفضل من العامين الماضيين، وهو تفاؤل حذر، ولكن أتوقع تغييراً ليس فقط في معدلات النمو والإنتاج والتصدير والتشغيل، ولكن أيضاً في الدروس المختلفة التي تعلمها العالم كله، وتمكنه من تلقي صدمات بشكل أفضل مستقبلاً.

هل التعافي والاستقرار السياسي لبعض الدول هو بداية للتعافي الاقتصادي؟

لا يوجد شك أن الاستقرار السياسي في حد ذاته من أهم عناصر النمو والنجاح الاقتصادي، لكن المهم هو التفكير في مفهوم الاستقرار السياسي، لأن جزءاً كبيراً منه خصوصاً في المنطقة العربية، وما مرت به من مشكلات عديدة في العقدين الماضيين، جزءاً كبيراً من هذا المفهوم يسبقه الاستقرار الأمني، فالاستقرار الأمني جزء كبير من الاستقرار السياسي، وحيث لا يوجد أمن يصعب وجود أي نوع من النشاط الاقتصادي، وبعد الاستقرار الأمني تأتي بالطبع فكرة الاستقرار السياسي، بمعنى أن أكثر ما يشغل المستثمرين، سواء كانوا محليين أو أجانب، هو أن تستمر ضوابط اللعبة مستقرة ولا تتعرض لتغيرات كثيرة لمدة زمنية، فالاستقرار هنا ضروري لمنح الأمن ومنح انضباط القواعد التي يجري بها الاقتصاد.



تقارير تتوقع تصدر الصين الاقتصاد العالمي.. إلى أي مدى تتفق مع هذا؟

من الناحية الإحصائية، لا أظن أن هناك من يشك في أن الاقتصاد الصيني سوف يصبح عاجلاً أم أجلاً هو الاقتصاد الأكبر في العالم، لكن هذا لا يعني أن يكون بالضرورة الاقتصاد المسيطر، وما أقصده هو أن حجم دولة الصين وعدد المواطنين وحجم الاستهلاك المحلي، يجعل الصين تنمو وتفُوق غيرها من الدول، لكن أظن أن أمريكا على وجه التحديد والكتلة الأوروبية ستظل لها الصدارة حتى لو كان حجمها يحتل المرتبة الثانية أو الثالثة، ستظل لها الصدارة في بعض المجالات الحيوية التي تجعل فكرة حجم الاقتصاد شيئاً، وقوة الاقتصاد وتأثيره على العالم شيئاً مختلفاً، فالصين بالتأكيد هي الطاغية في مجال إنتاج سلع معينة، لكن مثلاً لا تزال أسواق المال العالمية المتقدم فيها هي الأسواق الأمريكية والأوروبية، ولا يزال إنتاج بعض السلع التكنولوجية متقدماً في أمريكا وأوروبا أكثر مما هو في الصين، فمن ناحية الحجم لا شك أن الصين ستصل لهذه النقطة قريباً، لكن الاقتصاد الأمريكي سيظل الأكثر تأثيراً في بعض المجالات المالية والتكنولوجية لفترة طويلة.

من الاقتصاد الدولي إلى المنطقة العربية.. كيف ترى الوضع الاقتصادي؟

هناك تباين بين اقتصادات الدول العربية، وهو أكبر من أن يسمح بالتعليق عليها تعليقاً شاملاً، نحن أمام بعض الدول -خاصة في منطقة الخليج- صاحبة اقتصادات قوية ومتعافية، والأهم منذ ذلك دخولها مرحلة جديدة من التحديث والارتباط الأكثر بالاقتصاد العالمي، على نحو ما تشهده الإمارات، والسعودية، لكن نحن في الوقت نفسه على النقيض الآخر حيال ما لا يقل عن 5 أو 6 دول عربية، لا تزال معرضة بدرجة أو بأخرى للصراعات المسلحة والحروب الأهلية، والانهيار التام، الذي يجعل قضيتها اليوم ليست النمو الاقتصادي، وإنما مجرد استرداد شكل الدولة، وسيادة المؤسسات مرة أخرى. وما بين النقيضين هناك بعض البلدان الأخرى عدداً وثقلاً، مثل مصر، لديها قدر كبير من الاستقرار واحتياجات تنموية معتادة، يعاني منها العالم كله، وعدد من الدول التي ربما مستقرة سياسياً لكن اقتصادها صغير للغاية ومتأثرة بمن حولها، فهناك أكثر من نمط للنمو الاقتصادي في المنطقة العربية.

في اعتقادك.. هل غيرت الجائحة معايير المؤسسات المالية المانحة؟

هذا يرجع لسياسات المنظمات الدولية المختلفة، ودعونا نبتعد عن افتراض أي دول ستحظى أو لا تحظى، ولنتحدث عن التغير الجاري في طبيعة المنح، فقد جرى العمل على أن تكون المنح مقابل تطبيق برامج إصلاح اقتصادي معينة، والواضح أن ذلك سيزيد من أهمية العنصر المتعلق بالحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية، هذا عنصر أصبح حاسماً في المنح.

أما العنصر الثاني فهو ما يسمى وجود حد أدنى من قواعد الحوكمة على كل المستويات، على مستوى الدولة، والمؤسسات، ومكافحة الفساد، ونظم المناقصات والمزايدات، ثم بعض الاعتبارات المتعلقة بالعدالة والمساواة بين أفراد الوطن الواحد، وخصوصاً في ما يتعلق بمشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي، وهذه 3 اعتبارات سيزيد وزنها أهمية في قرار منح الدول من المنظمات الدولية.

ما تقييمك للاقتصاد الإماراتي ووضعه في الوقت الراهن؟

الاقتصاد الإماراتي خلال العقود الماضية، برز كأحد أهم وأنجح الاقتصادات العربية والعالمية، وما زال يتصدر الكثير من المؤشرات الدولية في سهولة القيام بالأعمال، وفي الجاذبية للاستثمار، وفي سهولة إنشاء الشركات وإغلاقها، وفي جودة الخدمات المصرفية والحكومية، كل هذه أشياء تميز بها الاقتصاد الإماراتي خلال السنوات الماضية، وجعلت الإمارات أحد البلدان المعدودة التي تتصدر العالم، وأقوى ما في الاقتصاد الإماراتي هو السرعة على التأقلم، والقدرة على التكيف والتغير مع التغيرات العالمية، إلى جانب وجود قاعدة إنتاج طاقة قوية للغاية تمد الاقتصاد الإماراتي بالسيولة المطلوبة، لكن الاقتصاد الإماراتي لم يتوقف عند الاعتماد على المصادر الطبيعية للطاقة، وإنما استفاد منها وبنى عليها صناعات وخدمات وتجارة ومصارف، بسبب هذه القدرة الفريدة على التأقلم والتكيف مع متغيرات العالم، لذا أتوقع استمرار هذه الوتيرة.