الأربعاء - 24 يوليو 2024
الأربعاء - 24 يوليو 2024

فرنسيس.. بابا بمقام مصلح أخلاقي

فرنسيس.. بابا بمقام مصلح أخلاقي
في 17 ديسمبر عام 1936 كان مولد «خورخيو بيرغوليو» الطفل الذي سيصبح لاحقاً البابا فرنسيس رأس الكنيسة الكاثوليكية الرومانية.

83 عاماً انقضت في حياة الرجل ذي الرداء الأبيض، 7 منها على كرسي ماربطرس، أحدث فيها نقلة نوعية غير مسبوقة في تاريخ باباوات روما، لا سيما على صعيد العلاقات مع العالمين العربي والإسلامي، وقبلها عاش الرجل مناضلاً لمدة طويلة جداً في طريق الإنسانية المتألمة في بلاده، الأرجنتين، ذلك الجزء من القارة الأمريكية اللاتينية الذي عانى ولا يزال اضطرابات إنسانية، واجتماعية، واقتصادية، وفكرية، وقد بدأ كفاحه من فني كيميائي يعمل حارساً بعض الأوقات في المساء، وصولاً إلى رئيس أساقفة الأرجنتين، والتي عرف فيها بحبه للفقراء ومساندته للمتألمين.

وتميز عام 2019 بإطلاق فرنسيس دعوات تتجاوز الأعراق والقوميات، الأديان والمذاهب، الطوائف والملل والنحل، إذ كانت توجهاته أقرب إلى المصلح الكوني الكبير، منه فقط إلى رأس كنيسة بعينها حتى وإن كانت الأكبر من حيث العدد والتأثير في مقدرات عالمنا المعاصر.



الحوار.. عبور من التسامح للتعايش

شهد عام 2019 تميزاً كبيراً في تاريخ العلاقة بين الشرق والغرب، الإسلام والمسيحية، ففيه تم توقيع وثيقة «الأخوة الإنسانية» على أرض دولة الإمارات في فبراير الماضي.

«على العائلة البشرية أن تعبر من التسامح البسيط إلى التعايش الحقيقي والمسالم»، هذا ما طلبه البابا فرنسيس نهار الاثنين 18 نوفمبر الماضي من المشاركين في لقاء نظمه معهد الحوار بين الأديان في الأرجنتين حول وثيقة «الأخوة الإنسانية».

أسئلة عديدة تطرح حول جدوى الحوار بين أتباع الأديان والثقافات، والجواب عند فرنسيس أنه في «عالمنا الحالي الهش، الحوار بين أتباع الأديان ليس إشارة ضعف، فهو يجد سبب وجوده في حوار الله مع البشرية».



ويضيف «إن هوية كل ديانة هي أشبه بمفتاح الحوار بين الأديان، هذا المفتاح لا يمكن من خلاله التفاوض على الهوية، لأنكم إن فاوضتم عليها، لا يعود هناك حوار بل رضوخ».

يومها أيضاً أضاف البابا على مسامع مواطني بلده الأم «بالنسبة إلى الديانات، يتعلق الأمر ببناء جسور، وهذا الأمر طارئ اليوم، إن الديانات وبطريقة خاصة، لا يمكنها أن تتنازل عن مهمة بناء الجسور بين الشعوب والثقافات».

في تعاليمه يتطرق فرنسيس دوماً إلى فكرة النضال ضد أي إقصاء، بهدف بناء مجتمعات شاملة، ويتساءل ويدعو من حوله للتفكر والتدبر «كيف نتصرف لنجعل التضمين يغلب الإقصاء باسم انتمائه الخاص؟ ماذا يمكننا أن نفعل لتصبح الديانات أخوة بدلاً من كونها حواجز انقسامات؟».



في مقابلته العامة بتاريخ السادس من نوفمبر الماضي كان فرنسيس يوجه رسالة للحجاج الناطقين باللغة العربية والذين أتوا من الشرق الأوسط، وكانوا متواجدين في ساحة القديس بطرس في ذلك النهار، شجعهم فيها على أن يفتحوا لمن يقرع الباب قائلاً: «أيها الأخوة والأخوات، أمام الكثير من المعاناة في زمننا هذا، فلنطلب من الرب أن يجعل منا بناة جسور.. ولنفتح قلوبنا على حاجات الأكثر فقراً، ومن هم بلا دفاع، والعاطلين عن العمل، ومن يطرقون بابنا بحثاً عن خبز أو مأوى أو اعتراف بكرامتهم».

