الاحد - 13 يونيو 2021
الاحد - 13 يونيو 2021

بماذا تتفاضل الأمم؟ (1)

قد يظن الكثير أن التفاضل بين الأمم هو بالمستوى الاقتصادي لتلك الشعوب، أو بدرجة التقانة والتقدم العلمي الذي بلغوه وعدد الاختراعات، أو بقوة السلاح والجيوش الجرّارة. والبعض يظن أن التفاضل هو بالعمق الحضاري للأمم والآثار التي خلفها القدماء. وبالتأكيد؛ مجتمعاتنا العربية تعشق الحديث عن الماضي والتفاخر، سواءً بالسنوات الممتدة في عمق التاريخ كالحضارة الفرعونية والفينيقية، أو تلك المتعلقة بالحضارة الإسلامية. وهناك شطر من مجتمعاتنا يميز نفسه بالمستوى المعيشي والرخاء الذي تحقق له أخيراً كمقياس للرقي والأفضلية النسبية على باقي الأمم. أما التفاضل بالتقنية كإنتاج وليس كاستهلاك فليس لمنطقتنا العربية حظ منه حتى الآن على الأقل. وقد يكون هناك استثناء محدود، لكن النادر كما هو معلوم لا حكم له، فالعبرة بالأغلبية. وفي ظني أن كل تلك المفاضلات لا قيمة لها في مقابل نوع آخر جاءت به كل الشرائع السماوية، لكنه توارى خلف أكداس من سنوات التخلف والاختلاف. ذلك النوع من التفاضل بين الأمم هو التفاضل بالقيم السامية ومنظومة الأخلاق الكريمة. ويكفي أن نستذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق) حتى ندرك مقدار أهمية الأخلاق ودورها المحوري في الإسلام كنموذج لكل الرسالات السماوية. وقد يكون من المفيد أن ندرك مقدار أهمية الأخلاق بمقدار الأحاديث النبوية التي تؤكد عليها، من قبيل ما رواه الإمام أحمد في مسنده (إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)، وأيضاً (إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً). وهنا يمكن للذهن أن يثير جملة من الأسئلة المبدئية والمهمة من قبيل: ما مفهوم الأخلاق في البعد الإنساني وليس الإسلامي فحسب؟ وهل تعتبر الأخلاق عاملاً من عوامل تشكيل التشريعات الفقهية في صدر الإسلام ومن ثم في القرون المتلاحقة؟ وهل يمكن أن تتعارض المنظومة الأخلاقية مع الفتاوى الفقهية؟ وإن تعارضتا فمع أي الفريق علينا الاصطفاف؟ أسئلة كثيرة ومهمة تحتاج منا إلى بعض التروي، مع كثير من الصراحة في نقد الذات بموضوعية وحيادية، بعيداً عن الخطوط الحمراء «الوهمية» التي وضعها لنا بعض من يعتقدون أنهم سدنة للدين أو حماة للأمة. تلك الأسئلة تحتاج إلى أجوبة واعية وشجاعة، إن كنا بالفعل صادقين في انتشال الأمة من دركات التخلف والضعف والفقر والتهميش التي ترزح تحتها منذ ما لا يقل عن ثلاثمئة سنة. ألتقيكم الأسبوع المقبل حتى نسترسل أكثر ونضع النقاط على الحروف .. كونوا بخير. [email protected]
#بلا_حدود