الخميس - 15 أبريل 2021
الخميس - 15 أبريل 2021

مراكز التفكير.. عقل أمريكا النابض ودروعها التقدمية

أحد أهم الأسئلة المتعلقة بعملية صناعة القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، هو ذاك المرتبط بكيفية اتخاذ القرارات الداخلية والخارجية. وما هي الجهات التي تقف وراء الإدارات الحكومية المختلفة تزخمها بالمعلومات، وتمدها بالبيانات اللازمة لتسيير شؤون الإمبراطورية الأمريكية ممتدة الأطراف؟

يبدأ التساؤل من عند لماذا كانت هناك حاجة إلى مراكز التفكير بادئ ذي بدء؟

الشاهد أن مولد تلك المؤسسات قد بدأ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وتعزز بقوة في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، فيما التوسع أمريكياً وعالمياً جرى في العقود الثلاثة الماضية، وقد كانت الحاجة إلى المعلومات والبيانات، هي الدافع الرئيسي لنشوء وارتقاء تلك المراكز، لا سيما أن صناع القرار يحتاجون إلى مجموعة محددة من المعلومات والبيانات الأساسية حول المجتمعات التي يديرون شؤونها، كما يرغبون في التعرف على الاحتمالات المرتقبة لنتائج قراراتهم هذه عندما تصبح نافذة المفعول، ويسعون في الوقت نفسه إلى التعرف على بعض السياسات البديلة، ومقدار كلفة تنفيذها، وعواقب الإقدام عليها فيما لو اضطرتهم الظروف إلى ذلك.

أبحاث مؤسسة راند جعلت البنتاغون يغير سياسته في معالجة الإرهاب والأمن القومي. (أ ب)



ولعل من نافلة القول الإشارة إلى العلاقة بين مراكز التفكير الأمريكية وثورة الاتصالات، ثم وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم. فقد يسرتا إمكانية توافر المعلومات، لا سيما عبر الشبكة العنكبوتية، من كافة أرجاء العالم، وبأقل جهد ممكن، وبكميات كبيرة، ما يجعل قراءة المشهد الأممي أمراً متاحاً وبقوة.

عطفاً على ذلك فإن تلك الثورة المعلوماتية وفرت فرصة للباحثين السياسيين للتواصل والتعاون فيما بينهم عبر المسافات الهائلة، ومنحت مؤسسات الفكر والرأي فرصة ذهبية لنشر نتائج وخلاصات ما تتوصل إليه من بحوث على اتساع العالم.

دبابات فكرية

على أن علامة الاستفهام الرئيسية التي لا تزال مطروحة بقوة على ساحة النقاش: هل من علاقة ما بين رأس المال وبين تلك المراكز في الداخل الأمريكي؟

تُعرف أمريكا بأنها دولة كوربوراتورية، أي أنها دولة شركات ورأس مال واقتصاد براغماتي، قائم على فكر الذرائعية النفعية. ومن هنا أضحى من الطبيعي جداً أن يسعى كل قطاع اقتصادي إلى محاولة استقراء واستشراف المستقبل بالطريقة والصورة التي تلائمه، وعليه فقد ارتفع شأن مراكز التفكير، والتي تعني الترجمة الحرفية لاسمها الدبابات الفكرية، أي تلك التي تفتح الطريق المستقبلي أمام خطط الشركات والمؤسسات، والأفراد الذين يمثلون قلب الدولة الأمريكية العميقة.

لكن ما تقدم يلقي أيضاً بظلال من الخوف على مسيرة الديمقراطية الأمريكية، إذ يمكن أن تكون هناك شبهات ما حول علاقة رأس المال بمراكز الفكر.

لدى الأمريكيين تعبير شهير «من يدفع للفرقة الموسيقية يحدد اللحن»، وهذا يدفع إلى التخوف من أن تكون التوصيات الصادرة عن تلك المراكز مرتبطة ارتباطاً جذرياً بمصالح خاصة لا عامة، الأمر الذي يجعلنا نستحضر ما حذر منه الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور في خطاب الوداع عام 1961، والمتمثل في سطوة المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، وقد باتت تلك المراكز تمثل بدورها جزءاً من أجزاء جماعات الضغط واللوبيات الفكرية الضاربة في الداخل الأمريكي.

