الأربعاء - 17 أغسطس 2022
الأربعاء - 17 أغسطس 2022

سيناريوهات الحشد النووي في شرق أوروبا.. هل يحبس العالم أنفاسه مجدداً ؟

سيناريوهات الحشد النووي في شرق أوروبا.. هل يحبس العالم أنفاسه مجدداً ؟

قوات روسية في مهام عسكرية. (أ ب)

رغم انتهاء الحرب الباردة رسمياً بانهيار الاتحاد السوفيتي السابق عام 1991، فإن مفردات الصراع وأدواته القديمة بين حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة من ناحية، وروسيا من ناحية أخرى، تطل من جديد على خلفية الصراع بين الطرفين في شرق أوروبا وحوض البحر الأسود.

وبالإضافة إلى الصراع الأوكراني الروسي بكل تعقيداته الحالية والتاريخية، وتأكيد المخابرات الغربية والأمريكية أن روسيا جاهزة لغزو أوكرانيا في العام الجديد، فإن هناك أزمة أخرى تهدد بمواجهة نووية بين طرفي الصراع في شرق أوروبا تنتظر الرئيس جو بايدن الذي لم ينجُ بعد من الانتقادات الكثيرة التي لاحقته بسبب الخروج غير المنظم من أفغانستان.

فالرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، قال لوسائل إعلام روسية، إنه سيطلب من روسيا نشر أسلحة نووية في بلاده إذا نفذ حلف شمال الأطلسي «الناتو» تهديداته بإرسال الأسلحة النووية إلى بولندا المجاورة لبيلاروسيا، بعد أن رفضت المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل، نشر أسلحة نووية جديدة في بلادها، وهو ما يهدد بأن تتحول الحدود البيلاروسية البولندية من أزمة لاجئين لم تنتهِ بعد، إلى أزمة أسلحة نووية غربية مع رؤوس نووية روسية.

الأخطر في كل هذا أن بيلاروسيا تؤكد جاهزيتها لتركيب الأسلحة النووية الروسية في أسرع وقت ممكن؛ نظراً لتوافر الخبرة البيلاروسية الكبيرة في مجال الأسلحة النووية. فما هي سيناريوهات الحشد النووي شرق أوروبا؟ وهل تتكرر أزمة الصواريخ الكوبية؟ وماذا عن 150 قنبلة نووية من طراز «بي 62» جرى نشرها في أوروبا، فضلاً عن تجهيز 480 قنبلة نووية جديدة في القارة العجوز؟

أزمة خليج الخنازير

مثلما كانت بولندا وليتوانيا ولاتفيا وإستونيا تنتمي لحلف وارسو وموالية للاتحاد السوفيتي السابق حتى عام 1991، وأصبحت اليوم من أشد المناهضين والمعارضين لروسيا، كانت أيضاً كوبا، التي تبعد 90 ميلاً فقط عن ساحل ولاية فلوريدا، حليفاً للولايات المتحدة حتى عام 1959، لكن عندما قامت الثورة الشيوعية على الجنرال فولجنسيو باتيستا الموالي للولايات المتحدة، رفضت واشنطن التعاون مع الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، الذي بات أقرب للاتحاد السوفيتي. لذلك فكر الرئيس الأمريكي الراحل جون كيندي، في التخلص من كاسترو عن طريق إرسال 1400 من المعارضين الكوبين، ونظراً لعدم وجود غطاء جوي للمعارضين، فشلت العملية التي أطلق عليها عملية «خليج الجنازير» عام 1961. وترتب على هذا الفشل أن كاسترو وافق على نشر صواريخ نووية قصيرة ومتوسطة المدى من الاتحاد السوفيتي، وهو ما كشفته واشنطن في 14 أكتوبر 1962، كما كشفت الطائرات الأمريكية أن هناك 20 سفينة في المحيط الأطلنطي في طريقها لكوبا تحمل صواريخ نووية، لذلك سارع كيندي بفرض حصار بحري على كوبا، حتى لا تصل الصواريخ النووية إلى الجزيرة، وبعد 13 يوماً من احتمال المواجهة النووية وافق الزعيم الروسي نيكيتا خروشوف على عودة السفن التي تحمل صواريخ نووية، وإزالة مواقع الإطلاق في كوبا، وهي أقرب لحظة كان فيها الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة من الدخول في حرب نووية.

