السبت - 23 أكتوبر 2021
السبت - 23 أكتوبر 2021
عمال بأحد المصانع في بريطانيا. (رويترز)

عمال بأحد المصانع في بريطانيا. (رويترز)

بأسرع وتيرة.. كيف يستمر تراجع العمالة في بريطانيا رغم ارتفاع الأجور؟

ضمن المحاولات المستميتة للحكومة البريطانية لحل سلسلة أزمات متلاحقة تواجهها منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي، سجلت الأجور في بريطانيا، أمس الجمعة، نمواً بأسرع وتيرة لها منذ 24 عاماً، في ظل استمرار معضلة النقص في العمالة.

أزماتٌ متصاعدة، لم تبدأ مع سائقي الشاحنات، ونفاد الوقود، وشح الأدوية، ولن تنتهي عند رفع الضرائب وغلاء المعيشة.

وبحسب وكالة بلومبيرغ للأنباء، فإن تقريراً صادراً عن اتحاد التوظيف والتشغيل البريطاني، ومؤسسة «كيه.بي.إم.جي» للاستشارات الإدارية والمحاسبية، سيضاف إلى الضغوط التضخمية، التي تعتبر بالفعل أجراس إنذار في بنك إنجلترا المركزي.

وارتفع أول أجر للعمال الدائمين في بريطانيا خلال سبتمبر الماضي بأسرع وتيرة له، منذ بدء جمع هذه البيانات، قبل 24 عاماً. في الوقت نفسه تراجعت العمالة المتاحة في بريطانيا بأسرع معدل لها تقريباً أيضاً.

وقالت سارة موسى (محللة مكافحة فساد الأموال في البنك الأهلي المتحد بلندن) إنه «بعد زيادة الأسعار.. كثيرون غادروا لندن إلى مدن أرخص مثل نوتنغهام أو مانشستر أو ليدز. وهناك من غادر بريطانيا كلها، خصوصاً الأوروبيين، ما أحدث فجوة في سوق العمل، ولا سيما- على سبيل المثال- في مجال البناء الذي كان يعمل به الكثيرون من عمال شرق أوروبا».

وأوضحت موسى لـ«الرؤية»: «هناك شح ونقص في مجال البناءين وفي مجال سائقي الشاحنات.. لأن شاحنات البترول القادمة من الخارج بحاجة إلى سائقين، والكثير منهم غادر بسبب غلاء المعيشة من ناحية، ومن ناحية أخرى نتيجة لقوانين الإقامة الجديدة، وقوانين التحاق ذويهم بهم، وتصاريح العمل التي فُرضت على الأوروبيين. فالأوروبيون الآن لا يمارسون حرية العمل من دون قيود أو تأشيرة عمل وأوراق توظيف. لذا غادر الكثيرون. هناك نقص في الموارد الاقتصادية والبشرية».

ورغم ارتفاع الأجور الآن، شرحت كلير وارنز، رئيسة قطاع التعليم والمهارات والإنتاجية في «كيه.بي.إم.جي»، أنه «في حين تعتبر الأجور المرتفعة أمراً جيداً للباحثين عن عمل، فإنه من غير المحتمل أن يساعد نمو الأجور بمفرده على استدامة التعافي الاقتصادي.. كثير من العمال لا يملكون المهارات المناسبة للانتقال إلى القطاعات التي يزيد فيها الطلب على العمالة».



يتزامن ذلك مع تصاعد انتقادات أوساط الأعمال لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، بسبب ما اعتبروه افتقاره خطةً لمواجهة أزمة النقص في اليد العاملة، بعدما دعاهم مؤخراً إلى دفع أجور أعلى.

واعتبر أرباب العمل أن جونسون يلومهم بشكل ظالم على الرواتب المتدنية، وأن استراتيجيته قد تؤدي إلى نقص وتضخم مرتفع. وقال ريتشارد ووكر، مدير سلسلة محال سوبرماركت «آيسلاند»: «يتم توجيه أصابع الاتهام إلى الأعمال، لكن الأمر أبعد من ذلك بكثير».

وأضاف: «نريد أن ندفع لشعبنا أكبر قدر ممكن، لكن العمل لا يمكنه استيعاب التكاليف دفعة واحدة». وأوضح «السنة المقبلة، سيكون لدينا موجة من الكلفة الأعلى، فواتير طاقة أعلى وكلفة تعليب أعلى وكلفة سائقي الشاحنات الثقيلة».



