الثلاثاء - 02 مارس 2021
Header Logo
الثلاثاء - 02 مارس 2021

في الـ100 يوم الأولى.. هل يغير بايدن وجه أمريكا - ترامب؟

قُضي الأمر، أو نفذ السهم، كما قال يوليوس قيصر ذات مرة، ولم تفلح كل محاولات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، في تغيير واقع نتيجة الانتخابات الأمريكية، وأقسم جوزيف بايدن، على أن يكون حارس الأمة الأمريكية الـ46، وفي المكتب البيضاوي، في بيت الأمة الأمريكية الأبيض، وقّع الرجل أوامره التنفيذية الأولى.

الذين قُدِّر لهم متابعة خطاب بايدن بعد أدائه القسم، تساءلوا عن مقدرة الرجل الحقيقية على توحيد الأمة، ومعالجة جراحاتها، رغم نواياه الطيبة، وقد عُرف طوال 4 عقود بمهاراته الفائقة في التواصل بين الحزبين الأمريكيين الكبيرين: الجمهوري، والديمقراطي.

تبدو الولايات المتحدة الأمريكية اليوم أمام مشاهد غير مسبوقة في تاريخها، لا سيما بعد حادث الكونغرس، والذي وصفه البعض بأنه عصيان مدني، ومحاولة انقلاب، أو اقتحام لمقر السلطة، وفتنة وتحريض على العصيان. ورأى البعض أنهم أمام مشهد من مشاهد الإرهاب الداخلي.


وفي الحق أن بايدن تسلم أمريكا مغايرة عن تلك التي عرفها العالم قبل 4 سنوات، وربما يكون من غير الصواب تحميل الرئيس السابق دونالد ترامب تبعات كل ما جرى في أعوام إدارته المنقضية، وإن كان قد أتاح المجال لحدوث ذلك.

الأسئلة في بدايات زمن بايدن عديدة ومتداخلة، والنوايا الحسنة فقط لا يمكنها تغيير واقع الحال الأمريكي، بل إنها، ومن غير رؤية استراتيجية لدولة منقسمة، يمكن أن تضحى خصماً من استقرار أمريكا، لا قيمة مضافة لتعزيز وحدتها. كما أشار بايدن في خطاب تنصيبه.

من أين يمكن لنا أن نبدأ مطالعة المشهد الأمريكي في الساعات والأيام القليلة المقبلة؟

غالب الظن أن القديم لن يزول تأثيره بشكل عجائبي، مرة وإلى الأبد. إرث ترامب سوف يبقى قائماً و قادماً لسنوات طوال، وعليه فإن التعاطي مع هذا الإرث بشكل فوقي، لا سيما بعد أن ساد اللون الأزرق، أي الديمقراطيون، الكونغرس بمجلسيه، لا يفيد في لم شمل الأمة الأمريكية القلقة والحائرة.

إرث ترامب

يبدو بايدن وكأنه قد غسل يديه من ملف محاكمة ترامب، وألقى بالعبء كله على مجلس الشيوخ، وما يرتئيه من إجراءات لمساءلة الرجل، الذي اعتبر مسؤولاً عن اقتحام الكونغرس، والذي تم عزله مرتين من قبل مجلس النواب في بادرة غير مسبوقة.

خلال أقل من يومين من تنصيب بايدن، كان الكونغرس يسارع الخطى في ترتيب أوراق الاتهام لترامب، والتنسيق يجري بشكل كبير بين الحزبين والمجلسين، ما يطرح تساؤلات عن حكمة هذا الإجراء في الوقت الراهن.

هنا ليس سراً القول إن البدايات التي تجرى بهذه الروح، وعلى هذا النحو غير مطمئنة، فالمشهد يحتاج إلى حكمة فائقة في التعاطي، ووقت تهدأ فيه النفوس المضطربة، وبخاصة بعد انتخابات رئاسية عمَّقت الشرخ المجتمعي، فإن الأمر يكاد يقترب من تصعيد مقصود لمواجهات أهلية في الداخل.

ولعله من نافلة القول الإشارة إلى أن القاعدة الشعبية التي انتخبت ترامب، وبلغت نحو 75 مليوناً من الأمريكيين، لن تتقبل هذا الإجراء والمضي فيه بسلام، بل سيكون لها موقف، وربما مواقف عدوانية، تعوق المسيرة الأمريكية نحو السلم الأهلي والمجتمعي.

