الأربعاء - 08 يوليو 2020
الأربعاء - 08 يوليو 2020
فيروس «كورونا».. كيف سيؤثر على العولمة.. ومن الرابح؟ (أ ف ب)
فيروس «كورونا».. كيف سيؤثر على العولمة.. ومن الرابح؟ (أ ف ب)

هل يطيح فيروس «كورونا» بالعولمة؟



منذ اجتاح فيروس «كورونا» العالم، وقلب الموازين الدولية وخريطة الأحداث رأساً على عقب، خرج الكثيرون ينعون «العولمة».



«تفش عالمي يغذي رد الفعل العكسي ضد العولمة»، و«انتشار الفيروس قد يعجل بالانهيار الكبير للعولمة»، و«هل ينهي فيروس كورونا العولمة كما نعرفها؟».. هذه أمثلة للعناوين التي طالعتنا بها الصحف على مدار الـ3 أشهر الماضية.



لكن وكالة الأنباء الأمريكية بلومبرج، ردت في تحليل لها على تلك الأسئلة، معتبرة أن الإجابة باختصار هي: «لا.. لن يقضي فيروس كورونا على العولمة».



واستدركت: «على الأقل لن يحدث ذلك، إذا ما تحدثنا عن العولمة، على أنها أمر أكبر من مجرد سلاسل التوريد عبر القارات، وسفن الحاويات الضخمة».



وتركز العديد من التحليلات المرجحة لانهيار العولمة على بُعد واحد منها، وفي إطار زمني ضيق، وهو النمو الهائل، وتكامل الأسواق العالمية على مدار العقود القليلة الماضية، لكنها تتجاهل المكونات

السياسية والاجتماعية والثقافية للعولمة، بل وتغض الطرف عما شهدته العولمة فعلياً من موجات مد وجزر، طوال قرن ونصف قرن.



ويرى المحلل جيمس جيبني، أنه على المرء أن يسترجع الأحداث التي وقعت خلال النصف الثاني من القرن الـ19، عندما فتحت الإمبريالية العالمية مسارات جديدة للتجارة والاستثمار.



كما شهدت الساحة الدولية تعاون السلطات الوطنية المعنية بالصحة العامة، من أجل مواجهة أمراض تفشت مثل الحمى الصفراء، والطاعون العقدي.



ويقول جيبني: «صحيح أن اندلاع الحرب العالمية الأولى حطم السوق العالمي الناشئ»، لكن في المقابل، أدت التداعيات السياسية والاقتصادية للسلام لاحقاً إلى الكساد العظيم".



ولكن حتى خلال هذه الحقبة، بحسب المؤرخة إيميلي روزنبرج: «تسارعت وتيرة تمدد الشبكات العابرة للحدود الوطنية في مجالات العلوم والصحة والترفيه، وغيرها من فروع محددة».



ورغم تنامي النزعة القومية وكراهية الأجانب، التي أغلقت تقريباً الباب الذهبي للولايات المتحدة خلال عشرينيات القرن الماضي، شهدت سنوات ما بين الحربين العالميتين، ظهور منظمات غير حكومية ثرية مثل «مؤسسة كارنيجي» عام 1922، و«مؤسسة فورد» عام 1936، اللتين ساهمتا في إحداث العديد من التغيرات الاجتماعية والثقافية العالمية.



علاوة على ذلك، ورغم أن «عصبة الأمم» لم تفلح في الحيلولة دون اندلاع الحرب العالمية الثانية، شكلت العصبة مظلة حكومية عالمية لجميع الأمور، بداية من عقد مؤتمرات لنزع السلاح، ومكافحة الاتجار الجنسي، وتهريب المخدرات.



ثم جرى إحياء كل هذا مرة أخرى ضمن منظومة الأمم المتحدة، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.



وعلى النقيض من «الكساد العظيم» في ثلاثينيات القرن الماضي، لم تسفر الأزمة المالية في 2008-2007 عن تراجع في معدلات التجارة العالمية أو الاستثمار، وإذا كان هناك تأثير قد وقع بالفعل، فهو أن الأزمة أجبرت صنّاع السياسات في العالم على أن يدركوا أن الاعتماد المتبادل يتطلب مزيداً من التنسيق على المستوى العالمي.



بالطبع هناك خلل تسبب فيه فيروس «كورونا»، فيما يتعلق بسلاسل التوريد والتجارة العالمية، وجميع أشكال السفر، ناهيك عن الحياة اليومية (العمل من المنزل)، لكن سلاسل التوريد كانت تمر بتغيرات بالفعل، وقد صارت أقصر وأكثر إقليمية حتى قبل ظهور «كوفيد-19».



الأمر الأكثر جوهرية، هو أن التواصل واسع النطاق، والطفرات المتعاقبة في المعلومات الرقمية أدت إلى مزيد من تدفق الأفكار والروابط الافتراضية، سواء كان ذلك بين الأفراد أو المؤسسات أو الدول، وهذا أمر لا يمكن عزله.



ورغم ذلك، فإن العولمة في حاجة لإدارتها. ولسوء الحظ، اتسم رد فعل أمريكا مرة أخرى بالفشل في مواجهة تفشي «كورونا». ورفض ترامب وباء «كورونا»، كما رفض سابقاً الأهمية الملحة لقضية التغير المناخي. ويرى الرئيس الأمريكي خبرة التكنوقراط على أنها مجرد شكل من أشكال «الدولة العميقة» التي تقاوم جدول أعماله.



وفي هذا الإطار، تعد المنظمات متعددة الأطراف التي جرى تأسيسها من أجل التأقلم مع العولمة، سواء كانت الأمم المتحدة أو منظمة التجارة العالمية، انتهاكات لسيادة أمريكا، وليست سبيلاً لتعزيز النفوذ الأمريكي، وزيادة تقاسم الأعباء، من وجهة نظره.



وفي عصر تحتدم فيه المنافسة بين القوى العظمى، يتراجع نفوذ الولايات المتحدة، غير العسكري، في حين تسعى الصين بقوة من أجل إعادة تشكيل النظام العالمي، عبر قبضة حديدية فرضتها لاحتواء تفشي فيروس «كورونا»، وهو ما جذب لها مزيداً من المؤيدين.



ولكن لا يجب على المعجبين بالنموذج الصيني أن يخدعوا أنفسهم، فسوف تقوم قيادة الحزب الشيوعي الصيني في سعادة بـ«شرذمة الإنترنت»، وخفض الشفافية، ونزع الأولوية عن حقوق الإنسان، وترتيب النظام العالمي الليبرالي لصالح بكين.



ويتعين على الولايات المتحدة من أجل التعامل مع هذه الحقيقة، تعزيز تحالفاتها، وتقوية المؤسسات متعددة الأطراف التي أسستها، من أجل دفع القيم المشتركة، وتبوأ موقع القيادة في مواجهة التحديات العالمية.

#بلا_حدود