الجمعة - 10 يوليو 2020
الجمعة - 10 يوليو 2020

كيف غفل العالم عن «الانتشار الصامت» لوباء كورونا؟

كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» أن مسؤولي صحة على مستوى العالم تجاهلوا على مدى أسابيع أدلة متزايدة على إمكانية انتقال فيروس كورونا من أشخاص لا تظهر عليهم أعراض، مما فوت فرصة لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح، وكبح «الانتشار الصامت» للوباء الذي أودى بحياة ما يزيد على نصف مليون شخص، وأصاب أكثر من 10 ملايين آخرين.

وأوضحت الصحيفة الأمريكية أن انتقال فيروس كورونا من دون أعراض جعل مكافحته أشد صعوبة، وخاصة في ظل استبعاد مسؤولي الصحة لهذا الخطر لعدة أشهر، بل وإطلاق البعض مزاعم مضللة ومتناقضة في مواجهة أدلة متزايدة تفنّد ذلك.

كانت كاميلا روته، وهي طبيبة متخصصة في الأمراض المعدية بمستشفى جامعة ميونيخ، على وشك المغادرة لتناول العشاء عندما أبلغها المختبر الحكومي بنتيجة الاختبار المفاجئة التي جاءت «إيجابية»، وكان ذلك يوم 27 يناير الماضي. لقد اكتشفت وقتها أول حالة إصابة بفيروس كورونا في ألمانيا.

ولكن تشخيص الحالة لم يكن منطقياً بالنسبة لها، فمريضها رجل أعمال من شركة قريبة لإنتاج قطع غيار السيارات، انتقلت إليه العدوى من زميلة زائرة جاءت من الصين، والتي بدت بصحة جيدة، فلا سعال ولا عطس ولا علامات على الإعياء أو الحمى خلال يومين من الاجتماعات الطويلة. وقالت لزملائها إنها بدأت تشعر بالمرض بعد عودتها إلى الصين. وبعد أيام جاءت نتيجة اختبارها لفيروس كورونا إيجابية.

وكان العلماء في ذلك الوقت يعتقدون أن الأشخاص من تظهر عليهم الأعراض هم فقط من يمكنهم نشر الفيروس، وافترضوا أن كورونا يتصرف في ذلك مثل «سارس» وهو من عائلة الفيروسات التاجية أيضاً.

ولكن الخبراء كانوا على خطأ، فالفيروس انتشر من أشخاص بدوا أصحّاء أو لم تظهر عليهم أي أعراض بعد.

كما أن ردود الفعل المتأخرة وعدم اتخاذ تدابير وقائية مبكرة من حملات للتوعية العامة، وإجراء للفحوص بالمطارات، وسياسات البقاء في المنزل لمن يشعر بالمرض، وارتداء الأقنعة الواقية، وتقييد السفر الدولي وغيرها، ساهمت في تفشي الفيروس، وأصبحت العواقب وخيمة على كل مناحي الحياة في العالم.

كانت روته وزملاؤها من بين أوائل من حذروا العالم. ولكن حتى مع تراكم الأدلة من علماء آخرين، عبّر كبار مسؤولي الصحة عن ثقتهم الراسخة في أن انتشار الفيروس دون أعراض لم يكن بالأمر المهم.

وفي الأيام والأسابيع التالية، استخف سياسيون ومسؤولون بالصحة العامة وأكاديميون بتحذيرات فريق مستشفى جامعة ميونيخ أو تجاهلوها.

وعمل البعض بنشاط على تقويض التحذيرات في لحظة حاسمة، حيث كان الفيروس ينتشر دون أن يلاحظه أحد في الكنائس الفرنسية، وملاعب كرة القدم الإيطالية، وأماكن التزلج النمساوية.

وتُظهِر المقابلات التي أُجريت مع أطباء ومسؤولي الصحة العامة في أكثر من 12 بلداً أن مسؤولي الصحة والقادة السياسيين الغربيين، وفي مواجهة الأدلة الجينية المتزايدة، قد قللوا من خطر انتشار الفيروس دون أعراض.

