الخميس - 26 نوفمبر 2020
الخميس - 26 نوفمبر 2020

الأسلحة "الافتراضية" تحسم صراع بايدن وترامب على العقول

على عتبات 3 نوفمبر المقبل، يتساءل الأمريكيون من الذي سيحسم هذا السباق الانتخابي غير المسبوق، والذي لا يمكن التنبؤ حتى الساعة بدقة بنتائجه؟

الشاهد أنه وبعد المناظرة الأمريكية الأخيرة التي جرت بين الرئيس ترامب المرشح الجمهوري، ونظيره نائب الرئيس السابق جوزيف بايدن، المرشح الديمقراطي، فان أحداً منهما لم يتجاوز الآخر، ولا قدر لأحدهما أن يتمايز في عرضه، ولهذا ستظل الكتل التصويتية واقعة في سياق استقطابات تتجاوز الظهور على الشاشة للمرة الأخيرة، ما يلقي بالكرة في ملعب وسائط التواصل الاجتماعي، والتي باتت الطريق الأقرب والأداة الأكبر في الوصول إلى الرأي العام الأمريكي، ولا نغالي إن قلنا في بلورة توجهات هذا الرأي العام.

السؤال الحيوي والمثير على بعد أيام من موعد الاقتراع الرسمي، وإن كان عشرات الملايين من الأمريكيين قد أدلوا بأصواتهم في الاقتراع المبكر، ومنهم الرئيس ترامب نفسه الذي أدلى صباح السبت 24 أكتوبر بصوته في مقر إقامته الجديد بفلوريدا، هل يمكن لوسائط التواصل الاجتماعي في انتخابات 2020 أن تكرر ما جرى في 2016، حيث لا تزال تقارير أمنية أمريكية تقول بأن هناك من تلاعب بعقول الأمريكيين وقادهم إلى انتخاب ترامب وإسقاط هيلاري كلينتون؟

قبل بضعة أيام كان نائب مدير شركة فيسبوك «نك كليغ»، وفي حوار له مع صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، يشير إلى أن الشركة رفضت نحو 2.2 مليون إعلان، كما أنها قامت بسحب 120 ألف منشور، على خلفية محاولة عرقلة المشاركة في الاقتراع الرئاسي.

ولكي تتجنب فيسبوك اختراقات عام 2016 نجد أنها قامت بتوظيف 35 ألف متعاون لتأمين المنصات السيبرانية خلال الانتخابات، عطفاً على دخولها في شراكات مع 70 وسيلة إعلامية متخصصة، 5 منها في فرنسا، وذلك للتثبت من المعلومات التي سيقوم البعض بنشرها قبيل الانتخابات.

أدوات فاعلة

التساؤل المطروح في هذا السياق: هل لهذا الحد باتت تلك الأدوات تصنع صيفاً أو شتاء معلوماتياً، وقادرة على التلاعب بعقول الجماهير، وتوجيهها إلى حيث يريد صاحب الهوى، وقد لا يكون صاحب مصلحة بالضرورة؟

دعونا نشير في هذه السطور إلى مسألة عضوية لفهم البنية الشعبوية الأمريكية، وهي أننا أمام دولة يصل تعداد سكانها إلى 350 مليون نسمة، من بينهم 10% فقط تنتمي إلى ما يمكن أن نطلق عليه الإنتلجنسيا أو الجماعة القارئة المثقفة، أي القادرة على الفرز والتمييز بين ما هو غث وما هو ثمين، بين ما هو حقيقي، وما هو مزور ومنحول.

في هذا الإطار تبقى الغالبية العظمى والتي تصل إلى 90% من سكان البلاد عرضة لموجات متقلبة ومتصارعة من الأنباء التي تصلهم عبر أدوات تقليدية وأخرى مستحدثة.

أما الأدوات القديمة فتتمثل في التلفزة والإذاعة، وقد كانت فاعلة حتى انتخابات عام 2008 والتي فاز بها باراك أوباما، وقد مكنته التبرعات الصغيرة للغاية التي لا تتجاوز 30 دولاراً أمريكياً، من شراء أوقات متميزة على المحطات التلفزيونية الشهيرة، وعبر رسائل إعلامية، وبرامج دعائية، تجاوز منافسه الجمهوري ماكين، السيناتور الذي تجرأ على الأمل، وإن كان أمله بدا مغشوشاً فيما يلي.

غير أنه ومنذ 2016 بدا وكأن دونالد ترامب قد غير الأوضاع وبدل الطباع، وعوضاً عن القديم جاء الجديد لا سيما في صورة تويتر.

مؤكدٌ أن الرئيس ترامب هو الأول من نوعه الذي يعمد إلى استخدام إحدى تلك الآليات، أي تويتر، كمنصة للتعامل مع العالم، وللحق فإنها الأفعل في حاضرات أيامنا في التواصل السهل والسريع مع بقية العالم، وملايين الأمريكيين يتابعون كلماته صباح كل يوم، وهي تؤثر ولا شك في توجيه الجماهير ذات اليمين أو ذات اليسار.

بايدن يدخل على الخط

هل كان لمنافسه جو بايدن أن يقصر عن اللحاق بركب التواصل مع أدوات الدعاية الجديدة؟

من الواضح أن حملة بايدن الانتخابية استطاعت التواصل وبقوة مع شركة تويتر بنوع خاص، من أجل تصحيح مسار صورته في عيون كثير من الأمريكيين، لا سيما أن هناك سقطات قاتلة وقع فيها الرجل مرات بقصد تجاه بعض الأقليات، ومرات أخرى بسبب وضع ذاكرته التي خانته، على سبيل المثال عندما حاول تذكر اسم السيناتور «ميت رومني»، ولتعويض نقص ذاكرته استدرك بأنه مرموني الديانة.

في هذا الإطار تعرض بايدن أيضاً لانتقادات حادة من التقدميين بسبب تعامله مع شركات التكنولوجيا العملاقة وتوظيف أو قبوله للمشورة من بعض المدافعين عنها.

ومن بين المجموعة الاستشارية التابعة لحملة بايدن، والتي تبلغ نحو 700 شخص، وبحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز التي تأخذ موقفاً عدائياً من دونالد ترامب، هناك 8 أعضاء يعملون في فيسبوك وأبل وغوغل وأمازون.

أحد الأسئلة الجوهرية في إطار جدلية العلاقة بين التكنولوجيا الحديثة وبين عملية الانتخابات الأمريكية: هل الديمقراطية الأمريكية تتأذى بشكل كبير، من خلال إلباس الباطل ثوب الحق، وإطلاق الأكاذيب وترويج الافتراءات في زمن الاقتراع للرئيس؟

يمكن أن يكون ذلك كذلك بالفعل، الأمر الذي يستدعي مقاربة تاريخية مع الدعاية الانتخابية في أوائل الخمسينات، حين كان الرئيس أيزنهاور يستقل القطار ليجوب به غالبية المدن الأمريكية، مقدماً برنامجه الانتخابي ومحدثاً نوعاً من التلاحم الإنساني والوجداني مع الناخبين ديمقراطيين كانوا أو جمهوريين.

يبدو الذكاء الاصطناعي والقائمون عليه هذه المرة أمام اختبار كبير وعسير لا سيما أن هناك إرهاصات مثيرة للخوف عن تدخل قوى خارجية مرة أخرى لتغيير موازين المنافسة.. وهذا حديثنا القادم إن شاء الله.

#بلا_حدود