الأربعاء - 08 ديسمبر 2021
الأربعاء - 08 ديسمبر 2021
رويترز.

رويترز.

الحكومة اليابانية الجديدة.. أحلام تلامس السماء وبيئة إقليمية ودولية متوترة

يقول المثل الياباني الشهير «لن تستطيع إمساك النمر الصغير إذا لم تدخل عرينه»، والمقصود بهذا أنك إذا لم تكن جريئاً لن تحصل على شيء، ولذلك وضع رئيس الوزراء الياباني، فوميو كيشيدا، منذ انتخابه كزعيم جديد للحزب الليبرالي الديمقراطي في نهاية سبتمبر الماضي، برنامجاً طموحاً في الملفات الداخلية والخارجية قاد حزبه وشريكه الأصغر في الائتلاف «كوميتو» للفوز في الانتخابات التي جرت يوم الأحد الماضي بـ293 مقعداً من مقاعد البرلمان البالغ عددها 465، وهو ما يضمن للحزب الليبرالي الديمقراطي وكوميتو تشكيل الحكومة الجديدة.

ويتمتع كيشيدا البالغ من العمر 64 عاماً، وسليل عائلة هيروشيما المعروفة في عالم السياسة، بالجرأة الكاملة والإرادة السياسية الواضحة لإحداث نقلة نوعية كبيرة في السياسة اليابانية، سواء في الداخل أو في الخارج، الأمر الذي يؤكد أننا أمام مرحلة جديدة ومختلفة من تاريخ ثالث أكبر اقتصاد في العالم، حيث يبلغ الناتج القومي لليابان نحو 4.9 تريليون دولار سنوياً.

لكن اليابان التي عانت من جائحة كورونا، أدت لتنحي رئيس الوزراء السابق، يوشيهيدي سوغا، بعد عام واحد قضاه في الحكم، تواجه بيئة سياسية إقليمية ودولية معقدة للغاية، تحتاج للاستعانة بجانب الحكمة اليابانية، وخامس أكبر جيش في العالم، إلى مقاربات جديدة تحافظ على السلام والاستقرار في شرق آسيا، فما هي حدود هذه المقاربات التي يضطلع بها رئيس الوزراء الجديد؟ وكيف يمكن أن تشكل البيئة المضطربة سياسياً وأمنياً في غرب المحيط الهادئ فرصة لتعزيز مكانة «بلاد مصدر الشمس» إقليمياً ودولياً؟

رأسمالية جديدة

أكثر الأهداف التي يسعى فوميو كيشيدا إلى تحقيقها هو تقوية وتعزيز دور الطبقة الوسطى في المجتمع الياباني؛ بهدف رسم الطريق نحو رأسمالية يابانية جديدة، تقلل الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتعمل على توزيع عادل وفاعل ومحفز لأرباح الشركات، بحيث يستفيد بالإضافة للمساهمين، قطاعات جديدة في الطبقة الوسطى مثل العاملين بتلك الشركات والعملاء المتعاملين معها، وأيضاً المقاولين، والذين يعملون بعقود داخلية لتلك الشركات العملاقة، بالإضافة إلى دعم عمليات التحول الرقمي، والاستثمار في التكنولوجيا، وفق البرنامج الانتخابي للحكومة، وهو ما يشكل تحفيزاً جديداً لكل عناصر العملية الإنتاجية والاستهلاكية.

والهدف هو العودة لمعدلات النمو العالية التي كان عليها الاقتصاد الياباني في الستينات والسبعينات والتي وصلت 10%، وبدأت منذ الثمانينات التراجع حتى وصلت لأدنى معدل لها في عام 011، وحتى يتجنب فوميو كيشيدا الغضب الشعبي الذي أدى لاستقالة سلفه يوشيهيدي سوغا، يتضمن برنامج الحكومة الجديدة دعماً للعاملين في القطاع الصحي، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة جائحة كورونا عبر دعم مشروعات الرعاية الصحية والرعاية طويلة الأجل، وفي نفس الوقت لا تتجاهل رؤية كيشيدا الاقتصادية الخطط التفصيلية لتحفيز الاقتصاد، بعد أن أقرت حكومة شينزو آبي السابقة أكبر حزمة تحفيز اقتصادي في البلاد بلغت 108 تريليونات ين «نحو 990.2 مليار دولار»، كما يدور نقاش وحوار مكثف بين شريكي الحكم «الليبرالي الديمقراطي و كوميتو» حول كيفية دعم الشباب وتقوية شبكة الأمان الاجتماعية عبر سلسلة من الخطوات، يأتي في مقدمتها الاقتراح بإنشاء «صندوق للجامعات» بقيمة 10 تريليونات ين «نحو 90 مليار دولار»، بحسب ما جاء في موقع بروجيكت سينديكيت project syndicate



