الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

هل تحمل قرية في النيجر مفتاح هزيمة الإرهابيين الأفارقة؟

هدد نزاع بين رعاة الفولاني وجيرانهم من الطوارق الرُحَّل حول ماشية ودراجات نارية مسروقة بإشعال أعمال العنف في قرية أماتالتال عندما انتزع رجل بندقيته وأطلق النار في الهواء.

قال السكان إنه كان تصعيداً نادراً في بلدة هادئة يسكنها بضع مئات من الأشخاص في شمال النيجر، وكان بمثابة تحذير من أن مثل هذه النزاعات فتحت باباً للإرهابيين لاستغلال الصراعات لتعزيز عمليات التجنيد ونشر الفوضى.

وبدافع الخوف من التصعيد، دعا زعماء أماتالتال لجنة إقليمية لحفظ السلام للتوسط في يونيو من العام الماضي. وفي غضون أيام، جلس الخصوم وجهاً لوجه على طاولة في بستان من شجر الكافور، وعبَّروا عن مخاوفهم واتفقوا على حفظ السلام، حسبما أظهرت لقطات فيديو، وبحسب أقوال شهود.

اجتاحت أعمال عنف المتطرفين أجزاء كبيرة من الساحل بغرب أفريقيا، المنطقة القاحلة التي تقع جنوبي الصحراء الكبرى، منذ عام 2017 عندما نصب مسلحون مرتبطون بتنظيم داعش الإرهابي كميناً وقتلوا 4 جنود أمريكيين في النيجر.

وقُتل 6 عمال إغاثة فرنسيين واثنان من السكان يوم الأحد الماضي، في محمية للزرافات على بعد 65 كيلومتراً من نيامي عاصمة النيجر في منطقة كانت تعتبر آمنة في السابق.

لكن على بعد بضع مئات من الكيلومترات شمالاً، ظلت منطقة أغاديز التي تقع أماتالتال داخل حدودها، وهي منطقة بحجم فرنسا على الحدود مع الجزائر وليبيا وتشاد، تنعم بالسلام إلى حد بعيد.

ويقول الزعماء المحليون إن شبكة من المتطرفين السابقين ورجال الدين ولجان السلام المؤثرة، تشكلت رداً على انتفاضة مسلحة تسعى إلى قدر أكبر من الاستقلال السياسي للطوارق في التسعينات، منعت الإرهابيين من اكتساب موطئ قدم من خلال مراقبة المظالم ومن يعتنقون الأفكار المتطرفة.

وفي الوقت الذي تكافح فيه آلاف القوات الفرنسية لاحتواء العنف في أماكن أخرى، وتفكر الولايات المتحدة في سحب القوات، يقول زعماء أغاديز إن أساليبهم تقدم نموذجاً ممكناً لهزيمة المسلحين بدون اللجوء للسلاح.

واتفقت المحللة في مجموعة الأزمات الدولية هانا أرمسترونغ، مع هذا الرأي قائلة «تُظهر أغاديز أنه يمكن القيام بذلك. بالقيادة الصحيحة والعلاقات الصحيحة، يمكنك أن تنعم بالاستقرار».

ويتناقض وضع أغاديز بشكل صارخ مع منطقة تيلابيري في جنوب غرب النيجر المتاخمة لمالي وبوركينا فاسو.

ففي العام الماضي، تسببت الهجمات التي شنها إرهابيون على صلة بتنظيمَي داعش والقاعدة في مقتل 367 شخصاً على الأقل، جميعهم تقريباً في تلك المنطقة الحدودية، وهو ما يعادل 4 أمثال العدد في عام 2018، وفقاً لمشروع مواقع الصراعات المسلحة وبيانات الأحداث، وهو منظمة بحثية مقرها الولايات المتحدة. وفي النصف الأول من عام 2020، توفي 482.

لكن أغاديز ليست بمنأى عن الخطر، فقد فجر مسلحون سيارة ملغومة خارج قاعدة عسكرية في عام 2013، ما أسفر عن مقتل 20 جندياً على الأقل. وفي عام 2010، اختطف فرع محلي تابع للقاعدة 7 أجانب في منطقة تنقيب عن اليورانيوم حول بلدة أرليت.

