الاثنين - 18 أكتوبر 2021
الاثنين - 18 أكتوبر 2021
فوضى في سوق الطاقة الأوروبية. (رويترز)

فوضى في سوق الطاقة الأوروبية. (رويترز)

خبراء: أزمة الطاقة العالمية تكشف هشاشة عصر الطاقة النظيفة

من بريطانيا حتى الصين، يمر العالم الآن بأول أزمة طاقة كبرى، منذ بدء التحول نحو الطاقة النظيفة، والتي لن تكون الأخيرة.

فنقص الإمدادات يضرب أسواق الغاز الطبيعي والكهرباء على مستوى العالم، بالتزامن مع تعافي الطلب العالمي على الطاقة نتيجة انتهاء جائحة فيروس كورونا المستجد.

المختلف هذه المرة هو أن أزمة الطاقة تأتي في الوقت الذي تمر فيه الاقتصادات الغنية بواحدة من أكثر مراحل التحول في أنظمة الطاقة طموحاً منذ عصر الكهرباء، حيث لا توجد طرق سهلة لتخزين الطاقة التي يتم توليدها من المصادر المتجددة.

وبحسب تقرير أعده ديفيد بيكر، وستيفن ستابتسنسكي، ودان مورتو، وراشيل موريسون، ونشرته وكالة بلومبرج للأنباء، فإن التحول إلى الطاقة النظيفة يستهدف جعل أنظمة الطاقة في البلاد أكثر وليس أقل مرونة. لكن التحول الفعلي نحو الطاقة النظيفة سيستغرق عدة عقود، وخلال هذه العقود سيظل العالم يعتمد على الوقود الأحفوري، حتى في الوقت الذي يغير فيه المنتجون الرئيسيون للنفط استراتيجياتهم الإنتاجية بشكل جذري.

ويقول دانيال يرجين، أحد أشهر محللي الطاقة في العالم، ومؤلف كتاب «الخريطة الجديدة: الطاقة والمناخ وصدام الأمم»، إن أزمة الطاقة الحالية تمثل «رسالة تحذير من مدى التعقيد الذي سيشهده التحول نحو الطاقة الجديدة». ففي خضم التغييرات الجوهرية أصبح نظام الطاقة العالمي أكثر هشاشة وأشد عرضة للصدمات.

وتشهد أوروبا الآن حالة من الفوضى في سوق الطاقة. ففي فصل الشتاء الماضي الذي كان أبرد من المعتاد، تم استنزاف مخزونات الغاز الطبيعي، في حين لم تحاول روسيا أكبر مصدر للغاز إلى أوروبا تعويض هذا النقص خلال فصل الصيف، لترتفع أسعار الكهرباء والغاز الآن إلى مستويات قياسية، مع تزايد الطلب على الطاقة نتيجة تعافي الأنشطة الاقتصادية من تداعيات جائحة كورونا. هذا السيناريو كان سيحدث لو أن العالم تعرض للجائحة قبل 20 عاماً. لكن الآن أوروبا تعتمد على مزيج مختلف من مصادر الطاقة.

وقد تراجع الاعتماد على الفحم بدرجة كبيرة لصالح الغاز الطبيعي الأقل تلويثاً للهواء. لكن زيادة الطلب العالمي خلال العام الحالي أدى إلى ندرة في إمدادات الغاز. في الوقت نفسه فإن انخفاض إنتاج المصدرين الآخرين للطاقة النظيفة وهما الرياح والمياه بصورة غير معتادة، كان نتيجة بطء حركة الرياح وانخفاض الأمطار في مناطق عديدة منها النرويج.

الضربة المؤلمة التي تعرضت لها أوروبا، بمثابة نذير شؤم لنوع الصدمات التي يمكن أن تضرب مناطق أخرى في العالم. ومع أن طاقة الرياح والطاقة الشمسية تزايدت وأصبحت أرخص بصورة أكبر، فإن الكثير من مناطق العالم ستظل تعتمد على الغاز الطبيعي وغيره من أنواع الوقود الأحفوري كمصادر طاقة بديلة لعقود عديدة قادمة. في الوقت نفسه، فإن رغبة المستثمرين والشركات في زيادة الإنتاج من النفط والغاز تتراجع حالياً.