وقدمت مؤسسات الصحة الرائدة، بما في ذلك منظمة الصحة العالمية واﻟﻤﺮﻛﺰ اﻷوروﺑﻲ ﻟﻠﻮﻗﺎﯾﺔ ﻣﻦ اﻷﻣﺮاض وﻣﻜﺎﻓﺤﺘﮭﺎ، نصائح متضاربة ومضللة أحياناً.

وكان التأخير لمدة شهرين نتاجاً لافتراضات علمية خاطئة، والتنافس الأكاديمي، وربما الأكثر أهمية، عدم الرغبة في قبول أن احتواء الفيروس من شأنه الدفع باتخاذ تدابير صارمة. وكانت مقاومة الأدلة المستجدة جزءاً من استجابة العالم المتباطئة للفيروس.

ومن المستحيل أن نحسب الخسائر البشرية الناجمة عن هذا التأخير، ولكن النماذج تشير إلى أن اتخاذ إجراءات حازمة مبكرة ربما كان سينقذ عشرات الآلاف من الأرواح.

كما أن أداء بلدان مثل سنغافورة وأستراليا، التي استخدمت الاختبارات وتتبع المخالطين وتحركت بسرعة لوضع المسافرين الذين يبدون أصحّاء في الحجر الصحي، كان أفضل كثيراً من تلك التي لم تفعل.

وبات من المقبول الآن على نطاق واسع أن الأشخاص الذين يبدون أصحّاء يمكنهم نشر الفيروس، ومع ذلك تظل حالة عدم اليقين قائمة بشأن مدى إسهامهم في انتشار الوباء.

ورغم تباين التقديرات، فإن النماذج التي تستخدم بيانات من هونغ كونغ وسنغافورة والصين تشير إلى أن ما بين 30% و60% من حالات العدوى تحدث من أشخاص لا تظهر عليهم أعراض.

وحتى الآن، ومع ارتفاع عدد الإصابات إلى أكثر من 10 ملايين حالة في مختلف أنحاء العالم، وتجاوز عدد الوفيات 500 ألف حالة، فإن فيروس كورونا يظل لغزاً دون حل. ومن السابق لأوانه أن نعرف ما إذا كان الأسوأ قد مر، أو ما إذا كانت موجة عالمية ثانية من العدوى على وشك الحدوث.

ولم يكن تحذير فريق مستشفى جامعة ميونيخ هو الوحيد. فقد حذّرت السلطات الصحية الصينية بشكل واضح من أن المرضى يمكنهم نقل العدوى قبل أن تظهر عليهم الأعراض. وكان سائق حافلة ياباني الجنسية قد أصيب أثناء نقله سياحاً من ووهان بدوا أصحّاء.

وكان يتطلب لمنع الانتشار الصامت للفيروس، إجراء اختبارات مكثفة على نطاق واسع، الأمر الذي كان مستحيلاً بالنسبة لأغلب البلدان آنذاك.

ويقول مسؤولو الصحة الأوروبيون إنهم كانوا مترددين في الاعتراف بالانتشار الصامت للفيروس لأن الأدلة كانت شحيحة، وأن الإنذار الخاطئ كان سيؤدي إلى عواقب وخيمة. لكنهم اقتنعوا بعد تزايد الأبحاث التي تفنّد مزاعمهم.

وبحلول نهاية مارس الماضي، أعلنت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أنها تعيد النظر في سياستها بشأن ارتداء الأقنعة. وخلصت إلى أن ما يصل إلى 25% من المرضى قد لا يعانون من أي أعراض.

ومنذ ذلك الحين، بدأت مراكز مكافحة الأمراض والحكومات حول العالم، وأخيراً منظمة الصحة العالمية توصي الناس بارتداء الأقنعة في الأماكن العامة.

#بلا_حدود