في عيد ميلاده الـ84 يبقى فرنسيس جسراً للمودات، وبابا للوفاق في زمن الافتراق، وعلامة للتصالح والتسامح في زمن الإقصاء والعزل، إنه فعلاً وقولاً «بابا إصلاح القلب»، وحتى إن كان يعيش برئة واحدة إلا أنه يحمل الجميع في قلبه الكبير.

لم يتوانَ فرنسيس عن التحذير من خطر الحروب، لا سيما الحرب العالمية الواقفة خلف الباب، تشتهي أن تتسيد على البشر في العقدين الأخيرين.

في يوليو من العام الحالي، وخلال رسالة وجهها فرنسيس إلى المركز الثقافي اليهودي في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس بمناسبة مرور 25 عاماً على الاعتداء الذي أوقع عشرات القتلي والجرحي في 18 يوليو 1994، كتب يقول: «هذا الجنون (الإرهاب) لم يكن قاصراً على الأرجنتين بالتأكيد، فهذه الحرب العالمية الثالثة التي تجري بأجزاء تجتاح الحياة والمستقبل وتكشف عن وجهها القاسي في كل مكان، من الشرق إلى الغرب».



قبلها بعام تقريباً وفي طريقه لزيارة تشيلي وبيرو، قال البابا فرنسيس إن العالم على مقربة شديدة من الحرب النووية، جاء التصريح بعد إنذار خاطئ من إطلاق صاروخ على هاواي، ما أثار الذعر في الولاية الأمريكية، وسلط الضوء على احتمال نشوب حرب نووية مع كوريا الشمالية دون قصد.

كثيراً ما ألمح فرنسيس إلى آراء الكنيسة الكاثوليكية الرافضة للأسلحة النووية، غير أنه في زيارته الأخيرة لليابان كان صريحاً ومباشراً، فقد أطلق دعوته للتخلص من الأسلحة النووية، واصفاً استخدام الطاقة الذرية لأغراض عسكرية بـ«الجريمة»، وقد جاء ذلك وسط لقاء مؤثر جمعه في مدينة هيروشيما اليابانية مع الناجين من الهجوم الذي تعرضت له المدينة عام 1945.

«أحياناً أفكر في غضب الله الذي سينزل على المسؤولين عن البلاد، والذين يتكلمون عن السلام فيما يبيعون الأسلحة لشن حروب. هذا النفاق هو خطيئة»، هذا ما أعلنه فرنسيس في يونيو الماضي لدى تطرقه إلى الوضع في سوريا والعراق وأوكرانيا والأراضي المقدسة، حيث عبر عن أمله في «بذل الجهود من قبل جميع المسؤولين المحليين والدوليين، ليتم التوصل قريباً إلى تعايش مسالم ضمن احترام من يسكنون تلك الأراضي».

ينادي فرنسيس على الدوام بأهمية تربية الأجيال الناشئة على السلام لتتمكن من مواجهة التحديات المطروحة في زماننا الحاضر، ويرى أنه من الأهمية بمكان أن تقدم اقتراحات خلاقة للمستقبل فضلاً عن مساعدة كل شخص على النمو ليصير رائداً.. هل لهذا يطالب بفتح أبواب الحوار وبناء الجسور بين الأديان والثقافات؟



الحاجة إلى ثورة ثقافية

في أوائل نوفمبر الماضي أطلق البابا فرنسيس صيحة حول الحاجة إلى ثورة ثقافية، جاء ذلك خلال لقائه مع أقرانه من الرهبان اليسوعيين في حاضرة الفاتيكان، ويومها أشار إلى «أننا في حاجة إلى ثورة ثقافية حقيقية وإلى عمل بطئ لتحويل البُنى عبر المشاركة في الحوار العام، حيث يتم اتخاذ القرارات التي تحدد شروط حياة الأصغر».

يتخذ «الأصغر» عند فرنسيس أهمية خاصة، والمقصود به الفقير والمحتاج والمتألم، وربما الضحايا الذين خلفتهم العولمة غير العادلة، والنيوليبرالية الاقتصادية المتوحشة، عبر نموذجها الرأسمالي المتجاوز لحدود الإنسانية.