الجمعة - 05 مارس 2021
Header Logo
الجمعة - 05 مارس 2021

البابا في زمن الجائحة.. دروس من الأزمة

مع غروب شمس الجمعة 27 مارس الماضي، كان البابا فرانسيس يمضي وحيداً في ساحة القديس بطرس، في تلك العشية كان الوباء يخيم على أوروبا عامة، وإيطاليا بنوع خاص، فقد افترس فيروس كوفيد-19، الآلاف من الإيطاليين حتى ذلك الوقت، وبات الهلع والذعر يسيطران على روما، قلب الإمبراطورية القديمة، ورمز القوة والمنعة في تاريخ الأمم وعبر حكايات الشعوب.

لم تجد أوروبا التي عرفت طريقها إلى العلمانية الجافة في ذلك المساء، سوى بر الإيمان لترسو عليه، ولتتذكر ما قاله الأديب الأيرلندي، برنارد شو، من أنه «عند العاصفة يلجأ المرء إلى أقرب مرفأ».

فى تلك الأمسية وصَّف فرانسيس حال العالم كأفضل ما يكون التوصيف «يبدو وكأن المساء قد حل منذ أسابيع، ظلمة كثيفة قد غطت ساحاتنا ودروبنا ومدننا واستولت على حياتنا، وملأت كل شيء بصمت رهيب وفراغ كئيب يشل كل شيء لدى عبوره، نشعر به في الهواء وفى التصرفات وتعبر عنه النظرات، ونجد أنفسنا خائفين وضائعين، وعلى مثال التلاميذ في الإنجيل فاجأتنا عاصفة غير متوقعة وشديدة».

كشف فرانسيس حال العالم في تلك الليلة «لقد تيقنا بأننا موجودون على السفينة عينها، ضعفاء ومضطربون، ولكننا في الوقت عينه مهمون و ضروريون، و جميعنا مدعوون لكي نجدف معاً».

كيف عاش فرانسيس زمن انتشار الفيروس، وهو من أكثر الأشخاص المعرضين للخطر صحياً، إذ يعيش برئة واحدة، وفي دولة ضربها الوباء على أشد ما يكون؟ وكيف يستعد لمرحلة ما بعد الأزمة؟

ثقافة إقصاء

هذه الأسئلة وغيرها الكثير، أجاب عنها فرانسيس في المقابلة التي أجراها معه الصحفي والكاتب البريطاني، أوستن إيفيديغ، ونشرت في صحيفتي Commonweal و The Tablet، على الصعيد الإداري والتنظيمي شرح الأب الأقدس أن الكوريا الرومانية سعت لكي تتابع عملها وتعيش بشكل طبيعي من خلال تنظيم الأدوار؛ لكي لا يكون هناك عدد كبير من الأشخاص يعملون معاً، مع الحفاظ على المعايير التي وضعتها السلطات الصحية.

وفي بيت القديسة مرثا حيث يقيم البابا، تم وضع أدوار لطعام الغذاء، تساعد في تنظيم وتخفيف سيل الأشخاص. الكل يعمل من مكتبه أو من بيته من خلال الأدوات الرقمية، الجميع يعمل ولا مكان للبطالة أو الكسل.

لكن ماذا على الصعيد الروحي، وكيف عاش فرانسيس تلك الأيام الصعبة؟ أجاب فرانسيس: «أصلي أكثر لأنني أؤمن بأنه علي القيام بذلك، وأفكر بالناس لأنني أقلق بشأنهم. أفكر في مسؤولياتي الحالية وفي ما سيأتي بعد هذه المرحلة، والذي بدأ يظهر مأساوياً وأليماً، وبالتالي علينا أن نفكر بذلك منذ الآن».

في الحوار عينه تناول فرانسيس إشكالية «ثقافة الإقصاء»، رداً على سؤال حول استجابة السلطات السياسية لأزمة كورونا، فقد أشار فرانسيس إلى أن بعض الحكومات قد اتخذت تدابير مثالية، مع أولويات واضحة من أجل حماية السكان.

لكن المشهد في عمومه، قد جعلنا ندرك، شئنا أم أبينا، أن فكرنا يتمحور بشكل خاص حول الاقتصاد، ويبدو أن التضحية بالأشخاص لهو أمر طبيعي في العالم المالي. إنها سياسة ثقافة الإقصاء.

