الجمعة - 24 مايو 2024
الجمعة - 24 مايو 2024

جماهير مخدرة

إن المخادع الذي يسلب العقول بفصاحة اللسان، والخُطب الرنانة، حين تصل أموره إلى طريق مسدود، أو حين يكاد ينكشف ما كان خفياً، أو تتدهور الأحداث ضده، فإنه تلقائياً سيعود إلى خطابه الأول، ذاك الخطاب الذي ذر به التراب في عيون الجماهير، ذاك الوعد الذي لم ولن يكون له فجر، لأنه مجرد كلام، وغالب الجماهير يخدعها الكلام الذي يوحي لها بالشجاعة، أو يلوح بالأمل، أو يعد بسمك في البحر، لأنها جماهير يائسة، محبطة، ممزقة، متناحرة فيما بينها، ويعيش في أعماقها منتفعون من بقاء البوق الذي يكذب، لذا سيعود حتماً للخطة الأولى، للشرارة التي أشعلت منبره الكاذب، أو أنه في أضعف الأحوال سيبحث عن خطاب جديد، لقضية جديدة، كي يعيد صوته للجماهير، أو يخفي ما هو قريب من التكشف. وقضية القدس لم يبقَ مخادع لم يعزف عليها لحناً يناسبه، ويمجد نفسه من خلال المتاجرة بالقدس، منذ أول معاناة للقدس استعان به المتسلقون على أوجاعه، بالطبع فإن لإغراء نصرة المظلوم وهج لا يكف عن الاحتراق، وينخدع به من لم يلتفت إلى الوراء، ويفكر قليلاً جداً، ليدرك أنه تكرار للعبة ذاتها، منذ الأزل. والكاذب يعتمد على إخفاء آثاره بحمل شعارات ليس أكثر، ولن يقدم لتلك الشعارات أكثر من اللافتات، وصياح على المنابر، وإن سألت عن أفعاله، في أنبل الأحوال لن يقدم شيئاً يذكر، وفي أحقرها، سيصافح العدو، ويرقص معه، وسيبيع القضية وأهلها لمن يدفع أكثر، ومن دون حياء، لأنه يعتمد على غباء الجماهير، وذكاء المندسين بينهم، وسيطول بحثك عن الشواهد التي تصادق على نزاهته، بل ستتعثر بأكوام من الأدلة التي تدينه، وتصرخ بالدلائل، بأنه باع، وأنه خان، وأنه فتح لنفسه باباً خلفياً بعيداً عن عيون الناس، يفضي إلى طاولة الخيانة، بل قد يصل به الحال إلى باب واضح وصريح، يتحدى به عقول الجماهير المخدرة، من دون حياء، ومن دون خوف، لأنه يملك ملفات ليرفع صوته بها، كلما سأله أحد عن حقيقة وعوده، سيخلق أزمة ما، أو حدثاً يشتت به الأسئلة. فمتى تستيقظ ذاكرة الجماهير وتطلب حقها من الوعود الكاذبة، وتنصف من لم يتنازل عن دعمها. [email protected]