يريد جونسون إبعاد بريطانيا عن اقتصاد يعتمد على اليد العاملة الأجنبية الرخيصة. لكنه أقر بأن أوقاتاً «صعبة» تنتظر البلاد، نتيجة انتهاء حركة تنقل الأشخاص، وتشديد قواعد الهجرة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست».

وتعاني المتاجر الكبرى بالفعل، منذ أشهر، من نقص في الإمدادات. وتسبب التهافت على الشراء بأزمة وقود في مختلف أنحاء بريطانيا الأسبوع الماضي.

وحول معاناة المستهلك، قالت سارة موسى: «أثّر الخروج من الاتحاد الأوروبي في المستهلك بنسبة كبيرة. عندما كنا جزءاً من الاتحاد، كان هناك حرية تجارة دون قيود أو ضرائب أو رسوم، كان هناك حرية تنقل للأفراد والبضائع، سواء الغذائية أو التجارية، لكن بعد الخروج، فرضت رسوم وضرائب على الواردات البريطانية من أوروبا، وهي كثيرة، سواء سلع غذائية أو صحية أو حتى مواد تستخدم في مجال الصناعة أو الزراعة».

وأضافت «مع تأثر قيمة الجنيه الاسترليني، وتغير سعر الصرف بشكل مستمر، تأثر سعر السلع المستوردة، وبالتالي أصبح هناك غلاء. ومع فرض الضرائب على الاستيراد، حدثت فروق في الأسعار للتجار، وبالتالي رفعوا الأسعار على المستهلك. كل شيء بالنسبة لنا أصبح مكلفاً أكثر. الميزانية التي كانت تسمح لي من قبل بشراء أغراض البيت ومتعلقاتي الخاصة، لم تعد اليوم تكفيني».

وتابعت «حتى إيجارات المنازل توقعنا أن تنزل مع رحيل الكثيرين، لكن حدث العكس. المنازل التي تم استئجارها من خلال قرض من البنك، زادت عليه سعر الفائدة، فلم يتمكن من تقليل قسط المنزل، بالتالي لم تنخفض قيمة الإيجار، بل ظلت كما هي إن لم تكن قد زادت. هناك الكثير من المنازل الشاغرة لكن الأسعار غالية».

«تأثير الفراشة» و«نظرية الدومينو»

وعن مجمل هذه التداعيات، تحدث محللون في وسائل الإعلام البريطانية عن «تأثير الفراشة»، وهو مصطلح علمي يعبر عن مدى ما قد تُسببه واقعة صغيرة في سلسلة من الأحداث الفوضوية، إذا ما رافقتها ظروف بعينها. «أي إن رفرفة جناح فراشة في البرازيل، يمكنها نظرياً التسبب في إعصار يضرب وسط غرب أمريكا».

وأعطت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية مثلاً بخبر صغير أذيع، قبل أسبوع، عن نقص الوقود في بعض محطات البنزين، ما نتج عنه تدفق طوابير السيارات، خلال ساعات، على سائر محطات البلاد للتزود بالبنزين قبل نفاده.

لكن موقع «إدنبره لايف» وصف في تقرير له أزمات نقص البضائع الناجمة عن قلة السائقين بأنها كانت نتاج «تأثير الدومينو». والفرق هو أن نظرية «الدومينو» منطقية ويمكن التنبؤ بتبعاتها، وقد طُرحت كمصطلحٍ من قِبل السياسيين. أما نظرية «الفراشة» فتأثيرها الناجم عن حدث بسيط يمكن أن يؤدي إلى عدة نتائج مختلفة وفوضوية وغير متوقعة، وقد طرحت هذه النظرية من قِبل العلماء.

في هذا السياق، يرى البعض أن تزامن الجائحة مع «بريكست»- عرضاً- هو ما أدى إلى تلك الفوضى، حيث إن مستوى الدخل كان يرتفع في بريطانيا سنوياً، لكنه لم يرتفع هذا العام بسبب الجائحة، ما أثر بشكل كبير على خطة الخروج، إذ أثر الإغلاق الكامل للمصانع والأشغال على الاقتصاد المحلي.

ويخلص كثيرون إلى أنه لولا الجائحة، لكانت خطة بريطانيا ستسير بشكل أفضل، كما كان مخططاً لها بشكل مسبق، كما كان سيتم تغطية تلك الفجوة الرهيبة التي أحدثها الخروج من الاتحاد الأوروبي.

#بلا_حدود