الخميس - 26 نوفمبر 2020
الخميس - 26 نوفمبر 2020

الانتخابات الرئاسية الأمريكية..استطلاعات الرأي لا تَصدُق دائماً

من بين القضايا التي باتت تثير جدلاً كل دورة انتخابية رئاسية في الولايات المتحدة، تأتي مسألة استطلاعات الرأي، والتي تحاول من خلالها بعض المراكز تحديد مواقع المتسابقين، وحظوظ نجاحاتهم أو اخفاقاتهم، ولعل انتخابات الرئاسة 2020 تكتسي ثوبا مغايرا بالمرة عن سابقاتها في النصف الأخير من القرن العشرين، وعقدين من القرن الحادي والعشرين.

إلى أين تقودنا استطلاعات الرأي هذه الدورة، وهل نتائج أرقامها موثوقة بطريقة علمية وموضوعية، أم ان الأهواء تسوقها لتضحى مؤدلجة ذات اليمين مرة، وذات اليسار تارة أخرى؟

المتابع حتى الساعة يمكنه أن يرصد تفوقا في عدد من النقاط للمرشح الديمقراطي جوزيف بايدن على منافسه الرئاسي دونالد ترامب، هذه النقاط تتقلص مرة وتتسع مرة ثانية، وتتمايز حسب الجهة التي تقوم بها، فحين تكون على سبيل المثال شبكة (سي.ان.ان)، هي من يقوم بالاستطلاع، تأتي النتيجة لصالح بايدن وبفارق كبير، الأمر الذي شهدناه لا سيما بعد المناظرة الرئاسية الأولى، وكذلك عقب المناظرة الوحيدة بين النائبين مايك بنس وكمالا هاريس.


والثابت أن ما جرى من تلك الشبكة الإخبارية الدولية، يتكرر بحذافيره مع صحيفة نيويورك تايمز، والتي تأخذ موقفا معاديا من الرئيس ترامب، وتعمل جاهدة لدعم المرشح بايدن.

على أن المرء إذ يتطلع إلى شبكة أخرى لها ميول يمينية مثل فوكس نيوز، نجدها توفي لترامب وتختصم من بايدن، وسواء كانت المناظرة رئاسية أو للنائبين، وتأتي الأرقام معبرة عن فوز ثمين لترامب ونائبه، وتعظيم المكاسب التي تحققت بعد أي حدث يخص ساكن البيت الابيض، الأمر الذي يستدعي علامة استفهام جوهرية.. “هل نحن امام شعب واحد أم شعبين، أم أن قضية استطلاعات الرأي برمتها باتت خاضعة للأهواء السياسية لكل مركز يقوم بجس نبض الأمريكيين إن جاز التعبير؟

أصحاب القرار

من الواضح وبحسب عدد من خبراء هذا المجال أن الطريقة التي تجري بها الاستطلاعات لا تبدو مثالية للتنبؤ بمصير الانتخابات.

ولعل أكثر مراكز استطلاعات الرأي موضوعية ورصانة في الداخل الأمريكي اليوم، يأتي مركز (بيو) للأبحاث في واشنطن، وبحسب قراءة أخيرة لخبرائه، فإنه يجب وضع عدة أمور في عين الاعتبار عند قراءة استطلاعات الرأي، ويأتي في مقدمتها الاختلاف الكبير في الانتخابات الأمريكية وطبيعة استطلاعات الرأي ...ماذا يعني ذلك؟

على صفحات الرؤية الغراء تناولنا في حديث سابق فكرة التصويت الأمريكي غير المباشر، من خلال ما يعرف بالمجمع الانتخابي، الأمر الذي يختلف عن فكرة استطلاعات الرأي الوطنية الخاصة بالانتخابات والتي تجري عبر الاقتراع المباشر، وهذه لا تقرر بحال من الاحوال هوية الفائز، بل يقررها مندوبو كل ولاية في المجمع، فهم الذين يفعلون، حتى وان كانت اتجاهاتهم التصويتية مغايرة لأصوات الشعب أو استطلاعات الرأي.

الذين يراهنون اليوم على خسارة المرشح الجمهوري الرئيس ترامب هم في الحقيقة مخطئون لأكثر من سبب:

أولا: الرئيس ترامب لا يراهن على أصحاب الأصوات الزاعقة والرايات الفاقعة، ذلك أن كتلته التصويتية ساكنه هادئة وبخاصة في ولايات الجنوب الجمهورية تقليدياً، ومنطقة ما يعرف بالحزام الإنجيلي، وهذه عادة تميل إلى اليمين المحافظ، وتلعب فيها المشاعر الدينية الدور الكبير والفاعل.

