الاثنين - 08 أغسطس 2022
الاثنين - 08 أغسطس 2022

أمريكا والحلفاء.. مهام عسكرية جديدة وشراكة في الأهداف والتكاليف

أمريكا والحلفاء.. مهام عسكرية جديدة وشراكة في الأهداف والتكاليف

عندما تتغير التحديات.. تتغير الأولويات والأدوات والأدوار. (رويترز)

تمر العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الاستراتيجيين في العالم بمرحلة تحول كامل، الهدف منها تعزيز قدرة واشنطن وشركائها الإقليميين والدوليين على مواجهة ما تراه الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس جو بايدن من مخاطر جديدة ونوعية تأتي غالبيتها من الصين وروسيا، بحسب ما جاء في الدليل المبدئي لوثيقة الأمن القومي الأمريكي التي أعلنها البيت الأبيض في 4 مارس الماضي.

لهذا تعمل الولايات المتحدة على محورين رئيسيين هما: إعادة هيكلة وتوجيه الميزانية الدفاعية نحو أنشطة تتفق مع التحديات الجديدة، بالإضافة إلى مطالبة الشركاء والحلفاء في الناتو واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا بمزيد من الإنفاق العسكري، والقيام بأدوار جديدة لم يقم بها الحلفاء من قبل.

لهذا تتجه الولايات المتحدة وشركاؤها في حلف الأطلسي إلى عدم الاستعانة بقوات أمريكية جديدة في أوروبا، مع الاستفادة من القدرة القصوى للقوات الموجودة في القواعد الأمريكية هناك، وهي رؤية يدعمها مستشار الأمن القومي الأمريكي، جيك سوليفان، الذي أعلن نقل بعض عناصر القوات الأمريكية وقوات حلف الناتو من وسط وغرب أوروبا لدعم قدرات دول الجناح الشرقي في حلف الناتو، في ظل الخلاف مع روسيا حول أوكرانيا والبحر الأسود ومنطقة الحدود البولندية البيلاروسية.

فما هي أبعاد «الهيكلة الجديدة» في الأدوار والتمويل التي تقوم بها الولايات المتحدة لمواجهة التحديات الحالية؟ وإلى أي مدى يستجيب الحلفاء والشركاء للمطالب الأمريكية؟ وهل يصل ما تطالب به واشنطن إلى حد تغيير العقيدة العسكرية لدول مثل اليابان؟

التكيف مع التحديات

القراءة المتأنية للميزانية الدفاعية الأمريكية لعام 2022، والتي بلغت نحو 770 مليار دولار، ووافق عليها مجلس النواب في 8 ديسمبر الجاري بغالبية 363 نائباً وعارضها 70 نائباً فقط، وفق ما نقلت قناة C-SPAN، تقول إن هناك إجماعاً بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري على طبيعة المخاطر والتحول الجديد سواء في الإنفاق، أو في الأدوار التي ينبغي أن يقوم بها الشركاء في أوروبا والمحيطين الهندي والهادئ حيث تركز الميزانية الجديدة على مواجهة روسيا والصين، كما تخصص المزيد من الأموال للبحث والتطوير والذكاء الصناعي ومواجهة الصواريخ الأسرع من الصوت.

كل هذا يؤكد أن الولايات المتحدة ترفع شعار التكيف مع التحديات المستجدة في مواجهة الصعود الصيني وتنامي الخلافات الغربية مع روسيا، فالميزانية الدفاعية الجديدة تستثمر نحو 66 مليار دولار في المنطقة المحيطة بالصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، من خلال دعم مبادرة الردع في المحيط الهادئ، في حين خصصت 4 مليارات دولار لمواجهة روسيا من خلال تمويل ما يسمى «مبادرة الاحتواء الأوروبية»، بالتزامن مع رفع سقف المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا من 250 مليون دولار إلى 300 مليون دولار، وتقديم مساعدة أمنية لدول البلطيق الثلاث إستونيا ولاتفيا وليتوانيا بـ150 مليون دولار، بالإضافة إلى 112 مليار أخرى لتعزز عمليات البحث والتطوير والتقييم والاختيار واتصالات الجيل الخامس، وإنتاج صواريخ جديدة تواجه الصواريخ الصينية والروسية، وسحب جزء من الطائرات القديمة وأيضاً استبدال سفن قديمة مثل A- 10، بالإضافة إلى تقليص عدد القوات البرية بـ4600 مع تقليص ميزانية القوات البرية بنحو 1.5 مليار دولار.