وفي تحليل حديث، قال نيكوس تسافوس المحلل الاقتصادي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن الوضع الحالي بمثابة وصفة جيدة لتقلبات الأسواق. وأضاف أن العالم «يتحرك بالتأكيد نحو نظام أكثر هشاشة».

والحقيقة أن التحول نفسه وهو أمر حتمي للحفاظ على كوكب الأرض ليس سبباً في الأزمة، ولكن أي نظام كبير ومعقد يصبح أكثر هشاشة عندما يشهد عملية تغيير كبرى كالتي يشهدها نظام الطاقة في العالم.

يحدث كل هذا، في الوقت الذي تتوقع فيه خدمة بلومبرج لتمويل الطاقة الجديدة نمو الاستهلاك العالمي للطاقة بنسبة 60% بحلول 2050، حيث يتخلص العالم من الوقود الأحفوري ويتحول إلى السيارات وأفران الطبخ وأنظمة التدفئة التي تعمل بالكهرباء.

كما أن استمرار نمو السكان والاقتصاد في العالم سيؤدي إلى ارتفاع استهلاك الطاقة. ومع انتقال العالم إلى مزيد من رقمنة جوانب الحياة المختلفة، فهذا يعني أن أزمة الطاقة تأتي في الوقت الذي ستزداد فيه حاجة الناس إلى مصادر للطاقة أكثر موثوقية من أي وقت مضى.

وتعني زيادة الطلب على الكهرباء وتقلبات أسعار الوقود، أن العالم سيظل يعاني من الصعوبات في مجال الطاقة لعقود قادمة. ومن المحتمل أن تراوح تداعيات ذلك بين فترات ارتفاع أسعار التضخم بسبب مشكلات الطاقة وتزايد الفجوة في الدخول بين دول العالم، وصولاً إلى خطر حدوث انقطاعات واسعة للكهرباء وتوقف النمو الاقتصادي والإنتاج.

وبعد أن أصبحت أنظمة الطاقة على كوكب الأرض مترابطة ومتصلة، شعر العالم كله بآثار الأزمة الراهنة ومدى انتشارها.

وفي الولايات المتحدة، تضاعفت أسعار العقود الآجلة للغاز الطبيعي بالفعل خلال العام الحالي، قبل الوصول إلى ذروة الطلب التي تأتي مع فصل الشتاء. ولأن الولايات المتحدة تعتمد على الغاز الطبيعي في إنتاج 40% من الكهرباء، فإن هذه الأسعار المرتفعة ستؤدي حتماً إلى ارتفاع فواتير الكهرباء والتدفئة للمستهلكين.

وفي الصين، ورغم محاولة الحكومة زيادة حصة الطاقة المتجددة، فإن الاقتصاد الصناعي الصيني ما زال يعتمد بشدة على الوقود الأحفوري، سواء الفحم أو النفط أو الغاز الطبيعي. وعندما استأنفت المصانع نشاطها بكامل طاقتها عقب انتهاء جائحة كورونا، لم تجد الصين الوقود الكافي لإنتاج الكهرباء التي تحتاج إليها المصانع. ولذلك انكمش الإنتاج الصناعي للصين خلال الشهر الماضي لأول مرة منذ 19 شهراً، وهو ما يعني أن ارتفاع أسعار الطاقة أصبح أكبر صدمة تضرب ثاني أكبر اقتصاد في العالم منذ بداية الجائحة.

الأمر نفسه ظهر في بريطانيا التي توالى فيها إفلاس شركات الكهرباء الصغيرة التي عجزت عن استيعاب الارتفاع الحالي في أسعار الغاز الطبيعي. كما رصدت إيطاليا مليارات اليورو للتخفيف من آثار ارتفاع أسعار الطاقة على المستهلكين.

وعقد وزراء مالية دول اليورو اجتماعاً، الاثنين الماضي، لبحث كيفية التعامل مع أزمة ارتفاع أسعار الطاقة، حيث طالبت فرنسا إسبانيا وإيطاليا واليونان بتحرك منسق على مستوى الاتحاد الأوروبي للتعامل مع هذا الملف.

أخيراً يمكن القول إن أزمة الطاقة الحالية تفرض على العالم قدراً كبيراً من الحذر في التعامل مع ملف التحول من الطاقة التقليدية إلى الطاقة النظيفة حتى لا يواجه عواقب يصعب استيعابها.

#بلا_حدود