الثلاثاء - 23 يوليو 2024
الثلاثاء - 23 يوليو 2024

ولادة ميتة لـ «قمة الضرار» في كوالالمبور

ولادة ميتة لـ «قمة الضرار» في كوالالمبور

مهاتير محمد مصافحاً رجب طيب أردوغان في ماليزيا. (أ ف ب)

أوجه وملامح فشل عدة طاردت منظمي «قمة كوالالمبور» مُحوّلة هذه المبادرة من فكرة لجمع قادة العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه إلى مجرد لقاء حول طاولة لا تتسع لأكثر من 4 «زعماء» يقودون دولاً يُعدّ التخبط السياسي والأزمات الاقتصادية والعزلة الدولية القاسم المشترك بينها.

ونقلت وكالات أنباء عالمية عن مصادر ماليزية رسمية أن دعوات المشاركة في القمة وُجهت إلى 56 دولة، إلا أن عدد زعماء الدول في مشهد افتتاح القمة قد لا يتجاوز الأربعة، في ضربة لأوهام فريق المبادرة التي جاءت نتيجة فكرة تركية بتمويل قطري واستضافة ماليزية.

وحسب محللين، فإن القمة التي بدأت الأربعاء بعشاء ترحيب، وتختتم السبت المقبل، فارقت الحياة قبل أن ترى النور بسبب أهدافها الغامضة والرفض الواسع الذي منيت به فكرتها من قبل مراكز الثقل الإسلامي الكبرى.


وفي أحدث محاولة لامتصاص وتهدئة موجة الامتعاض في العالم الإسلامي من القمة المشبوهة، هاتف رئيس الوزراء الماليزي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود سعياً لحفظ بعض ماء الوجه إثر انكشاف غايات الخطوة الجديدة الهادفة، حسب الكثيرين، إلى خلق كيان جديد من شأنه أن يفاقم حالة التشرذم الإسلامي ويقفز على الدور المنوط بمنظمة التعاون الإسلامي منذ تأسيسها عام 1969.


ورافق الإعلان عن عقد القمة تصاعد في وتيرة معارضة فكرتها على الصعيدين الرسمي والشعبي، حيث وصفت من قبل الكثيرين بـ«قمة الضرار»، فيما نعتها البعض بـ«قمة الشقاق والفتنة».

وسلط محللون الضوء على حجم المشاكل والأزمات التي تعيشها الدول الداعية والمحتضنة للقمة، مشيرين إلى أنها ليست الأكثر كفاءة وأهلية لحل أزمات العالم الإسلامي المعقدة نظراً لما تواجهه من تهديدات تكاد تعصف باستقرارها.

حادثة غير مسبوقة

وتزامناً مع انعقاد «قمة ماليزيا»، برزت تحذيرات رسمية تجاه المساعي الهادفة لإضعاف منظمة التعاون الإسلامي التي تمثل الجسد الإسلامي العالمي بجمعها 57 دولة تحت مظلتها.

وشدد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، الدكتور يوسف العثيمين، على أن «الدعوة لعقد أي لقاءات أو قمم إسلامية خارج المنظمة تشكل حادثة غير مسبوقة»، موضحاً أن عقد مثل هذه اللقاءات خارج إطار المنظمة سيضعف قوة التصويت لدى العالم الإسلامي أمام المجتمع الدولي.

وقال العثيمين في تصريحات لـ«سكاي نيوز عربية» إن «قيام عضو بعقد اجتماعات تخص العالم الإسلامي خارج إطار المنظمة يعد شقاً للصف الإسلامي وتغريداً خارج السرب»، واصفاً المنظمة بأنها «الصوت الجامع للمسلمين في الشرق والغرب والمعبّر عن مختلف قضاياهم».

ومن جانبه، قال وزير الدولة للشؤون الخارجية، الدكتور أنور قرقاش، إن إضعاف منظمة التعاون الإسلامي ليس من مصلحة العالم الإسلامي ودوله.

وذكر قرقاش في تغريدة الاثنين الماضي أن «سياسة المحاور تجاه المنظمة وأعضائها سياسة قصيرة المدى ولا تتسم بالحكمة، الإجماع ووحدة الكلمة، وبرغم صعوبة بلورتها أحياناً، تبقى أكثر تأثيراً من المحاور الانتقائية والتفتيت وستثبت الأيام صحة ذلك».