تحديات إقليمية

يجري تشكيل الحكومة اليابانية الجديدة على وقع واقع إقليمي شديد التعقيد، حيث الخلافات اليابانية الروسية على جزر الكوريل التي رفض كيشيدا توقيع اتفاقية سلام تنهي حالة الحرب مع موسكو قبل التوصل لاتفاق حول الجزر التي سيطر عليها الاتحاد السوفييتي السابق، أثناء الحرب العالمية الثانية في مارس 1945، وكثيراً ما تحدث كيشيدا عن سيادة بلاده على الجزر الأربع وفق اتفاقية الحدود الموقعة بين البلدين في عام 1875، كما أن الحزب الديمقراطي استطاع تمرير قانون أرض الشمال في البرلمان، والذي يرفض التنازل عن أي جزيرة، وهو ما يضع سقفاً لأي تفاوض حول الجزر مع روسيا، لكن خبرة كيشيدا في السياسة الخارجية تؤشر لإمكانية بدء المفاوضات من حيث انتهت العلاقات القوية التي بدأها رئيس الوزراء الأسبق، شينزو آبي، مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتن، حول هذه القضية.

وتواجه الحكومة اليابانية الجديدة المطالب الصينية المتكررة باستعادة جزر سينكاكو الواقعة تحت سيطرة اليابان، وتلقت اليابان دعماً أمريكياً قوياً حول هذه الجزر عندما أعلن البيت الأبيض أن الاتفاقية الأمنية بين طوكيو وواشنطن الموقعة في 14 أغسطس 1945، و جرى تضمينها في معاهدة السلام في سان فرانسيسكو عام 1951، تنطبق على الدفاع عن جزر سينكاكو الواقعة في بحر الصين الشرقي، وذلك في البيان المشترك الذي أصدره رئيس الوزراء الياباني السابق، يوشيهيدي سوجا، والرئيس الأمريكي، جو بايدن، في قمتهما في شهر أبريل الماضي، ناهيك عن الخلافات بين كوريا الجنوبية واليابان حول قضايا عالقة منذ الاحتلال الياباني لكوريا عام 1915 حتى 1945، والخلافات اليابانية مع كوريا الشمالية الي بدأت مع الحرب الكورية، ومستمرة حتى الآن على خلفية البرامج النووية والصاروخية لكوريا الشمالية.

القتال من أجل الحلفاء

هذا المشهد المتوتر في المحيط الهادئ وانضمام اليابان ضمن تحالف «كواد» الذي يضم مع اليابان كلاً من الولايات المتحدة والهند وأستراليا، يضيف تحديات كبيرة على حكومة كيشيدا التي يجب عليها التعامل مع قضايا شائكة أخرى تتعلق بالأوضاع في تايوان القريبة من الجزر اليابانية، وحرية الملاحة في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، وهو ما دفع اليابان لتوسيع مفهومها للمادة التاسعة من الدستور، التي تمنع مشاركة القوات اليابانية في أي عمليات عسكرية في الخارج، فكل السيناريوهات تقول إن الحكومة اليابانية الجديدة ستواصل البناء على القرار الذي تبناه مجلس الوزراء عام 2014، وسمح لأول مرة منذ عام 1945 بالقتال من أجل الحلفاء عبر المساهمة في عمليات حفظ السلام، ومنع القرصنة، وضمان حرية الملاحة.

السلام في الشرق الأوسط

لا شك أن الحكومة اليابانية الجديدة ستواصل الاهتمام بمنطقة الخليج التي تستورد منها 90% من احتياجات الطاقة، خاصة أن رئيس الوزراء الجديد رقم 100 في تاريخ اليابان، والذي عمل وزيراً للخارجية 5 سنوات من 2012 حتى 2017، يُنظر إليه على أنه امتداد لسياسة رئيس الوزراء الأسبق، شينزو آبي، الذي كان حريصاً على بذل كل الجهود من أجل دعم السلام والاستقرار في المنطقة العربية والشرق الأوسط.