طبيعة التحدي الصيني كما تراه واشنطن يتطلب التركيز والعمل على القوات الجوية والبحرية، لذلك وافق البنتاجون على زيادة المخصصات للقوات الجوية بـ8.7 مليار دولار، وحصلت القوات الجوية على 17 طائرة جديدة من طراز«إف-15 إي إكس»، بينما كانت تطلب القوات الجوية 12 طائرة فقط في مسودة الميزانية التي قدمها بايدن في مايو الماضي، وفق ما قالت صحيفة «ديلي ميل»، كما زادت الولايات المتحدة من مخصصات القوات البحرية بـ4.6 مليار دولار أمريكي، وكل هذا يعكس الحجم الكبير في التحول نحو إعادة هيكلة أدوار الفروع المختلفة للقوات الأمريكية.

المشاركة في الأعباء

يعكس حجم الميزانية الدفاعية الأمريكية مدى الإنفاق العالي على قضايا الأمن والتسليح في الولايات المتحدة، حيث تعد نسبة الإنفاق العسكري الأمريكي من أعلى النسب في العالم مقارنة بالناتج القومي، حيث بلغ متوسط الإنفاق الأمريكي على القوات الأمريكية نحو 3.7% من الناتج القومي خلال العقدين الماضيين.

لهذا تطلب واشنطن من شركائها الإقليمين المزيد من الإنفاق العسكري سواء على قوات هؤلاء الشركاء أو المشاركة في تحمل نفقات القوات الأمريكية التي تستضيفها تلك الدول، وبحسب صحيفة «جابان توداي» اليابانية فإن شهر يناير المقبل سيشهد بداية المفاوضات بين وزيري الدفاع الأمريكي والياباني للاتفاق على نسبة الزيادة التي ستتحملها اليابان نتيجة لاستضافة نحو 50 ألف جندي في 48 قاعدة أمريكية على الأراضي اليابانية.

وبينما بلغت ميزانية الجيش الياباني الذي هو خامس أقوى جيش في العالم في عام 2021 نحو 51.7 مليار دولار، حسب موقع «غلوبال فاير بور» الأمريكي، فإن الولايات المتحدة نجحت في إقناع اليابان للدخول في محادثات تستهدف زيادة المشاركة اليابانية في تحمل كلفة الصيانة والتدريب والنفقات للقوات الأمريكية في اليابان، بداية من الميزانية اليابانية الجديدة التي تبدأ في مارس المقبل، وفق ما نقلت صحيفة «جابان توداي»، التي قالت أيضاً إن المساهمة اليابانية في العام الجاري لاستضافة القوات الأمريكية بلغت 201.7 مليار ين «نحو 1.79 مليار دولار»، وخلال السنوات الماضية كان يجري وضع اتفاق كل 5 سنوات حول التكاليف التي ينبغي على اليابان دفعها، ولكن بالنسبة للسنة المالية الحالية تم الاتفاق على عام واحد نظراً للانتقال السياسي من الجمهوريين إلى الديمقراطيين الذي حدث في الولايات المتحدة في 20 يناير الماضي.

وتبذل واشنطن جهوداً كبيرة لإقناع شركائها الأطلسيين، خاصة في الجناح الغربي من الحلف، بضرورة الوصول إلى نسبة إنفاق دفاعي 2% من الناتج القومي، وفق ما أقره أعضاء الحلف في قمة ويلز عام 2014، والتي تشترط الوصول إلى هذه النسبة قبل 2024، فالولايات المتحدة أنفقت وحدها عام 2017 نحو 686 مليار دولار على الحلف بما يشكل نحو 71% من نفقات حلف الأطلسي، وفق ما نقلت شبكة «يورو نيوز».

تغير العقيدة القتالية

وساهمت الضغوط على الولايات المتحدة في أن تطلب من حلفائها ليس فقط دفع مزيد من الإنفاق المالي، بل الدفع نحو دور عسكري وأمني جديد، فبالرغم من أن المادة 9 من الدستور الياباني الذي فرضته واشنطن على طوكيو عام 1947 تنص على تخلي اليابان عن الحق السيادي في القتال، إلا أن اليابان باتت على استعداد للعب دور أكثر على الساحة العالمية بتشجيع من الولايات المتحدة نفسها، حيث يدعم رئيس الوزراء الياباني الجديد فوميو كيشيدا، القيام «بعمليات استباقية» تشمل القدرة على مهاجمة قواعد العدو.

وفي ظل الخلافات اليابانية مع الصين وكوريا الشمالية وروسيا، يسعى كيشيدا لتضمين مبدأ العمليات الاستباقية ضمن 3 وثائق أمنية هي «استراتيجية الأمن الوطني» و«إرشادات برنامج الدفاع الوطني» و«برنامج الدفاع متوسط المدى»، وهو الأمر الذي قد يراه البعض بأنه تغيير في العقيدة العسكرية للبلاد.

كل هذا يؤكد أنه عندما تتغير التحديات تتغير معها الأولويات والأدوات وأيضاً الأدوار، وهو ما تحاول أن تقوم به الولايات المتحدة وحلفاؤها في العالم.