الثلاثاء - 22 سبتمبر 2020
الثلاثاء - 22 سبتمبر 2020
الحدود الأيرلندية.. معضلة الخروج من الاتحاد الأوروبي. (رويترز)
الحدود الأيرلندية.. معضلة الخروج من الاتحاد الأوروبي. (رويترز)

«الحدود الأيرلندية».. مُعضلة مزمنة تعود للصدارة في أزمة «بريكست»

تبدو محادثات خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي «بريكست» كأنها وصلت لطريق مسدود، مع تعالي نبرة التصريحات العدائية المتبادلة بين الجانبين.

رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يتهم الاتحاد الأوروبي بالتهديد بضرب وحدة أراضي المملكة المتحدة، بفرضه «حصاراً» غذائياً بين بريطانيا وأيرلندا الشمالية، ليصب بذلك الزيت على النار في محادثات متعثرة بالأساس.

في المقابل، باتت الكتلة الأوروبية تشكك في مصداقية المملكة، وقال رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال: «حان الوقت لأن تتحمل الحكومة البريطانية المسؤولية.. المصداقية الدولية لتوقيع المملكة المتحدة على المحك».

وتتألف «المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية»، حسب الاسم الرسمي الكامل للبلد، من: إنجلترا (وعاصمتها لندن) واسكتلندا (إدنبره) وويلز (كارديف)، بالإضافة إلى أيرلندا الشمالية (بلفاست).

أما بريطانيا العظمى فهي عبارة عن الجزيرة التي تشمل 3 مناطق مستقلة فقط من الأربع سالفة الذكر، هي إنجلترا واسكتلندا وويلز. ذلك أن أيرلندا الشمالية تقع جغرافياً إلى الشمال من جمهورية أيرلندا (استقلت 1922) في جزيرة منفصلة غرب بريطانيا العظمى ويفصلهما البحر الأيرلندي.

(رويترز)

وإنجلترا هي واحدة فقط من الدول الثلاث المكونة لبريطانيا العظمى، وواحدة من الدول الأربع المكونة للمملكة المتحدة.

ستخرج أيرلندا الشمالية من الاتحاد الأوروبي مع المملكة المتحدة، لكن خصوصية وضعها الجغرافي، وكونها متاخمة للحدود البرية لجمهورية أيرلندا التي ستظل عضواً في الاتحاد الأوروبي، جعلها نقطة خلافية عصية على الحل منذ قررت المملكة المتحدة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، نتيجة للتداخل التجاري بين أيرلندا الشمالية وجارتها الجنوبية جمهورية أيرلندا.

يمر عبر تلك الحدود البرية الوحيدة الفاصلة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة الممتدة لنحو 500 كم نحو 200 طريق، وبالتالي سيكون عدد المعابر الحدودية على طولها يفوق عدد المعابر الموجودة على طول الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي، وهو ما يؤرق سكان أيرلندا بل يشكل لهم كابوساً يخشون مجرد التفكير في تداعياته الاقتصادية والاجتماعية على حياتهم اليومية.

تاريخياً، اتسمت العلاقة بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا باضطرابات مذهبية استمرت أكثر من 30 عاماً بين الجمهوريين الكاثوليك (يؤيدون توحيد أيرلندا) والملكيين البروتستانت (موالين للتاج البريطاني). وجاء اتفاق «بلفاست» أو «الجمعة العظيمة» عام 1998 ليضع حداً لتلك الحرب الدامية.

حينئذ فقط، توقف العنف وفتحت الحدود بين قسمي أيرلندا أمام حركة البضائع والأشخاص، لينعموا بانفتاح اقتصادي وحركة انسيابية تجارية باتت اليوم مهددة مع خروج بريطانيا من الاتحاد في ظل أجواء ضبابية نتيجة فشل الأطراف في التوصل لاتفاق واضح حول تفاصيل الوضع بالنسبة لأيرلندا.

وكان الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة اتفقا على أن بريكست لا يجب أن يؤدي إلى فرض قيود على عبور البضائع بين شطري الجزيرة الأيرلندية.

