الثلاثاء - 18 يناير 2022
الثلاثاء - 18 يناير 2022
جدار برلين لم يسقط بالمدفعية.. بل بمطارق من داعبت خيالهم حرية الغرب. (أ ف ب)

جدار برلين لم يسقط بالمدفعية.. بل بمطارق من داعبت خيالهم حرية الغرب. (أ ف ب)

بعد 3 عقود على ظهور المصطلح.. أين ذهبت «القوة الناعمة»؟

بعد أكثر من 30 عاماً على صياغته المصطلح السياسي، تساءل جوزيف ناي (الابن) عما آل إليه الآن مفهوم «القوة الناعمة» في المعترك «الدرامي» للعلاقات الدولية، بين بلدان تلجأ إلى قوة «الإكراه» لتعزيز مصالحها، وأخرى تستعين بقوة «الجذب».

نشر مركز «بلفير» للعلوم والشؤون الدولية، التابع لجامعة هارفارد الأمريكية، تحليلاً لجوزيف ناي، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة نفسها، والذي تحدث عن «القوة الناعمة» لأول مرة عام 1990، في كتابه «الطبيعة المتغيرة للقوة الأمريكية»، لوصف القدرة السياسية للدول على انتهاج سياسة الجذب، دون إكراه كوسيلة للإقناع.

بعد ذلك، شاع استخدام المصطلح على نطاق واسع في الشؤون الدولية، من قبل المحللين والسياسيين على حد سواء.

بدأ ناي تحليله بالإشارة إلى الصراعات الأبرز على الساحة الدولية، في ختام 2021، قائلاً إنه في وقت حشدت فيه روسيا قواتها قرب حدودها مع أوكرانيا، كانت الصين تنقل طائرات عسكرية قرب تايوان، فيما تمضي كوريا الشمالية قدماً في برنامجها للأسلحة النووية.

وأضاف هنا «سألني أصدقائي: ماذا حدث للقوة الناعمة؟». فأجاب أنه يمكن العثور عليها في أحداث أخرى موازية. فمع القمة الافتراضية من أجل الديمقراطية، ردت الصين، التي تم استبعادها من المشاركة، باللجوء إلى موجات الأثير ووسائل التواصل الاجتماعي، لتعلن أن لديها نوعاً مختلفاً وأكثر استقراراً من الديمقراطية التي تتشدق بها الولايات المتحدة.

«ما كنا نراه هو منافسة بين القوى العظمى على القوة الناعمة، والتي تُفهم على أنها القدرة على التأثير على الآخرين عن طريق الجذب بدلاً من الإكراه أو الدفع».

أثرها بطيء

ولا ترتبط القوة الناعمة فقط بالسلوك الدولي، إنما يمكن للمنظمات أيضاً أن تمارس القدرة على الجذب، إذ إن القوة الناعمة تعتبر مكوناً أساسياً للقيادة.

لكنها - وبحسب ناي - «ليست المصدر الوحيد أو حتى الأهم لمصادر القوة، ذلك أن آثارها عادة ما تكون بطيئة وغير مباشرة». في الوقت نفسه، فإن تجاهلها وإهمالها «خطأ استراتيجي جسيم».

تاريخياً، الإمبراطورية الرومانية على سبيل المثال، لم تعتمد فقط على جحافلها العسكرية، بل استندت إلى «جاذبية الثقافة والقانون الروماني».

جدار برلين

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، شكل التواجد الأمريكي في منطقة أوروبا الغربية «إمبراطورية» جديدة، ربما عن طريق «الدعوة». فجدار برلين لم يسقط بقذائف مدفعية، بل بمطارق وجرافات أشخاص داعبت خيالهم وألهبت حماسهم مفاهيم القوة الناعمة الغربية.

ويوضح ناي أن «القادة السياسيين الأذكياء أدركوا منذ زمن أن القيم يمكن أن تخلق القوة. فإذا تمكنتُ من جعلك تريد ما أريد، لن أُضطر إلى إجبارك على فعل ما لا تريد». بمعنىً آخر، اعتناق بلد ما قيماً يجدها الآخرون جذابة، يُغني هذا البلد عن استخدام السياسة التقليدية المتمثلة في «العصا والجزرة».

وصنف أستاذ العلوم السياسية مصادر القوة الناعمة كالتالي:

  1. الثقافة
  2. الديمقراطية وحقوق الإنسان
  3. السياسة الخارجية

القوة الصلبة

استخدمت الصين خلال جائحة كوفيد «دبلوماسية اللقاح» لتعزيز قوتها الناعمة، بعدما تضررت بشدة، في أعقاب تفشي فيروس كورونا.

مع ذلك، جاءت نتائج استطلاعات الرأي مخيبة لآمالها، فيما يتعلق بمقاييس الجاذبية. واعتبر ناي أن أحد أسباب ذلك يعود إلى ما وصفه بـ«استخدامها الثقيل للقوة الصلبة في سياستها الخارجية القومية».

كذلك، عانت الولايات المتحدة أثناء إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من تراجع نتائج استطلاعات الرأي الدولية بشأن قوتها الناعمة.

لكن الولايات المتحدة، «أكثر من مجرد حكومة». كما أن العديد من موارد قوتها الناعمة منفصلة عن الحكومة. أفلام هوليوود، على سبيل المثال، تلهم الكثيرين حول العالم. أيضا الشركات والجامعات والمؤسسات والكنائس وحركات الاحتجاج «قوة ناعمة» مستقلة بذاتها. وتزداد أهمية هذه المصادر مع اتساع وسائل التواصل الاجتماعي.

و«لا يعني ذلك أن كل شيء على ما يرام، فيما يتعلق بالديمقراطية الأمريكية أو قوتها الناعمة»، وفقاً لناي. فنتائج سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة لم تظهر بعد. كما «لا يتسنى لأحد التأكد من المسار المستقبلي للقوة الناعمة في أي بلد». لكن المؤكد أن التأثير عن طريق «الجذب» سيظل عنصراً مهماً في السياسة الدولية، والحديث عن «موت» القوة الناعمة يعتبر «مبالغاً فيه إلى حد بعيد».