وأظهرت جهود مماثلة لحفظ السلام في أماكن أخرى بمنطقة الساحل، بما في ذلك مالي قبل أن يسيطر متمردو الطوارق على الشمال ويبدؤوا في التقدم نحو العاصمة في عام 2012، بوادر واعدة قبل الانهيار. ودفع تدخل بقيادة فرنسا المتمردين إلى التقهقر في العام التالي، لكن المتطرفين الإسلاميين استعادوا منذ ذلك الحين موطئ قدم في الشمال والوسط، مستغلين الخصومات بين الطوارق والفولاني.

حكاية منطقتين

لكن قادة أغاديز مطمئنون في الوقت الحالي.

وقال سليمان هيان هيار، وهو متمرد سابق عاش لسنوات في كهوف بالجبال يقاتل القوات الحكومية خلال انتفاضة التسعينات «المتطرفون بعيدون عن هنا. لم يصلوا إلى هنا لأننا نضع (الأمر) في دائرة اهتمامنا».

وهو الآن عضو في لجنة السلام التي زارت أماتالتال ويعيش في مجمع مع أسرته في العاصمة الإقليمية أغاديز، التي تحدث منها لـ«رويترز».

وأعطى اتفاق السلام الذي تم التوصل إليه في عام 1995 المجتمعات في شمال النيجر صوتاً مسموعاً من خلال دمج متمردي الطوارق في الجيش وتعزيز وضع السياسيين الطوارق.

وأصبح المتمردون السابقون أعضاء في لجان السلام ويطلعون الحكومة على تطورات النزاعات. ويسافر الزعماء الدينيون في قوافل للدعوة إلى السلام نيابة عن الحكومة.

لم تحقق هذه التغييرات سلاماً مستداماً لأغاديز، إذ اندلعت انتفاضة أخرى للطوارق في الشمال من 2007 حتى 2009، لكن خبراء يقولون إن المنطقة تعلمت من صراعات الماضي.

وقال مساعد المنسق المساعد في منظمة (هيد تامات) المحلية للإغاثة إيسوف سيبي موسى، «رأى الناس الفظائع في أغاديز. والآن، بمجرد اندلاع صراع، يجتمع الناس لمناقشة المشكلة».

ويقول خبراء أمنيون إن الافتقار إلى القيادة المحلية وآليات السلام والعلاقات القوية مع نيامي في منطقة تيلابيري سمح بتفاقم الخصومات العرقية واستمرار الهجمات. وكسبت الجماعات المتطرفة مجندين من بين السكان المحليين المستائين الذين يعتقدون أن الدولة تخلت عنهم.

وقالت أرمسترونغ «هناك خطورة على المسؤولين المحليين في تيلابيري في الاتصال بالدولة لأن شبكات مخابرات المتطرفين متطورة للغاية. يتم التنصت على مكالماتهم واجتماعاتهم».

ولا يوجد مكان يتجلى فيه هذا الأمر بشكل أوضح من بلدة إيناتيس الحدودية، حيث قتل مسلحون أكثر من 70 جندياً في هجوم على معسكر في ديسمبر الماضي. ويقع جزء كبير من المنطقة المحيطة تحت سيطرة المتطرفين ولاذ كثير من سكانها بالفرار.

وقال الجيتيج محمد إنه كان يقود سيارته مع الزعيم المحلي إلى بلدة مجاورة في يوليو من العام الماضي عندما طوَّق مسلحون على دراجات نارية سيارتهم وفتحوا عليها النار.

وقال إن المهاجمين قيدوا يديه خلف ظهره وضربوه بعقب بندقية ففقد الوعي. وعندما أفاق وجد نفسه وحده فسار طوال الليل للوصول إلى المنزل. وعندما وصل، اكتشف أن الزعيم مات.

وفر محمد في اليوم التالي مع زوجته وأطفاله الستة.

وقال محمد، الذي ينام على الأرض في منزل أحد أصدقائه في نيامي «من هناك تنبعث رائحة الموت. لا يمكن أن أعود».

#بلا_حدود