هذه الكتلة الصامتة، عادة لا تجيب على هواتف مستطلعي الآراء كي تقرر لمن ستقترع، وبالقدر نفسه لا تلتفت إلى البريد الالكتروني الذي يطلب بيانات استقصائية حول مرشحها المفضل، ومن هنا يبدو واضحاً جداً أن الاستطلاعات التي تجري من حولنا ليست دقيقة ولا نهائية، بل متغيرة وغير قاطعة.

سوابق تاريخية

هل أخفقت بعض استطلاعات الرأي في انتخابات رئاسية سابقة على الاقل في العقدين الماضيين؟

نعم، ذلك كذلك قولا وفعلا، ففي العام 2000 كانت استطلاعات الرأي تميل إلى ترجيح كفة المرشح الديمقراطي آل جور، الرجل الذي خسرته أمريكا، على حد تعبير منظر العولمة الأمريكية الاشهر توماس فريدمان.

كانت الأصوات الشعبية تقول إن آل جور، هو الفائز، غير أن نتيجة المجمع الانتخابي وبسبب بضع مئات من أصوات ولاية فلوريدا ذهبت لصالح بوش الابن، بعد تدخل المحكمة العليا واقرار آل جور بالهزيمة، وانهاء السباق الانتخابي بطريقة سلمية، الأمر الذي يتمناه الأمريكيون اليوم في ظل مخاوف عميقة من أن يرفض المهزوم الاعتداد بالنتيجة، ما يمكن ان يدخل أمريكا في طريق الهاوية وهذه قصة أخرى.

مرة أخرى وفي العام 2016 ، أي خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، اثبتت استطلاعات الرأي أنها غير حاسمة أو دقيقة، فقد كانت ثقة الناخبين في هيلاري كلينتون على الصعيد الشعبي مرتفعة حتى عنان السماء، الأمر الذي انعكس على أرقامها في استطلاعات الرأي، مقارنة بمرشح من خارج "المؤسسة" السياسية الأمريكية، أي دوائر المؤسسات والنفوذ التقليدية من احزاب وقوى عميقة في الدولة، وقد كان الحظ حليفا للرجل، على الرغم من تراجعه في استطلاعات الرأي، لكنه فاز بأصوات المجمع الانتخابي في مفاجأة من العيار الثقيل لا تزال هيلاري وبعد أربع سنوات تترنح من شأنها.

هل يعرف القارئ الآن لماذا يتحدث الرئيس ترامب عن الاستطلاعات بصورة سلبية، بل ربما يصفها في بعض الاوقات بانها “مزيفه“، وقد اشار أكثر من مرة إلى انه يحصل على أرقام استطلاعات داخلية جيدة جدا، في حين تبقى الولاءات السياسية مثارا للتلاعب في تلك الأرقام لصالح بايدن؟

أحد المشهود لهم بالكفاءة في ادارة حملات انتخابية رئاسية، كارل روف، أو "الولد المعجزة"، هذا الذي قاد الرئيس جورج بوش الابن إلى البيت الابيض لولايتين متتاليتين ولو كانت هناك ثالثة لربما حصل عليها.

روف يرى أن الأرقام المتقلبة في استطلاعات الرأي يمكن للمرء أن يتفهمها في ظل الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها البلاد، لا سيما وان جائحة كورونا قد غيرت الأوضاع وبدلت الطباع، وأثرت تأثيرا سلبيا على توجهات الرأي العام، لكنها في نهاية المشهد غالباً ما ستكون تغيرات وقتية ستزول قبل ساعات من الاقتراع ومرد ذلك أمرين:

أولا: لدى الجمهوريين أدوات لتصحيح مسار السفينة في الأسابيع المقبلة ومنها الخطة البلاتينية التي يعمل عليها الرئيس ترامب لاستمالة اصوات الأمريكيين الأفارقة، وهذه سنعود لها في تقرير مفصل لاحقاً.

ثانياً: أن ثقة المواطن الأمريكي في ترامب كمنقذ ومخلص من الأزمة الاقتصادية تتجاوز مقدرات بايدن بمساحات واسعة وشاسعة.

الخلاصة.. لا تصدقوا استطلاعات الرأي بالمطلق حتى وقت النتائج، والتي قد لا تحسم بسهولة وسرعة.
#بلا_حدود