ولهذا الغرض، ستستمر أيرلندا الشمالية في اتباع لوائح الاتحاد الأوروبي بشأن الزراعة والسلع المصنعة في حين لن يحدث ذلك في باقي المملكة المتحدة.

وستترك كل المملكة المتحدة الاتحاد الجمركي للاتحاد الأوروبي لكن أيرلندا الشمالية ستستمر في تطبيق الكود الجمركي للاتحاد في موانئها.

ويعني ذلك وجود بعض الضوابط الجديدة والمعالجات للسلع التي تتحرك بين أيرلندا الشمالية وباقي أجزاء المملكة المتحدة.

وتدور المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة حول طبيعة ومدى تلك الضوابط.

(أ ف ب)



وكان جونسون وعد بألّا تكون هناك قيود على حركة السلع بين أيرلندا الشمالية وبريطانيا العظمى. لكن الاتحاد الأوروبي قال إنه سيكون هناك بعض الضوابط، خاصة على المنتجات الغذائية.

وهكذا عادت قضية أيرلندا الشمالية إلى صدارة المشهد، مع احتياج سكانها لضمان حرية حركتهم رغم اختلاف التشريعات في قسمي الجزيرة الأيرلندية، وهو ما يجعلهم يشعرون بأنهم سيتكبدون ثمن الفاتورة الأكبر مقابل بريكست.

(أ ف ب)

ووسط أجواء ترجح عدم التوصّل لاتفاق بنهاية العام، حين يدخل بريكست حيّز التنفيذ، تلقي لندن باللوم على بروكسل في نشوب النزاع الذي وتّر جلسة المفاوضات الجديدة هذا الأسبوع، وألقى بظلاله على المفاوضات المقررة الأسبوع المقبل.

وظهر الخلاف الجديد عندما قدمت الحكومة البريطانية مشروع قانون إلى البرلمان، الأربعاء، يتعارض جزئياً مع الاتفاقية الموقعة بالفعل بشأن خروجها من الاتحاد الأوروبي، وهي خطوة تنتهك القانون الدولي.

ودافع جونسون عن مشروع القانون الذي يثير قلقاً شديداً حتى داخل معسكره المحافظ، قائلا إن الاتحاد الأوروبي عازم على «تفسير متطرف» للقواعد الخاصة بأيرلندا الشمالية: «يقال لنا إن الاتحاد الأوروبي لن يكتفي بفرض رسوم جمركية على البضائع التي تنتقل من بريطانيا العظمى إلى أيرلندا الشمالية فحسب، بل قد يوقف أيضاً نقل المنتجات الغذائية من بريطانيا إلى أيرلندا الشمالية».

ويعتبر جونسون أن الاتحاد الأوروبي يستغل الاتفاق «لفرض حصار على جزء من المملكة المتحدة وعزله»، ويؤكد أنه بذلك يهدد بتدمير اقتصاد المملكة المتحدة ووحدة أراضيها، الأمر الذي لم ينفه مسؤولو الاتحاد الأوروبي فقط، بل وأيضاً وزيرة العدل الأيرلندية هيلين ماك اينتي.

(إي بي أيه)

ومع عدم إبداء لندن أي استعداد لتغيير موقفها، تثور مخاوف حقيقية من احتمالية انهيار المحادثات الجارية بشأن صفقة تجارية مستقبلية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهو ما سيؤدي إلى فرض تعريفات جمركية وغيرها من العوائق أمام التجارة من كلا الجانبين في بداية 2021.

وكان أحد البنود الرئيسية في اتفاقية الانسحاب، والتي سمحت بخروج المملكة المتحدة السلس من الاتحاد الأوروبي، هو البند المتعلق بضمان فتح حدود في جزيرة إيرلندا بين الشمال والجنوب لحماية عملية السلام.

وتهدف المحادثات المستفيضة حول تلك المسألة المعقدة إلى تجنب عودة حدود مادية «صلبة» مع جمهورية أيرلندا، العضو في الاتحاد الأوروبي، ما يمكن أن يضعف السلام الذي تم إحلاله قبل 20 عاماً.

#بلا_حدود