تحدي كورونا

من بين رهانات المائة يوم الأولى للرئيس بايدن، يجيء الرهان على وضع حد لانتشار فيروس كورونا. وقد وعد الرجل بأن 100 مليون أمريكي سوف يحصلون على الطعوم اللازمة لمقاومة شراسة الفيروس، وفي هذا علامة استفهام أكثر إثارة، لا سيما بعد أن خفَّضت الشركات التي تقوم على إنتاج اللقاح، الكميات الواجب توافرها، فيما الإشكال الأكبر يتعلق بالشتاء القاسي الذي تواجهه البلاد، والذي يفتح الباب واسعاً للفيروس للانتشار، مع مواجهة حقيقة لا فرار منها، وهي أن اللقاح لم يثبت جدواه بشكل مطلق حتى الساعة، ومن كان يتخيل أن يحصد كوفيد-19 المستجد أكثر من 400 ألف ضحية أمريكية، ويصيب ما فوق 25 مليوناً آخرين.

ولعل الأوضاع الاقتصادية التي خلَّفتها الجائحة، تطرح بدورها علامات استفهام عن البرامج المالية التي يسعى بايدن لتوفيرها، سواء كان الأمر بالنسبة للأفراد والعائلات، أو فيما يخص المؤسسات والهيئات وكافة الأنشطة الاقتصادية في البلاد، وفي مقدمة تلك العلامات، كيف ستؤثر تلك البرامج على عموم الموازنة الأمريكية، مع الأخذ في الاعتبار ارتفاع مستوى الدين العام إلى رقم غير معهود، ما يجعل الأجيال القادمة رهن تصرفات بايدن المالية؟

أوامر تنفيذية

في الساعات الأولى من دخول بايدن البيت الأبيض، وقع قراراً بالعودة إلى اتفاقية المناخ، وهذا أمر جيد ومحمود ولا شك في ذلك، لا سيما أن الكوكب الأزرق يئن تحت ضربات التغير المناخي، والظواهر في الآفاق واضحة للعيان، ولا تحتاج إلى دليل.

لكن على الجانب الآخر، والجزء الخلفي من الأمر، موصول بالصراعات الداخلية لجماعة الطاقة الأمريكية، وهي تنقسم إلى قسمين: واحد يمضي في طريق الفحم التقليدي، والذي تسانده قوة مالية ومجتمعية كبيرة وخطيرة في الداخل الأمريكي، وهي قوى مؤثرة من ناحية التبرعات المالية، والأنشطة التي تدعم الأحزاب والمرشحين، ناهيك عن حضور اقتصاديات الفحم ضمن الحياة المالية الأمريكية. والقسم الثاني خاص بشركات النفط، ودورها المشابه لسابقتها، وكلاهما حُكما يؤثران بصورة أو بأخرى على البيئة، وهنا قد يجد الرئيس بايدن نفسه بين نارين: الالتزام بمقررات ومقدرات قمم المناخ من جهة، وجماعات الكربون والنفط ونفوذها من ناحية ثانية، الأمر الذي لن يجعل مستقبل بايدن أكثر استقراراً من سلفه.

استهل بايدن أوامره التنفيذية بوقف بناء الجدار مع المكسيك، وهذا فِعل أخلاقي جيد، وكذا أوقف الأمر التنفيذي الترامبي القاضي بوقف دخول مواطنين من دول غالبيتها إسلامية، وهذا شيء جيد و يتسق ورؤية أمريكا للحريات واحترام الآخرين.

لكن من جانب مقابل يتساءل المراقبون: كيف سيكون تعاطي الجماعات البيضاء التي ترى في أوامر بايدن تهديداً وجودياً لحضورها؟ فيما الأكثر خطورة هو مواجهة وسائل إعلام أمريكية محافظة، سوف تقطع بأن ما يجري من قبل بايدن وإدارته هو استمرار للمؤامرة التي حيكت من حول ترامب، وقادت إلى طرده من البيت الأبيض.

يضيق المسطح المتاح للكتابة عن مناقشة بقية الأوامر التنفيذية التي أصدرها ترامب، ناهيك عن توجهات أركان إدارته، وكيف تمضي سفينة حكمه.

إلى لقاء آخر.
#بلا_حدود