الاثنين - 15 أبريل 2024
الاثنين - 15 أبريل 2024

«تشين تشيان جين».. جندي مجهول في معركة تايوان مع «كورونا»

«تشين تشيان جين».. جندي مجهول في معركة تايوان مع «كورونا»

رئيسة تايوان ونائبها وإدارة محنكة لأزمة الوباء.



تجذب تايوان الأنظار إليها هذه الأيام، فارضة نفسها بقوة على الساحة، بتجربة فريدة لافتة في الاحتواء المبكر لفيروس «كورونا»، وسط عدد من المفارقات السياسية التي تحيط بالأزمة الصحية العالمية.



الوضع الراهن في الجزيرة الصغيرة هو كالتالي: سجلت تايوان 380 إصابة ـ فقط ـ بمرض «كوفيد-19»، توفي منهم 5 أشخاص، وتعافى 80 آخرون. وذلك منذ تفشي الوباء في منتصف ديسمبر الماضي.



واللافت أن تايوان لم تُضطر إلى فرض إجراءات قاسية كإغلاق صارم لجأت إليه ـ مؤخراً ـ الغالبية العظمى من دول العالم، وعلى رأسها الدول المتقدمة في أوروبا وأمريكا.



أما المفارقة فهي أن تايبيه، ولأسباب سياسية، ليست عضواً في منظمة الصحة العالمية، بسبب ضغوط الصين، التي لا تعترف بها حتى كدولة.



وعلى مدار الأيام القليلة الماضية، التي تعرضت فيها المنظمة ورئيسها الإثيوبي تيدروس أدهانوم غيبريسوس لانتقادات واسعة، بسبب سوء إدارته للكارثة العالمية، برزت «الجزيرة المنعزلة» كنموذج نجح مستقلاً عن الركب الدولي.



ووجهت رئيسة تايوان تساي إينج-وين دعوة، اليوم الخميس، إلى غيبريسوس لزيارة تايوان، وسط توتر مكتوم، كشفته تصريحات حديثة لرئيس منظمة الصحة اتهم فيها تايوان بتوجيه «إهانات عنصرية» مستمرة ضده منذ شهور، الأمر الذي تنفيه تايبيه.



وبحسب صحيفة «تايوان نيوز»، فإن تايبيه مؤخراً ودون ضجيج، كانت قِبلة للمراكز البحثية الأكاديمية ولحكومات العالم من الولايات المتحدة واليابان ونيوزيلاندا والمملكة المتحدة. الكل لجأ إليها لتسدي لهم نصيحتها في هذا المجال، وتنقل لهم خبرتها الناجحة في التحكم في وباء اجتاح العالم وأغلق الحدود بين غالبية دوله.



كان ذلك ما دفع شبكة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» إلى إجراء حديث، الأربعاء، مع تشين تشيان جين، نائب رئيس تايوان، والذي أبدى استعداد بلاده التام لمساعدة الدول المتضررة، وإمداداها بالمعدات الطبية اللازمة.



وبعيداً عن دبلوماسية «تشين تشيان جين»، يبرز نائب رئيس تايوان، داخل بلاده وخارجها، كعالم أوبئة محنك. استضافته الهيئة البريطانية ليتحدث عن «التجربة التايوانية» الناجحة في التصدي لفيروس «كورونا».



فبينما لا تزال دول العالم المتقدمة تكافح الوباء، فاقدة القدرة على احتواء العدوى، استطاعت تايوان السيطرة على الفيروس والحد من انتشاره مبكراً نسبياً.



عزا «تشين تشيان جين» رد فعل الحكومة التايوانية السريع في التعامل مع أزمة «كوفيد-19» إلى الاستفادة من تجربتها السابقة عام 2003 عندما تفشى وباء سارس.



تعلمت تايوان الدرس وأدركت الأهمية القصوى لضرورة إنشاء سلطة مركزية تتلقى المعلومات من مختلف قطاعات الدولة، لتسهيل عملية اتخاذ القرار بعد ذلك.



وقال تشين إن «مركز الوباء لاتخاذ القرار» في بلاده قام بالفعل بعمله على أكمل وجه، خلال الأزمة الحالية، إذ حافظ على مبدأ شفافية المعلومات، بحيث لا يترك الجماهير لتتأثر بالشائعات المغلوطة فتصاب بالهلع.



وأضاف أن خبراء الصحة في تايوان تعاونوا مع نظرائهم الأمريكيين، لتطوير وسائل فحص سريعة لرصد المرض، فضلاً عن أبحاث إنتاج اللقاح. كما أعرب عن أمله في التعاون مع الأطباء البريطانيين في هذا المجال.



يمثل «تشين تشيان جين» بدوره نموذجاً لاختيار الرجل المناسب في المكان المناسب. فتايوان تعهدت، بعد متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد «سارس» ألا تعيش هذا الوضع مجدداً، إذ سجلت آنذاك أكبر حصيلة للوفيات بلغت 84 شخصاً، بعد الصين وهونغ كونغ. ووضعت تايوان نفسها منذ ذلك التاريخ في حالة تأهب مستمرة لأي وباء محتمل.



لذا لم يكن تدرجه في المناصب القيادية في بلاده محض صدفة. حتى وقت قريب، كان «تشين تشيان جين» (69 عاماً) جندياً مجهولاً في الأزمة. ويشغل عالم الأوبئة البارز منصب نائب الرئيس منذ 2016.



أثرى المعاهد البحثية بالعديد من الإسهامات العلمية في علم الأوبئة ومكافحة العدوى ومعروفة عنه قدرته العالية على إدارة الأزمات والكوارث ومهاراته في التواصل الاجتماعي والانفتاح على الآخر.



وحصل على درجة الماجستير في علم الحيوانات عام 1973. ثم حصل على الماجستير في الصحة العامة عام 1977 من جامعة تايوان. وفي 1982، حصل على الدكتوراه في علم الأوبئة والجينات البشرية من جامعة «جون هوبكنز» الأمريكية، تلك الجامعة التي تطالعنا يومياً منذ تفشي «كوفيد-19» بالإعلان عن أحدث إحصاءات أعداد الوفيات والمصابين في الولايات المتحدة.



تخصصاته تلك، فضلاً عن خبرته في الطب الوقائي، أهلته لدى عودته إلى تايوان لتقلد العديد من المناصب الأكاديمية والتنقل بينها حتى 2015.



وأثناء وباء سارس 2003، تم تعيينه وزيراً للصحة. وتمكن آنذاك في وقت قصير من السيطرة على الفيروس في بلاده، رغم الخسائر في الأرواح.



ومع موجة الوباء الجديدة، بادرت تايوان فوراً بإنشاء مركز الأزمات، حتى قبل أن تعترف الصين أمام العالم بحجم الخطر، وتقرر غلق ووهان.



واتخذت الحكومة التايوانية عدداً من الإجراءات المدروسة المبكرة من مراقبة المسافرين، وتعقب الوافدين. وكانت رائدة في قرار منع دخول المسافرين من الصين، في وقت كانت فيه منظمة الصحة العالمية توصي بتجنب مثل تلك الإجراءات «المبالغة».



قدمت تايوان نموذجاً في كسب معركة الوقت مع فيروس «كورونا»، ما دعا إلى تهافت الحكومات والمراكز البحثية عليها الآن، للاستفادة من تجاربها في كيفية وضع قاعدة بيانات وطنية، دمجت فيها بيانات التأمين الصحي مع بيانات الهجرة والجمارك، لإنشاء شبكة تحليل وتتبع عملاقة، مكنتها من تجنب خسائر كثيرة تكبدتها سائر دول العالم.