وفي جوابه حول إن كان تأثير الأزمة قد يحملنا إلى إعادة النظر في أساليبنا في العيش، وإلى ارتداد إيكولوجي (بيئي)، وإلى مجتمع واقتصاد أكثر إنسانية، قال البابا فرانسيس: «نحن نملك ذاكرة انتقائية»، وذكَّر بأعداد الأشخاص الذين توفوا بسبب الحروب، حتى تلك التي حصلت في أوروبا والتي نسيناها، كما ذكّر أيضاً بقلق بإعادة ظهور الخطابات الشعبوية. وأضاف: «هذه الأزمة تطالنا جميعاً أغنياء وفقراء، فهي نداء للتنبيه ضد الرياء».

ترى أي رياء بالأكثر هو ذاك الذي يقلق بابا روما؟

بحسب جوابه، أنه رياء بعض الشخصيات السياسية التي تعبر عن رغبتها في مواجهة الأزمة وتتحدث عن الجوع في العالم، ولكنها تضع الأسلحة فيما تتكلم.

لقد حان وقت الارتداد عن هذا الرياء، والانتقال إلى العمل. هذا هو زمن الصدق، إما أن نكون صادقين فيما نقوله ونفعله، أو نخسر كل شيء.

ولأن رؤية البابا فرانسيس لعالم ما بعد كوفيد-19 كانت بمثابة مصابيح في درب مظلم، لذا جُمعت أحاديث ونصوص وصلوات الأب الأقدس خلال الأزمة، في كتاب، كتب مقدمته الكاردينال مايكل تشيرني، مسؤول قسم المهاجرين اللاجئين في الدائرة الفاتيكانية المعنية بخدمة التنمية البشرية المتكاملة.

«الحياة بعد الوباء»، هذا هو اسم الكتاب، ويتضمن 8 نصوص مهمة لقداسة البابا فرانسيس، تطرق فيها لفيروس كورونا وتبعاته المختلفة.

ومن النقاط الأخرى التي يتحدث عنها تشيرني، في تقديمه للكتاب، دعوة الأب الأقدس إلى الإصغاء إلى الجميع، ذلك أن فرانسيس ظل أميناً في الحديث إلى وعن المعوزين والمتألمين في أوضاع مختلفة، وذلك بشكل شخصي جداً، مشاركاً وفاعلاً ومفعماً بالرجاء.

رسائل جامعة

رسائل فرانسيس هي جامعة بمعنى الكلمة، وذلك ليس فقط لأننا أمام فيروس يهدد الجميع، بل في المقام الأول لأن عالم ما بعد كوفيد-19، يجب أن يُشيّده الجميع، هذا إلى جانب أن الأب الأقدس يحث الجميع على التحلي بالشجاعة من أجل عمل ما هو أفضل.

ومن السمات المشتركة الأخرى لكلمات البابا فرانسيس، حديث قداسته مباشرة إلى الجميع وإلى كل شخص، لا من الأعلى أو بشكل مجرد، بل يمد الأب الأقدس يده بمحبة أبوية وشفقة ليجعل آلام وتضحيات الكثير من الأشخاص آلامه وتضحياته هو نفسه.

في الوقت ذاته، يتوجه البابا بكلماته أيضاً إلى رؤساء الدول والحكومات مشجعاً إياهم على العمل لصالح الخير العام، ويعرب عن الشكر والمحبة لمن يعملون من أجل ضمان الخدمات الأساسية اللازمة في زمن الوباء، كما يصغي وينظر إلى غير المرئيين الكُثر.

وبحلول منتصف أكتوبر 2020، وفي مقابلة لصحيفة Il Mio Papa، كان فرانسيس يذكّر الجميع ومن جديد بأنه لا يمكن لنا أن نخرج من الأزمة كما كنا قبلها، فإما أن نخرج أفضل أو نخرج أسوأ، والطريقة التي نخرج بها تعتمد على القرارات التي نتخذها خلال الأزمة.

يفتح فرانسيس الأبواب أمام العقول بتساؤلات جوهرية ومصيرية من عينة: «ما هو أسلوب الحياة الذي سنتركه لجيل المستقبل؟ ما يعني أنه يتحتم علينا التوقف عن التفكير بأنفسنا أو حاضرنا فقط، والتطلع إلى المستقبل من منظور الإنسانية التي تريد البقاء في الزمن كجزء من الخليقة.

في هذا السياق علينا أن نتحمل مسؤولية المستقبل، ونُعد الأرض للآخرين لكي يفلحوها، وهذه هي الثقافة التي يجب أن نطورها خلال الوباء، وفقاً لهذا المبدأ العظيم القائل «الوباء يغير العالم وقد وضعنا في أزمة».

#بلا_حدود