630 قنبلة نووية

هذا السيناريو يتكرر اليوم على الحدود البولندية البيلاروسية في ظل عدم معرفة حتى الآن ما هي خطط الناتو لنشر مزيد من الرؤوس النووية بالقرب من الحدود الروسية، كما لم تعلن روسيا بعد عن إرسال تلك الصواريخ النووية إلى بيلاروسيا، لكن المؤكد أن هناك حشداً غير مسبوق من الرؤوس النووية في أوروبا بعد أن كشفت مسودة تقرير للجنة الدفاع والأمن، التابعة للجمعية البرلمانية لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، في أبريل 2019 تفاصيل حول نشر قنابل نووية في 6 قواعد جوية في أوروبا وتركيا، تقوم الولايات المتحدة بتخزين 150 سلاحاً نووياً فيها، خاصة قنابل الجاذبية من طراز «بي 61». وكشفت هذه المسودة التي جاءت ضمن تقرير بعنوان «عصر جديد للردع النووي»، والتي اطلعت عليها وكالة الصحافة الفرنسية، وكتبها السيناتور الكندي جوزيف داي، أنه جرى بالفعل نشر 150 سلاحاً نووياً في قواعد «بوتشيل» في ألمانيا، و«أفيانو، وجيدي توري» في إيطاليا، و«فولكل» في هولندا، و«أنجريليك» في تركيا، و«كلاين بروغل» في بلجيكا.

ليس هذا فحسب، فقد أكد اتحاد العلماء الأمريكيين FAS في 18 نوفمبر الشهر الماضي، أن الولايات المتحدة تعد العدة لإنتاج ما لا يقل عن 480 قنبلة نووية جديدة من طراز «بي 61 – 12» بهدف تجهيز قاذفاتها وقاذفات حلف الناتو بالقنابل النووية في أوروبا. وكشف اتحاد العلماء الأمريكيين أن هذه القنابل الجديدة سيجري تحميلها على قاذفات الشبح الاستراتيجية من طراز «(B-21 Raider - B-2Spirit)، وأن هذه القنابل سوف يتم نشرها في الولايات المتحدة في بداية العام المقبل، بينما ستكون جاهزة في المخازن الأوروبية عام 2023، وأكدت هذا الأمر أيضاً إدارة الأمن النووي الوطنية الأمريكية، المنوط بها الاهتمام بالترسانة النووية الأمريكية التي قالت الشهر الماضي، وفق وكالة أنترفاكس الروسية، إن تطوير القنبلة النووية التكتيكية الجديدة اكتمل، وسيبدأ إنتاجها قريباً لتكون بديلاً للإصدارات القديمة من هذه القنبلة «B 61-3 – B61-4»، وسوف تكون جاهزة للتوزيع على القواعد الأوروبية.

الانسحاب من INF

ويفاقم من الحشد النووي في أوروبا انسحاب الولايات المتحدة وروسيا اللتين تملكان وحدهما نحو 90% من الأسلحة النووية في العالم من اتفاقية «منع إنتاج ونشر الصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى» في أوروبا في أغسطس 2019، وهي الاتفاقية التي وقعها الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة عام 1987، والمعروفة باتفاقية INF، وهو ما يعني إطلاق العنان لأن تصبح العواصم الأوروبية مثل باريس وبرلين ووارسو تحت رحمة هذه الصواريخ، بعد أن كان يُمنع طوال نحو 3 عقود من إنتاج هذه الصواريخ النووية سواء القصيرة أو المتوسطة.

قصف روسيا بالنووي

لا تقتصر المخاوف من اندلاع حرب نووية على الحدود البولندية البيلاروسية، بل أعلنت روسيا أكثر من مرة أن الولايات المتحدة تجري تدريبات مكثفة من أجل توجيه ضربة نووية مزدوجة على الجبهتين الشرقية والغربية لروسيا، بشكل متزامن عبر تحميل القاذفات الأمريكية بالصواريخ النووية، بحسب ما قال وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو، في 23 نوفمبر الماضي عندما كشف أن مناورات «Global Thunder» ضمنت تحميل 10 قاذفات أمريكية بالرؤوس النووية الموجهة لروسيا، وأن وتيرة هذه القاذفات وصلت إلى 30 طلعة، وهو ما يؤشر لزيادة مرتين ونصف عن نفس الشهر عام 2020 في عدد الطلعات قرب الحدود الروسية.

روشتة الحل

لعلّ محادثات القمة الأمريكية-الروسية مؤخراً يمكن أن تقود إلى نفس الحكمة التي تحلى بها الرئيسان كيندي وخروشوف لنزع فتيل أكبر أزمة نووية في القرن الماضي، ويمكن أن يتحقق ذلك بالعودة للاتفاقيات السابقة عندما نجحت واشنطن وموسكو في تمديد اتفاقية «ستارت 3» لمدة 5 سنوات بعد وصول الرئيس بايدن للحكم، كما يمكن للولايات المتحدة وحلفائها الأطلسيين الوفاء بالوعد الذي قطعته واشنطن للرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن بعدم توسع الناتو شرقاً، مقابل ضمانات روسية بعدم الاعتداء على دول الجوار، ما يمكن أن يوفر حلاً عملياً للأزمات المتفاقمة شرق أوروبا.