تضيق بنا المساحة عن تناول معظم مراكز أمريكا الفكرية، لكننا سنختار عدداً منها، ونلقي عليه الضوء؛ لبيان أهميتها، وكيف أنها عيون أمريكا الاستشرافية في الحال والاستقبال.

مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

نشأت عام 1910، وتعد أقدم مركز فكر وأبحاث في الداخل الأمريكي. وقف وراءها رجل صناعة الحديد الأمريكي أندرو كارنيغي، الذي يعد أحد أساطين الرأسمالية الأمريكية. وقد كان الهدف الرئيسي وراء إنشائها هو تطوير قواعد ومفردات للقانون الدولي. ودراسة الأسباب التي تؤدي إلى اندلاع الحروب، والنتائج التي تنجم عنها، وتشجيع سبل ووسائل التعاون والتفاهم بين دول العالم.

أحد برامج مؤسسة كارنيغي يركز على دراسة روسيا التاريخ والجغرافيا. (أ ب)



والثابت أن عيون مركز كارنيغي تتركز على 4 برامج بحثية متنوعة، الأول هو برنامج الصين، وهذا يبين مقدار ما توليه أمريكا للصراع القادم، ويشمل كل ما يمت للمجتمع الصيني. والثاني هو برنامج روسيا، ويركز رؤيته على القطب القائم كما العنقاء مرة أخرى، ويقرأ روسيا التاريخ والجغرافيا. والثالث هو برنامج مجموعة الـ50، ويدعم العلاقات بين 50 شخصية مرموقة في قطاعات الاستثمار على مستوى دول الأمريكيتين. وأخيراً برنامج السياسة الدولية الذي يهتم أبلغ اهتمام بدور الولايات المتحدة العالمي، من خلال دعم الديمقراطية وحكم القانون، والعمل على وقف انتشار الأسلحة غير التقليدية، وتطوير آليات التجارة والتنمية.

مجلس العلاقات الخارجية

يعد هذا المركز قلب العملية السياسية الأمريكية النابض، وعلى الرغم من أنه تأسس عام 1921، أي بعد مركز كارنيغي، إلا أنه يسبقه في الأهمية، وفي الفاعلية؛ إذ يعد خزانة أفكار البيت الأبيض، والداعم الأكبر لأي وكل رئيس أمريكي في وقت الطوارئ تحديداً.

مجلس العلاقات الخارجية يعد خزانة أفكار البيت الأبيض، والداعم الأكبر للرئيس الأمريكي وقت الطوارئ. (أ ب)



تقدر ممتلكات المجلس بنحو 300 مليون دولار. وأسس المجلس وحدة أبحاث عالية القدرة والمصداقية، تغطي أبحاثها كافة أقاليم العالم السياسية، عن طريق 3 مراكز؛ الأول للدراسات الجيو استراتيجية. والثاني يسمى مركز دراسات الفعل الوقائي. والثالث مركز التعليم العالمي. وتعد مطبوعاته، وأهمها مجلة فورين أفيرز، من أهم المنشورات السياسية حول العالم.

مؤسسة راند

حين يطفو اسم تلك المؤسسة على السطح، يدرك القارئ أنه أمام المؤسسة التي تأسست كمنظمة غير ربحية بتمويل خاص عام 1948، كأقدم وأكبر منظمات الأبحاث التي تقدم خدماتها لمختلف أفرع القوات المسلحة ومكتب وزير الدفاع، ويرجع إليها الفضل في أن وكالات الدفاع والاستخبارات الأمريكية أصبحت تشارك في معالجة التحديات الجديدة في مجالي الإرهاب والأمن القومي، بعد أن كانت تركز حاجتها البحثية حصرياً فيما يتعلق بالمواضيع الإقليمية والوظيفية.

مؤسسة بروكينغز

أسسها رجل الأعمال الأمريكي روبرت بروكينغز، عام 1920، واعتبر أن أساس جميع أنشطة المؤسسة هو توفير الأفكار الصحيحة المجردة البعيدة عن أيديولوجية القضايا التي تساهم في تقديم حلول لها.

قدمت منذ بدايتها لصانع السياسة وعامة الناس، العديد من الأبحاث التي أمكن وضع توصياتها موضع التنفيذ في الوقت المناسب.

القائمة طويلة والتوجهات متباينة، غير أن جميعها تبقى دروعاً فكرية تحمي أمريكا في الداخل والخارج، وتوفر لها أدوات التعامل مع ما هو متاح. وللحديث عودة لاحقة.

#بلا_حدود