بدوره، اعتبر أستاذ العلوم السياسية، الأردني الدكتور زيد النوايسة، أن الرئيس التركي رجب أردوغان يعد العقل المدبر للقمة، حيث يسعى من وراء هذه الفكرة إلى خلق كيان جديد يقدمه للعالم كزعيم إسلامي أوحد.

انسحاب اللحظة الأخيرة، مثل تراجع رئيس الوزراء الباكستاني عمر خان عن المشاركة في القمة، كان رصاصة الرحمة التي أجهزت على المبادرة.

وتعززت خطوات انكشاف حقيقة القمة بعد اعتذار الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو عن المشاركة في الاجتماع أيضاً، ليقتصر الحضور على أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الإيراني حسن روحاني.

وأرجع الدكتور النوايسة أسباب الرفض الواسع للقمة إلى كون الأطراف التي تقف وراءها متورطة في زعزعة الاستقرار وخلق البلبلة في بلدان إسلامية عدة، من سوريا إلى اليمن والعراق وليبيا، ما يصعّب على القمة الخروج بموقف إسلامي موحد تجاه قضايا تعد هذه الدول من الأطراف الرئيسة فيها.

مأزومون يبشرون بحل!

مع انحسار واجهة القمة في 4 زعماء فقط، برز التساؤل حول مدى قدرة دولهم على مواجهة التحديات التي تدّعي القمة إمكانية التصدي لها والسعي لإيجاد حلول جذرية لها.

وفي هذا السياق لفت خبراء إلى أن الأوضاع في الدول الأربع (تركيا، إيران، قطر، ماليزيا) لا تبشر كثيراً بقدرتها على القيام بهذه المهمة.

ففي تركيا، تواجه حكومة أردوغان وضعاً داخلياً مربكاً وتفجراً للأزمات في محيطها وحول حدودها نتيجة السياسات المتخبطة المدفوعة بهستيريا نزعة الاستحواذ والسيطرة، حيث تمتد الأزمات التركية من حدود سوريا البرية إلى أعماق البحر الأبيض المتوسط.

وفي إيران، يضيق الخناق يوماً بعد يوم على نظام الملالي في الداخل والخارج، حيث تتوسع رقعة الاحتجاجات على سياساته في المحافظات الإيرانية، فيما تواجه سياساته الخارجية الراعية للإرهاب وجماعات التطرف المذهبي رفضاً دولياً صارماً وانتفاضة عريضة، كل ذلك بالتزامن مع عقوبات دولية لم يعرفها النظام من قبل.

وتعد قطر الضلع الأكثر هشاشة في «الكيان الجديد»، حيث أسفرت سياسات تنظيم الحمدين عن إغراق الدوحة في بحر من المشاكل، ليس أقلها تهم رعاية الإرهاب التي تلاحقها في مختلف أنحاء العالم.

ولا تبشر الأوضاع بخير في ماليزيا، حيث يشهد البلد صعوبات اقتصادية وتطال أجهزة الحكومة اتهامات واسعة بالفساد والرشوة.

وفي أحدث مؤشرات هذه الصعوبات، حذر صندوق النقد الدولي الأربعاء من أن ماليزيا معرضة لتصاعد التوترات التجارية، وسط مخاطر سلبية فيما يتعلق بتوقعات النمو.

غضب شعبي

على الصعيد الشعبي، تصاعد غضب مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من قمة كوالالمبور، حيث غرد الكثيرون تحت وسم #قمة_الضرار، مسلطين الضوء على الأهداف الخفية لهذه المبادرة، ومحذرين من نوايا القائمين عليها.

وقال عبداللطيف آل الشيخ في تغريدة تحت هذا الوسم إن «قمة الضرار انتهت قبل أن تبدأ»، فيما اعتبر عبدالله البندر أن تركيا وقطر سعتا عبر هذه القمة إلى «شق صف المسلمين».

وشدد مغردون من مختلف أنحاء العالم الإسلامي على أن القمة ولدت ميتة نظراً لفشلها في حشد الدعم اللازم للانعقاد، وأشاروا إلى أن هذه الخطوة تهدف لخلق قيادة إسلامية خارج مراكز القوة والقرار والتأثير الإسلامي.

ويرى الدكتور النوايسة أن هناك محاولة مستمرة منذ فترة لإخراج مواقع التأثير الإسلامي من الفضاء العربي، مشيراً إلى أن أي رسالة إسلامية يراد لها التأثير في العالم يجب أن تنبع من إرادة جمعية، وأن تكون صادرة من إحدى حواضر العالم الإسلامي الكبرى.